حظر سفر المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرى

قام أليكس جوفان، تاجر الأسلحة غير المشروعة،  عام 2002 بإرسال أكثر من 200 طن من الأسلحة إلى ليبيريا التي مزقتها الحرب، مسهماً بذلك في النزاع الذي تسبب حسب التقديرات في مقتل حوالي ربع مليون شخص. ومنذ سنوات خلت أصيب زوج ليندا كيسونا بمرض منقول جنسياً، فما الذي يجمع بين هذين الشخصين؟ إنه حظر السفر، فقد تم رفض دخول كليهما إلى العديد من الدول في أنحاء العالم.

وطبقاً لما جاء في قواعد البيانات العالمية الخاصة بقيود السفر على المصابين بفيروس نقص المناعة البشري، فإن قرابة الـ 70 دولة حول العالم تفرض قيوداً في سجلاتها على سفر المتعايشين مع هذا الفيروس. ولكن من الصعب جداً حتى لبرنامج الأمم المتحدة المعني بالإيدز والعدوى بفيروسه العثور على المعلومات التي غالباً ما تكون متناقضة لدرجة كبيرة.

وتقوم عشر دول تقريباً من بينها الصين وأرمينيا والسودان والولايات المتحدة رسمياً بحظر دخول الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشري إلى أراضيها بغض النظر عن مدة الإقامة، على الرغم من الجهود الأخيرة في الولايات المتحدة لإلغاء الحظر المفروض على الزائرين المصابين بفيروس نقص المناعة البشري الذي دام لأكثر من عشرين عاماً.

وعلى الرغم من قيام مجلس الشيوخ الأمريكي بإبطال هذا القانون في يوليو/تموز 2008 عندما قام المجلس بتمديد خطة طوارئ الرئيس لمساعدات الإيدز واعتماد الرئيس جورج بوش مشروع القانون ليصبح قانوناً، إلا أن الحظر ظل ساري المفعول إلى أن قامت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية بحذف فيروس نقص المناعة البشري من قائمة الأمراض المعدية.

وقد عبرت راشيل تيفين، المديرة التنفيذية لمنظمة "إميجريشن إكوالتي" أو المساواة في الهجرة - وهي إحدى جماعات الضغط - عن أملها في أن تقوم وزارة الصحة الأمريكية قريباً بمراجعة قائمة الأمراض المعدية لديها، ولكنها اعترضت على التغييرات الأخيرة التي أُدخلت على الإعفاءات والتي سمحت لبعض المسافرين الحاملين لفيروس نقص المناعة البشري بالالتفاف حول الحظر.

وقالت راشيل: "إننا نشعر بخيبة أمل لأن إدارة بوش قامت بإصدار إجراءات تبسيط السفر التي لم تكن في واقع الأمر إجراءات مبسطة على الإطلاق في الوقت الذي كان فيه إلغاء الحظر الكامل على المصابين بالفيروس وشيك الحدوث".

وقد قامت وزارة الأمن الداخلي المسؤولة عن الهجرة في نهاية سبتمبر/أيلول 2008 بإدخال تغييرات على إعفاءات السفر للزائرين المصابين بفيروس نقص المناعة البشري والتي كما تقول منظمة "إميجريشن إكوالتي" أنها فرضت معايير أكثر صرامة بدلاً من تبسيط العملية.

فعلى سبيل المثال، يجب على المسافرين إثبات أن لديهم إعانة طبية خاصة مقبولة في الولايات المتحدة، وحتى هؤلاء الذين لديهم أقارب مباشرين في البلاد يحظر عليهم التقدم للحصول على بطاقة الإقامة المؤقتة "الجرين كارد" في البلاد. وقد أكدت جماعة الضغط أن الإصابة بفيروس نقص المناعة البشري هي الحالة الطبية الوحيدة التي تخضع لتلك اللائحة.

وطبقاً لما ذكرته ناشطة الإيدز الكمبودية فانا رينزي، فإن تلك الحالات كانت صعبة بما فيه الكفاية. فعندما تمت دعيت  رينزي لحضور الجلسة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة حول فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، قامت منظمات الإغاثة الدولية بإرسال خطابات دعوة لها مشيرة إلى حالتها كمتعايشة مع فيروس نقص المناعة البشري وإلى سبب دعوتها إلى الولايات المتحدة تماشياً مع لوائح الهجرة. ومع ذلك عندما وصلت إلى نيويورك قام مسؤولو الهجرة باستخدام حالتها سبباً لإلغاء تأشيرة دخولها إلى الولايات المتحدة.

القراءة بين السطور

وعادة ما تشير الحكومات إلى مبررين لفرض القيود أولهما أن تلك القيود ستساعد على مكافحة انتشار فيروس نقص المناعة البشري، وثانيهما أنها ستوفر على الدولة المضيفة تكاليف العلاج المرتبطة بفيروس نقص المناعة البشري.

وقالت سوزان بلير تمبرلايك، مستشارة القانون وحقوق الإنسان في برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بالإيدز والعدوى بفيروسه أن المبررين غير مقنعين، مضيفة أن "منع الناس من دخول بلد ما لمنع انتشار فيروس نقص المناعة البشري أمر لا معنى له في الوقت الراهن خاصة وأن المرض موجود الآن في كل بلد. فإذا كانت هذه هي استراتيجيتك، فعليك إذن إغلاق الحدود أمام العديد من مواطنيك الذين يغادرون البلاد ثم يعودون إليها".

وعندما بدأت الحكومة الكوبية في علاج أولى مرضاها المصابين بفيروس نقص المناعة البشري عام 1986، قامت بوضع سياسة للحجر الصحي الإلزامي يتم بمقتضاها إرسال المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشري إلى مصحات حكومية، ولكن تم إلغاء هذا القانون في عام 1993.


وقالت تمبرلانك أن "بين سطور هذه القوانين هناك افتراض بأن المصابين بفيروس نقص المناعة البشري سوف يتصرفون بطريقة غير مسؤولة وهو أمر لا تؤيده أية أدلة، وهذه هي المشكلة"، مضيفة أنه لو كانت تكاليف العلاج هي ما يثير القلق، فإنه على الدول أن تقوم بفحص الأشخاص الراغبين في الإقامة الدائمة في البلاد كل على حده.

ونادراً ما يعير ضباط الهجرة اهتماماً لحقوق الإنسان مثل الحق في طلب اللجوء والاختبار السري والحق في حماية وحدة الأسرة. واستجابة لذلك قام برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بالإيدز والعدوى بفيروسه مؤخراً بتشكيل فريق عمل دولي لرفع الوعي بشأن الحظر على السفر وانتهاكات حقوق الإنسان.

المغادرة على متن طائرة نفاثة

وتحاول ليندا كيسونا لما يقرب من عام إحضار زوجها المصاب بفيروس نقص المناعة البشري من كينيا للعيش معها ومع ابنتهما في الولايات المتحدة. وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية/بلاس نيوز قالت كيسونا: "تحتاج السلطات إلى إعفاء خاص بفيروس نقص المناعة البشري وإلى تأمين صحي، وهم يعرفون أنه من المستحيل الحصول على ذلك. فلا توجد شركة تأمين مستعدة لتأمين شخص خارج هذه البلاد (الولايات المتحدة) وحتى إن وجدت فإنها لن تقوم بتأمين شخص مصاب بفيروس نقص المناعة البشري".

وطبقاً للحكومة الأمريكية، فإن مطلب التأمين شرط معقول لمنع تحويل أي عبء مالي من الزائر إلى دافع الضرائب الأمريكي في حالة حدوث ظروف طبية طارئة.

وأردفت كيسونا قائلة: "من المهين أن تضطر للسفر إلى بلدك لرؤية حبيبك الذي حُظر عليه القدوم للالتحاق بك بسبب حالته على الرغم من استعدادك لإعالته. كل عام أضطر للسفر إلى موطني لأنني لا أريد أن أقطع تلك الروابط، ولذلك أعمل أوقات إضافية وبجد لكي أجمع المال اللازم لشراء تذاكر السفر".

وأخبر المحامون كيسونا أنه لا يوجد الكثير مما يمكنهم فعله للالتفاف حول مادة التأمين المنصوص عليها في القانون، ولذلك تحاول العثور على عيادة أو منظمة تقوم بتوقيع إقرار بأنها ستكون مسؤولة عن رعاية زوجها.

لو نجح هذا المسعى فإن كيسونا الموجودة في الولايات المتحدة بتأشيرة إقامة مؤقتة سوف تتقدم للحصول على الجنسية الأمريكية. وإذا لم ينجح مسعاها فإن حلمها بتوحيد أسرتها قد يتحطم. وعن ذلك قالت: "سأجرب فرصتي الأخيرة هذه المرة لإحضاره إلى هنا. ولكن إذا لم تنجح المحاولة فسينبغي علي أن أفكر بخلاف ذلك، لأننا لا نستطيع العيش على هذا النحو".