تنامي الارتباط بين الجرائم البيئية والعنف وانعدام الأمن

من المعروف أن الجريمة البيئية المنظمة تمثل تهديدات متعددة على الأمن البشري، ومع ذلك يتعامل معها القائمون على إنفاذ القانون منذ وقت طويل على أنها أولوية منخفضة، ويعتبرونها قضية "خضراء" تافهة تتبع مجال دُعاة حماية البيئة.
ولكن نتيجة لمجموعة متنوعة من العوامل - بما في ذلك تفاقمها على مدار العقد الماضي، وارتباطها بأنشطة إرهابية، وارتفاع قيمة السلع البيئية المهربة، وعدم نجاح أولئك الذين يحاولون كبح جماحها - تشق هذه الجرائم طريقها ببطء إلى قوائم مهام القائمين على إنفاذ القانون والسياسيين وصناع القرار.


وقد وضع الهجوم الإرهابي الذي وقع مؤخراً على مركز "ويست غيت" للتسوق في العاصمة في الكينية نيروبي الجرائم البيئية، مثل تجارة العاج وقرون وحيد القرن، تحت المجهر لتخضع لتدقيق متزايد. ويسود اعتقاد بأن حركة الشباب، وهي جماعة إسلامية مسلحة أعلنت مسؤليتها عن الهجوم، تموّل نحو 40 بالمائة من أنشطتها عن طريق صيد الأفيال غير المشروع، أو من تجارة "العاج الملطخ بالدماء." كما أن جيش الرب للمقاومة، وهو جماعة متمردة تتسم بالوحشية وتنشط في جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية إفريقيا الوسطى، معروف باللجوء إلى صيد الأفيال غير المشروع لتمويل أنشطته.
وقد حفزّ تنامي عائدات هذه التجارة في آسيا الطلب على العاج وقرون وحيد القرن، مما قاد إلى ارتفاع صاروخي في مستويات الصيد غير المشروع. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، ارتفع معدل الصيد الجائر لوحيد القرن في جنوب إفريقيا إلى سبعة أضعاف نظراً لتنامي الطلب في فيتنام ودول آسيوية أخرى على القرون، التي تستخدم في علاج السرطان، وكمنشطات جنسية، وكرمز للمكانة الاجتماعية والاقتصادية.

"نقطة في بحر"
وعلى الساحة الدولية، بدأ السياسيون، الذين شعروا بالقلق إزاء تزايد الدلائل على وجود صلات بين المنظمات الإرهابية والجرائم البيئية المنظمة، في اتخاذ موقف أكثر قوة ضد الاتجار بالأحياء البرية. وفي شهر يوليو، شكل الرئيس الأمريكي باراك أوباما فريق عمل لمكافحة الاتجار بالأحياء البرية وتعهد بتقديم 10 ملايين دولار لمكافحة هذه الجريمة.
ومع ذلك، يرى جاستن غوسلينغ، كبير مستشاري مكافحة الجريمة البيئية المنظمة في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود، التي تم تدشينها في نيويورك مؤخراً، أن هذه الجهود لا تمثل سوى "نقطة في بحر."
وأضاف قائلاً: "إذا أرادت الدول النامية المساعدة حقاً، فيجب عليها أن تقدم قدراً كبيراً من المال."
ومن الجدير بالذكر أن المبادرة العالمية، التي تمولها سويسرا والنرويج وتضم شبكة من الخبراء البارزين في مجال مكافحة الجريمة المنظمة، تهدف إلى التوصل إلى تعاون بين عدد كبير من الأطراف الفاعلة من الحكومات والمجتمع المدني لإيجاد السبل الكفيلة بمكافحة الاتجار غير المشروع.
وفي مؤتمر المبادرة العالمية، قدم غوسلينغ تقريراً بعنوان "الاستجابة العالمية للجريمة البيئية المنظمة العابرة للحدود"، وهو عبارة عن تقرير يوثق الجرائم البيئية في مختلف أنحاء العالم. ويحذر التقرير من أن وتيرة هذه الجرائم في ارتفاع من حيث "النوع والحجم والقيمة"، وأن أثرها يتجاوز بكثير مجرد تدمير الموائل والموارد الطبيعية، مضيفاً "إنها تؤثر على الأمن البشري من حيث تفجير الصراعات، وتهديد سيادة القانون وإمكانية الوصول إلى اللوازم الأساسية، مثل المياه الصالحة للشرب ومصادر الغذاء والمأوى."


ويتسع نطاق الجرائم الموثقة من التجارة غير المشروعة في النباتات والحيوانات وقطع الأشجار والصيد واستخراج المعادن بطريقة غير قانونية، إلى إنتاج المواد المستنفدة لطبقة الأوزون والاتجار فيها، والتخلص من المواد السامة و"المناطق الرمادية" مثل استخراج الموارد الطبيعية بكميات هائلة.


الأكثر عرضة للخطر


الدول الأكثر هشاشة - تلك التي تفتقر إلى البنية التحتية والشرطة الفعالة ولكنها تكون في الغالب غنية بالموارد الطبيعية غير المستغلة - هي الأكثر عُرضة للاستغلال، والمجتمعات المحلية الأكثر فقراً هي الأشد معاناة. إذ يذكر التقرير أن "الاعتماد المحلي على الحياة البرية والنباتات والأشجار والأنهار والمحيطات لا يزال قوياً بالنسبة لملايين الناس في جميع أنحاء العالم، كما كان دائماً."


تفقد المجتمعات المحلية الإمدادات الغذائية والوظائف في قطاع السياحة بسبب صيد الحيوانات والأسماك غير المستدام، فضلاً عن إزالة الغابات، في الغالب بطريقة غير مشروعة. وفي الدول الضعيفة مثل جزرالمالديف، على سبيل المثال، يتعرض السكان لمخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر وتغير المناخ الناجم بشكل جزئي عن إزالة الغابات.
وعلى الرغم من أن نسبة 25 بالمائة هي النسبة الشائعة المتكررة، إلا أنه من المستحيل تحديد نسبة الجريمة البيئية إلى إجمالي الجرائم المنظمة. وتُستقى هذه النسبة من تقديرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لحجم المشكلة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وغالباً ما يعول عليه استقرائياً كتقدير عالمي. ولا يتوفر حتى الآن سوى قدر قليل من المعلومات حول كم الموارد التي تستنزفها الجريمة البيئية المنظمة من الاقتصاد الشرعي. ومما يزيد الأمور تعقيداً أن الخط الفاصل بين الجريمة البيئية وغيرها من الجرائم المنظمة كثيراً ما يتلاشى، نظراً لكثرة استخدام شبكات الاتجار ذاتها للقيام بهذين النوعين من الجرائم.


وتعليقاً على ذلك، قال غوسلينغ: "في حقيقة الأمر، نحن لا نحاول النظر إلى الجريمة البيئية المنظمة من حيث القيمة، بل ننظر إلى الاستجابة العالمية للمشكلة. من هي الأطراف الفاعلة، وما الذي يقومون به في هذا الصدد؟ هل هو كاف، وإذا لم يكن كافياً، ما الذي يمكننا عمله؟"

تعزيز تدابير إنفاذ القانون
توشك الجهود الحالية على الفشل، ويُعزى جزء من المشكلة إلى وجود اختلاف كبير في التشريعات والعقوبات بين الدول. وفي هذا الصدد، يذكر التقرير، الذي يدعو لتنسيق أفضل للأهداف، أنه "توجد مسافة شاسعة بين ما يمكن اعتباره مقبولاً وما هو غير مشروع." وعلى الرغم من أن هناك الكثير من الاستراتيجيات الدولية والقطرية، إلا أن الروابط بينها قليلة.


إحدى المشكلات الدائمة في هذا الصدد هي أن الوكالات البيئية المُكلَّفة بالتصدي للجرائم البيئية تفتقر إلى القدرة أو الولاية القضائية اللازمة لمنعها، في حين تحجم وكالات إنفاذ القانون عن إعطاء الأولوية لمثل هذه الجرائم. ولكن مع ارتفاع الحوافز المالية لهذه الجرائم - حيث يمكن أن يصل ثمن قرن وحيد القرن إلى 250,000 دولار، على سبيل المثال، ويمكن أن تصل قيمة الأسماك التي يتم بيعها خلال رحلة صيد واحدة إلى مليون دولار - ترتفع المخاطر أيضاً.



وفي السياق نفسه، توجد أدلة على استخدام أسلحة ثقيلة، مثل مدافع الهاون وأسلحة شبه آليه، فضلاً عن طائرات الهليكوبتر، في عمليات الصيد غير المشروعة، حسبما يقول جوليان راديمير الصحفي الاستقصائي، الذي يفضح في كتاب له بعنوان"القتل من أجل الربح" التجارة غير المشروعة في قرون وحيد القرن في جنوب إفريقيا. 

وفي كثير من الأحيان، يكون لكبار اللاعبين في هذه التجارة - مثل زعيم العصابة المزعوم فيكساي كيوسافانج الذي يُطلق عليه لقب "بابلو إسكوبار الاتجار بالأحياء البرية"، ويُقال أنه يحظى بحماية من العقاب في موطنه الأصلي لاوس - صلات بالمسؤولين الحكوميين والنخب القوية الأخرى.


ولا يمكن لأي قدر من التدابير الشرطية إلغاء حقيقة أن الكثير من الناس ينظرون إلى الجرائم البيئية على أنها جواز السفر الذي ينقذهم من براثن الفقر. وقد وجد راديمير، الذي قدم نتائجه في مؤتمر المبادرة العالمية، أن الشباب الذين ينحدرون من قرى معدمة في موزمبيق ويدخلون "منتزه كروغر الوطني" لصيد وحيد القرن يعاملون معاملة الأبطال في مجتمعاتهم نظراً لكثرة الأموال التي يجلبونها. 


وتعليقاً على هذه النقطة، قال راديمير إن "العديد من المجتمعات المحلية في الجانب الموزمبيقي من منتزه كروغر لا تستفيد من جهوده المحافظة على البيئة. إنهم يواجهون خياراً واضحاً: إما الذهاب إلى جوهانسبيرج بطريقة غير قانونية ومحاولة العثور على فرصة عمل، أو صيد وحيد القرن بطريقة غير شرعية، حيث يمكنهم الحصول على مبلغ يتراوح ما بين 200 و2,000 دولار للقرن الواحد." وأضاف أنه في ظل غياب خيارات بديلة: "سوف يظل هناك طابور طويل من الأشخاص المستعدين للقيام بأدوار وسيطة في شبكات الاتجار هذه."


ضرورة التعاون


قال راديمير إنه يمكن للمبادرة العالمية أن تساهم في تسريع وتيرة العمل من خلال تبادل المعلومات: "هذه العصابات تتحرك وتتكيف بسرعة كبيرة. والسبيل الوحيد لإيقافها هو التحرك بسرعة أيضاً."


ولكن التوقيع على عدد لا نهائي من مذكرات التفاهم لا يؤدي إلى تفادي التأخيرات البيروقراطية والدبلوماسية في مجابهة الجرائم البيئية العابرة للحدود. وبخلاف عالم الجرائم الإلكترونية الغامضة التي تتطور بسرعة، لا تزال الجرائم البيئية "تجارة أكثر تقليدية. وليس هناك أعذار لعدم التصدي لها،" بحسب راديمير.


ويتفق معه في هذا الرأي ستيفن ترينت، مدير مؤسسة العدالة البيئية (EFJ)، التي ترصد أثار الصيد غير القانوني على سبل عيش السكان في بعض الدول الأشد فقراً في غرب إفريقيا، بما في ذلك ليبيريا وسيراليون. وقد كشفت المؤسسة أيضاً طرق الاتجار بالبشر في سفن الصيد غير المشروع هذه، سواءً باستخدام مثل هؤلاء الأشخاص كصيادين غير مدفوعي الأجر، أو في التجارة الجنسية في آسيا. وفي كثير من الأحيان، يكون الجناة "عن قصد وأحياناً عن غير قصد" هم الشركات التي تقوم بصيد الأسماك بصورة غير مشروعة وترسل منتجاتها إلى الدول الغنية.


ويرى ترينت أن بعض الحلول المتعلقة بمكافحة الجرائم البيئية لا ينبغي أن تكون معقدة أو فائقة التقنية بالضرورة. وكخطوة أولى، يمكن أن يُطلب من كل سفينة صيد أن تحمل رقم ترخيص إلزامي. ويقول ترينت: "عندما يتعلق الأمر بالجريمة المنظمة، يميل الناس إلى تعقيد الأمور، في حين أنه توجد في بعض الأحيان حلول أساسية يمكن أن تحقق نتائج سريعة،" مضيفاً أن "الشفافية والتتبع هما من أفضل وأبسط أدوات مكافحة الفساد."


أما المناطق "الرمادية" مثل قطع الأشجار على نطاق صناعي، حيثما يكون القانون في الغالب غير واضح أو لا يتم تطبيقه على نحو منصف، فإنها تحرم الناس من مصادر رزقهم وموائلهم الطبيعية أيضاً. وفي هذا الإطار، كشف بحث أجرته منظمة "الشاهد العالمي" (Global Witness) في كمبوديا وليبريا عن منح امتيازات ضخمة في مجال قطع الأشجار في هاتين الدولتين "دون مردود إيجابي على الناس الذين يعيشون هناك،" حسبما ذكر غافين هايمان، مدير المنظمة، الذي يرى أنه ينيبغي على الدول تبادل المزيد من المعلومات حول استراتيجيات إنفاذ القوانين.


كما يكشف بحث منظمة "الشاهد العالمي" أن نحو ربع مساحة الأرض في ليبيريا قد مُنحت كامتيازات لقطع الأشجار. ووصل الأمر في بعض الحالات إلى طرد أعضاء المجتمعات المحلية من أراضيهم وتجريدهم من موارد رزقهم. وفي كمبوديا، وصل الأمر إلى قتل النشطاء الذين يقاومون قاطعي الأشجار. 


 
وختاماً، يقول هايمان إنه يتحتم على الأطراف الفاعلة الخروج إلى الميدان والتعرف على الاحتياجات الفعلية للمجتمعات المحلية، وإلا قد تقع هذه الفئات الضعيفة من السكان ضحية للجرائم البيئية.

pg/rz-kab/ais