السودان- تشاد: ضغوط النزوح الطويل الأمد

 إنّ مخيم جبل للاجئين في شرق تشاد، حيث يقيم البعض منذ حوالى عقد من الزمن بعد أن فروا من أعمال العنف في دولة السودان المجاورة، يبرز بعض المشاكل العائلية والاجتماعية الناجمة عن النزوح والتبعية. فقد أشارت أشتار أبو بكر إبراهيم، إحدى زعيمات النساء اللاجئات في مخيم جبل، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه في السابق، كان الرجال والنساء يعملون على حد سواء في دارفور (بالسودان)، ولكن الآن ما من وظائف لأي شخص هنا تقريباً." وأضافت أن "الرجال وجدوا أنفسهم عاطلين عن العمل، وأصبحت النساء يعتمدن على رجال عاطلين عن العمل، الأمر الذي خلق مزيجاً من الإحباط والغضب، وأدى بالرجال إلى ضرب النساء".

وفي هذا المخيم الذي يأوي نحو 18,000 لاجئ، تجلس مجموعات من الرجال في الظل يتجاذبون أطراف الحديث لساعات طويلة، في حين تعمل النساء في وظائف مؤقتة، إذا أمكنهن ذلك، بالإضافة إلى الأعمال المنزلية كرعاية الأطفال وجلب الماء والحطب. وأوضحت أشتار: "قررت النساء العمل، فذهبن إلى البلدة لصنع الطوب [وكسب المال] من أجل أطفالهن، بينما أراد الرجال إساءة استخدام [العائدات]، ما أدى إلى العنف في ما بين الأزواج". وقال أحد مسؤولي الإغاثة، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، لشبكة الأنباء الإنسانية "إن النساء قد تحركن ووجدن العمل، ولكن الرجال عاطلون عن العمل وهذا يؤثر على ثقتهم بأنفسهم ويحطم غرورهم". وأضاف المسؤول قائلاً: "في بعض الحالات، يبيع الرجل حصة الغذاء مقابل الحصول على الكحول أو هاتف محمول، ولذلك فإن المرأة تضطر إلى أخذ البطاقة التموينية سراً في يوم توزيع المساعدات الغذائية". وتذكر أن رجلاً باع حصة الأسرة من الغذاء ذات مرة لشراء هاتف محمول، "وراحت المرأة تصرخ قائلة هل سنأكل الهاتف المحمول لمدة شهر؟"

ورغم الجهود المبذولة لتعزيز الاكتفاء الذاتي، ما زال اللاجئون القادمون من دارفور إلى تشاد يعتمدون بشكل كلي تقريباً على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية، كما لاحظ تقرير أصدره مركز التوجيه الثقافي الأمريكي في يونيو 2011. ويؤكد تحالف أكت (ACT Alliance)، وهو تحالف يضم 125 كنيسة ومنظمة ذات صلة تعمل معاً في مجال المعونة الإنسانية وحشد الدعم الإنساني والتنمية، أن فرصة حصول هؤلاء اللاجئين على الأراضي الصالحة للزراعة لا تزال منعدمة بشكل عام.

التفكك الأسري

يؤدي التفكك الأسري إلى تفاقم محنة اللاجئين. فأفادت أشتار المقيمة في مخيم جبل أنه "من المثير للدهشة أن جميع الناس [الأزواج] تقريباً الذين تركوا دارفور وهم متزوجين، قد أصبحوا مطلقين." ويقول ماغوا كانجا، مدير الجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين (HIAS) في تشاد أن هناك العديد من النساء الأرامل والمطلقات الأمهات الشابات في مخيمات اللاجئين في شرق تشاد، مضيفاً "إنهن يتزوجن اليوم، وغداً يصبحن مطلقات، ومع ذلك فلديهن أطفال تجدر رعايتهم".

والجدير بالذكر أن الجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين تعمل في ستة مخيمات للاجئين في شرق تشاد، التي أصبحت موطناً لحوالى 264,000 لاجئ سوداني يقيمون في 12 مخيماً. ويشكل الحصول على الرعاية الصحية وأنواع الدعم النفسي الأخرى تحدياً بالنسبة للنساء اللاتي يتعرضن للعنف القائم على أساس الجنس. وأوضح كانجا أن "المجتمع لا يريد أن يشجع الإبلاغ عن مثل هذه الحالات. فهم يريدون حل تلك المشاكل محلياً، لأن ثقافتهم لا تشجع على حل القضايا خارج نطاق الأسرة. فإذا أخذت المرأة [التي تعرضت للضرب] مثلاً إلى المستشفى، سيعرف الآخرون بأمرها". وأضاف أن "الجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين وغيرها من الشركاء العاملين في المخيمات يبذلون كل جهد ممكن لحل مشكلات العنف القائم على أساس الجنس في وجود العائلة".

والنساء اللاجئات، اللاتي تعرض العديد منهن لصدمات نفسية بسبب اضطرارهن إلى الفرار من ديارهن، تعتبرن عائلاتهن في منتهى الأهمية، ولذا فإن فكرة ترك أزواجهن، حتى لو كنّ يتعرضن لعنف قائم على أساس الجنس، ليس خياراً واقعياً. وأفاد كانجا أن الجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين تقوم بتدريب بعض النساء اللاجئات لاكتساب مهارات مثل صنع الخبز والصابون من خلال مراكز المجتمع المحلي التابعة للمنظمة، "بدلاً من مجرد تقديم الدعم النفسي في شكل مشورة، ثم ترافقهن بعد ذلك إلى المستشفى للحصول على الرعاية الطبية". وأضاف: "إننا نعدّهنّ لكي تكون لديهن بعض المهارات إذا عدن إلى بلدهنّ الأصلي، وحتى إذا تناقص تمويل الجهات المانحة".

خطر الاغتصاب

تقول دراسة أعدتها جامعة دنفر أن النساء اللاجئات يتضررن من العنف أكثر من أي مجموعات نسائية أخرى في العالم، كما يتعرضن لخطر الاغتصاب أو غيره من أشكال العنف الجنسي". "فالمكان الذي تعيش فيه المرأة اللاجئة، غالباً في مخيمات اللاجئين، يرغمها على الاعتماد على الآخرين بطريقة تجعلها أكثر عرضةً للعنف. على سبيل المثال، إذا لم تعد قادرة على المساهمة في دخل الأسرة، تصبح معتمدة على دعم الرجل، ما يزيد من احتمال تعرضها لسوء المعاملة من أجل تلبية احتياجاتها".

ومن جانبه، أشار جايا فادلامودي، وهو كبير مسؤولي الاتصالات في الهيئة الطبية الدولية (IMC) إلى أنه "يمكن للاّجئين - وبخاصة النساء والأطفال - أن يتعرضوا لأعمال عنف خلال رحلتهم، فضلاً عن زيادة العنف القائم على أساس الجنس عندما يقيمون في مخيمات مزدحمة، كما ويتعرضون للضغط الناجم عن تجارب صعبة، وعدم وجود حماية أو موارد". وأضاف فادلامودي أن العنف القائم على أساس الجنس في خمسة مخيمات للاجئين تعمل بها الهيئة الطبية الدولية في شرق تشاد، حاز على نسبة 1.7 بالمائة من مجموع المشورات النفسية المقدمة خلال الفترة من يناير 2011 إلى مارس 2012، بينما تم تخصيص 20 بالمائة من المشورات لحالات الزواج المبكر   و35 بالمائة لحالات العنف الجسدي و33 بالمائة لحالات العنف المنزلي و11 بالمائة لحالات الاغتصاب.

كما تقدم الهيئة الطبية الدولية الخدمات الطبية للناجين من الاعتداء الجنسي، بما في ذلك الأدوية الأساسية (العلاج الوقائي بعد التعرض للاعتداء، للحد من احتمالات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، ووسائل منع الحمل الطارئة لمنع الحمل غير المرغوب فيه). وأضاف جايا قائلاً: "إننا نتّبع نهجاً شاملاً في جميع برامج مكافحة العنف القائم على أساس الجنس الخاصة بنا حتى يتسنى لنا ليس فقط التعامل مع الآثار الجسدية والنفسية للإيذاء، ولكن أيضاً منع مثل هذه الحالات في المستقبل من خلال تثقيف المجتمع والتواصل معه".

الزواج المبكر والعنف القائم على أساس الجنس

في مخيم جبل، على سبيل المثال، نوع الزواج السائد هو الزواج المبكر. "من الصعب إقناع الناس [في مخيم اللاجئين] أن هذا شكل من أشكال العنف القائم على أساس الجنس،" كما أوضحت أشتار، التي تزوجت عندما كانت في الخامسة عشر من عمرها وهي أم لاثني عشر ابناً بينما لم تكمل عامها السابع والثلاثين بعد. بل إن أحد أبنائها، الذي يبلغ 17 عاماً، قد أصبح زوجاً بالفعل.


الصورة: أن ويرو/إيرين
شرق تشاد هي موطن لحوالى 264,000 لاجئ سوداني



وأكد مسؤول الإغاثة أن "تنظيم الأسرة هو نوع من المحرمات في هذه المنطقة، والناس لا يتحدثون عنه. إنه أمر صعب لأسباب ثقافية وعدم مشاركة الذكور فيه. إنهم يريدون الكثير من الأطفال لأن هذا دليل على الخصوبة". وقد تم تسجيل حالات من العنف الجنسي ضد النساء اللاجئات في شرق تشاد اللاتي يخرجن للبحث عن الحطب. وأعدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين مبادرة لتوفير مصابيح تعمل بالطاقة الشمسية ومواقد تقتصد في استهلاك الوقود في بعض المخيمات على مدار السنوات الثلاث المقبلة، وذلك بهدف التصدي لبعض التحديات الأمنية والبيئية. وقالت أشتار في هذا الصدد: "نضطر للمشي طوال اليوم في بعض الأحيان [بحثاً عن الحطب]. وكنا نتعرض للاعتداء في عامي 2006 و2007 ولكن هذه الاعتداءات قد تناقصت".

في الواقع، نجد شرق تشاد يتعافى بعد سنوات من حرب بالوكالة بينه وبين السودان، وذلك بعد توقيع اتفاق في يناير 2010 بين الحكومتين، ولكن لا تزال الهجمات على المدنيين وغيرها من أشكال الإجرام مستمرة. فمنذ عام 2011، تعمل قوات الأمن التشادية التي تحظى بدعم الأمم المتحدة، أو المفرزة الأمنية المتكاملة (DIS)، على توفير الأمن في مخيمات اللاجئين والمناطق المحيطة بها، وحماية قوافل العائدين من النازحين. وقد أصبح وجود المفرزة الأمنية المتكاملة ضرورياً منذ انسحاب بعثة الأمم المتحدة في تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى (مينوركات) في عام 2010، من أجل فرض احترام القانون، ومنع تجنيد الأطفال في الجماعات المسلحة، وخفض عدد حوادث الاعتداء الجنسي والعنف القائم على أساس الجنس في مخيمات اللاجئين والمناطق المحيطة بها.

وقد تم إبلاغ المفرزة الأمنية المتكاملة عن ما لا يقل عن 250 شكوى عامة من الاعتداء الجنسي والعنف القائم على أساس الجنس في شرق البلاد خلال النصف الأول من عام 2010، وفقاً لتقرير منظمة هيومن رايتس ووتش عن عام 2011.

aw/cb-ais/bb

"