تحليل: المهاجرون السوريون في لبنان يواجهون معضلة

 يتعرّض السوريون في لبنان للهجمات بشكل متزايد مع تفاقم المشاعر المعادية لهم جراء الصراع الحالي في بلادهم. وقد أدى المأزق السوري إلى تزايد الانقسام بين مختلف الطوائف والفصائل في لبنان. فبينما رحب اللبنانيون السنّة في الشمال بعشرات الآلاف من اللاجئين السوريين خلال السنة والنصف الماضية، بدا اللبنانيون من الطوائف الأخرى وفي أجزاء أخرى من البلاد أقل ترحيباً.

ففي الجعيتاوي، أحد شوارع بيروت المسيحية ومعقل المسيحيين اللبنانيين، تبدو المشاعر المعادية للمهاجرين السوريين الذين عملوا في لبنان منذ سنوات جليّة. وقد عبّر عنها كمال سعد (48 عاماً) بالقول: "حكمنا السوريون طوال 30 عاماً، فكيف يمكننا أن نحبهم؟ أتمنى - بمشيئة الله - أن تقضي الحرب عليهم جميعاً، فهم عرب أما نحن [المسيحيون اللبنانيون] من الأوروبيين".

وقد قام سكان الحي بجمع نحو 60 توقيعاً مطالبين محافظ بيروت باتخاذ "التدابير الأمنية والقانونية اللازمة" بحق العمال السوريين الذين يُعتقد أنهم يشكلون تهديداً للمنطقة. وقد حذر سيزار، وهو جزار لبناني فضل عدم ذكر اسم عائلته، قائلاً: "هذه رسالة لتحذير السلطات من أنه في حال عدم تدخلها، سوف ننظم أنفسنا ونحل هذا الوضع باللجوء إلى العنف". من جهته، قال شربل عيسى (29 عاماً) أن العمال السوريين السكرى متواجدون في كل مكان ويتحرشون دائماً بالنساء ليلاً. "لذا سنفرض حظر تجول على السوريين بعد السادسة ليلاً، بحيث تقتصر حياتهم على العمل والنوم".

الغارات العسكرية وعنف الشارع

ولطالما تعرض العمال السوريون الموسميون في لبنان والذين يبلغ عددهم نحو 300,000 شخص لمشاعر مناهضة لسوريا، لاسيما قبل بدء الانتفاضة السورية في مارس 2011. ويُعتبر هذا تركة الاحتلال السوري للبنان الذي بدء في السبعينيات ودام 29 عاماً.

وتقول يارا شهايد، وهي عضو في حركة مناهضة للعنصرية مقرها بيروت: "بعد الانسحاب السوري من لبنان [في عام 2005]، كان العمال السوريين يتعرضون للضرب بعد كل تفجير يُلقى باللوم فيه على النظام السوري". ولكن منذ بدء الصراع في سوريا، عندما بدأ السوريون يفرون إلى لبنان بأعداد كبيرة، اشتدت حدة كراهية الأجانب الموجودة أصلاً، وذلك خوفاً من أن تقوم المعارضة السورية باستخدام لبنان كقاعدة لنضالها - تماماً كما فعل الفلسطينيون قبل اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية. وها هي الغارات العسكرية اليوم تحل بشكل متزايد محل عنف الشارع المعتاد.

ففي وقت متأخر من ليل 7 أكتوبر، داهم الجيش اللبناني شقق حوالى 70 عاملاً من الجنسيات المصرية والسورية والسودانية الذين يقطنون في الجعيتاوي وحي مار مخايل، وهو حي مسيحي آخر في بيروت. وقبل أسبوع من تلك الحادثة، أي في الأول من أكتوبر، قام بعض الجنود باقتحام ورشة بناء حيث يعمل وينام بعض المهاجرين في منطقة الأشرفية المجاورة، حسبما أفاد السكان لمنظمة هيومن رايتس ووتش مؤكدين أنهم "سمعوا صراخاً من المبنى". وقد أصدر العديد من "المخاتير"، رؤساء الأحياء، بياناً يشجع على المزيد من مثل هذه الغارات. وفي 17 أكتوبر، في منطقة الرملة البيضا الساحلية ، قام حشد من أكثر من 20 رجلاً لبنانياً بمهاجمة العمال السوريين بالسكاكين والعصي، ما أسفر عن إصابة 10 أشخاص.

استهداف المعارضين السوريين السنة؟

ودافع الجيش عن عمليته في الجعيتاوي قائلاً أنها جاءت رداً على الشكاوى حول زيادة نسبة التحرش الجنسي وارتفاع عدد الجرائم التي يرتكبها العمال الأجانب. ويوجه السكان اللبنانيون في المنطقة الاتهام للعمال السوريين بالسرقات والتحرش الجنسي وافتعال المشاكل وحتى ارتكاب جرائم القتل. ولكن وفقاً لهيومن رايتس ووتش، فإن الأدلة ضدهم نادرة وقد بدت العملية العسكرية وكأنها عقاب جماعي أكثر منها سيطرة أمنية ملائمة.

ومن بيروت، أكد نديم حوري، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، أنه "لم يتم إجراء أي تحقيق واضح. فلماذا لم يبحث الجيش عن أشخاص محددين يشتبه في تورطهم في مثل هذه الأعمال؟" وأضاف: "نحن نؤيد سيطرة القانون والشرطة، ولكننا ضد هذا النوع من العنف".

وأوضح الجيش كذلك أنه كان يتأكد من تصاريح العمل، غير أنه يحق للسوريين العمل في لبنان من دون أوراق، وفقاً لاتفاق غير مكتوب منذ فترة طويلة.

وقال أحمد*، وهو خياط سوري في الثلاثينات من العمر، وصل من حماة منذ عدة سنوات، أنه لم يتم القبض على سوري واحد على خلفية اتهامات محددة. وبدلاً من ذلك، كان الجنود يضربون السوريين، بمن فيهم القصر، لمدة تصل إلى خمس ساعات، مستخدمين الصدمات الكهربائية. وأضاف قائلاً: "لم يسمحوا لنا بالحديث وبدأوا في ضربنا على الفور". ولا تزال الندوب الناجمة عن الضرب تغطي نصف ظهره.

دوافع طائفية؟

ويرى السوريون أنهم ضحايا لجيش طائفي كما أفاد أحمد الذي وصف ما حدث عند اعتقاله بالقول: "بينما كانوا يضربوننا، كانوا يسألوننا" ألا تعرفون هذه العقوبات من أيام خدمة العلم في الجيش السوري؟ أم أنكم مع [المتمردين] في الجيش السوري الحر...لقد قاموا أيضاً بالتأكد من أسمائنا لمعرفة السنيين بيننا، ومن لهجتهم، نعتقد أنهم كانوا علويين من جبل محسن،" وذلك بالإشارة الى حي في مدينة طرابلس بشمال لبنان، يقطنه أفراد من نفس طائفة الرئيس السوري بشار الأسد.


وأوضح خالد*، وهو ناشط سوري من حماه، وصل إلى المبنى مباشرةً بعد هجوم 7 أكتوبر للاطمئنان على بعض الأصدقاء: "يسيطر المسيحيون والشيعة على قيادة المخابرات في الجيش اللبناني. تشعر هاتان الطائفتان بالقلق من التواجد المتزايد للمعارضة السنية السورية في لبنان. وجاءت هذه العملية رسالة إلى السوريين، مفادها ما يلي: ʼلا تعتقدوا أن ثمة من يحميكم، نحن نعرف أماكن تواجدكمʼ. وأضاف أحمد أن الجيش كتب بعض الملاحظات حول أماكن وأرباب عمل المهاجرين. "فقد جاء الجيش بهدف تسجيل أسمائنا والتحقق ما إذا كان أي شخص بيننا مطلوب في سوريا".

ومن جهتها، قالت شهايد من حركة مناهضة العنصرية أن "السياسة تقف دائماً وراء مثل هذه الاعتداءات، حتى ولو قالوا لكم أن الموضوع بأكمله يتعلق ببعض المضايقات الجنسية". وقامت شهايد بمقارنة الوضع مع حادث وقع في نوفمبر الماضي، عندما قام أرمن لبنانيون بالاعتداء على أكراد سوريين في أحد أحياء ضواحي بيروت حيث الغالبية الأرمنية، وذلك لدورهم في الإبادة الجماعية للأرمن في العهد العثماني.

ويناقش آخرون هذه النسخة من الأحداث قائلين أن الجيش قام بالفعل بالبحث عن المشتبه بهم، كما طلب من بعض النساء اللبنانيات تحديد الأشخاص الذين قاموا بمضايقتهن. وقال الجيش أنه اعتقل 11 شخصاً، ولكن هيومن رايتس ووتش شهدت فقط توقيف المهاجرين الأفارقة الذين يفترض أنهم لا يحملون وثائق إقامة قانونية. ولم يؤكد الجيش من الذين اعتقلهم أو لماذا قام بذلك. مع ذلك، يتردد المراقبون أكثر في تأكيد أجندة سياسية.

وقال حوري من هيومن رايتس ووتش : "قبل شهرين قمنا بتوثيق حدث مماثل حيث جمع الجيش عدداً من العمال السوريين، بحثاً عن شخص قد اشترى جهاز ستالايت. ولكنني أعتقد أن الوضع في الجعيتاوي كان استفزازاً أكثر منه استجواباً سياسياً: فلو كان سياسياً بحتاً، لما قاموا أيضاً باعتقال مصريين وسودانيين".

أما السوريان أحمد وخالد، فاعترضا على هذه النقطة، قائلين أن اعتقال جنسيات أخرى كان "غطاء للهدف الحقيقي لهذه العملية".

ضحايا مزدوجين

وبعض سكان الجعيتاوي لا يظهرون أي تحيز ضد السوريين ويرفضون أن يكون هناك كبش فداء، حيث قال رامي الأبيض، وهو حلاق في الستينات من عمره: "ما من مشكلة مع السوريين. الأنذال [المسؤولون عن السرقة والتحرش] يأتون من جميع الدول مثل السودان وسريلانكا ومصر [وغيرها].. لا يقوم جميع المهاجرين بمضايقة غيرهم".

وحتى أحمد، الخياط السوري الذي تعرض للضرب، أشار إلى علاقاته الجيدة دائماً مع الملاك اللبنانيين: "غضب أصحاب المنزل من العملية العسكرية، حتى أنهم قاموا بتخبئة بعض المصريين في شققهم". إلا أن البعض الآخر لا يخفي عنصريته المنحازة سياسياً ضد السوريين. وقال حوري من هيومن رايتس ووتش، أن "المفارقة تبقى في أن العديد من هؤلاء العمال يدعمون المعارضة السورية. فلطالما كانوا ضحايا مزدوجين: فهم ضحايا للنظام الذي لم يقدم لهم فرص العمل وضحايا في لبنان كذلك حيث يُنظر إليهم على أنهم جزء من الاحتلال السوري، حتى ولو تمت إعادة بناء بيروت على يد العمالة السورية الرخيصة".

ويعترف اللبنانيون أن الملاك يستفيدون أيضاً من التواجد السوري المتزايد.

الجيش الذي لا يُمس

وتدعو منظمة هيومن رايتس ووتش إلى إجراء تحقيق شفاف في اعتداء 7 أكتوبر، ولكن الجيش قال أنه سيتم التعامل مع أي انتهاك محتمل داخلياً. ولم تستجب وزارة الدفاع لطلب شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في الحصول على معلومات في هذا الإطار. وقال حوري: "تكمن المشكلة في [عدم] مساءلة جميع قوى الأمن، بما في ذلك الجيش". وباعتباره القوة الأمنية الوحيدة التي تحظى باحترام الجميع في لبنان وسط العديد من الميليشيات الطائفية، يُعتبر الجيش مؤسسة مقدسة، لا يمكن انتقادها بسهولة.

وقال العمال السوريون الذين ظهروا على شاشة التلفزيون للتعليق على الاعتداء أنهم تعرضوا للتهديد من قبل الجيش، ولكنهم يشعرون أنه لا يمكنه اللجوء إلى أحد، نظراً للروابط بين أجزاء كبيرة من الحكومة اللبنانية وحليفهم في دمشق. وقال أحمد: "منذ بدء الثورة، لا أحد يدافع عنا فأنا لا أستطيع الذهاب الى السفارة السورية لتقديم شكوى حول ما حدث".

ag/ha/cb - bb/dvh