مساعدات ضئيلة لذوي الاحتياجات الخاصة في جنوب السودان

يكافح عشرات الآلاف من المعوقين جراء الشظايا والألغام الأرضية خلال الحرب التي استمرت عقدين من الزمن بين جنوب السودان والسودان والآلاف من المعوقين الآخرين جراء الأمراض والحوادث من أجل الحصول على الدعم في أحدث دولة في أفريقيا، والتي تعاني من نقص في خدمات الرعاية الصحية المناسبة والتمويل.

 

ووفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر، يُقدَّر عدد المعوقين بدنياً في جنوب السودان بحوالى 50,000 شخص.

وعدا برنامج "الجرحى الأبطال"، الذي أطلقه الجيش الشعبي لتحرير السودان لتأمين راتب صغير للمقاتلين السابقين، يقول موظفون في الوكالة السودانية لإعادة تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة في رمبيك، عاصمة ولاية البحيرات، أن هناك خدمات قليلة لذوي الاحتياجات الخاصة في جنوب السودان.

ويقول حكيم سبيونيوك، مدير الوكالة السودانية لإعادة تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة: "يتعرض المعوقون للتمييز [في جميع مراحل] حياتهم، على مستوى صنع القرار في المنزل وفي الخدمات العامة... فيتم إهمالهم، في الواقع، حتى فيما يتعلّق بالملابس والمواد الغذائية".

التمييز

وقال جون مايكر، أحد زملاء سبيونيوك: "يعاني معظم المعوقين من مشكلة الأمية. فلا يحصلون على أي تعليم، وهم لا يعرفون حتى حقوقهم لكي لا يكون لهم صوت يعبّر عن قلقهم في المجتمع. وأضاف: "ينتهي الأمر بقيام بعضهم بالانتحار.. لأنهم لا يُعتبرون جزءاً من الأسرة ومن المجتمع المحلي".

من جهة أخرى، قال ديفيد كواك مسؤول التوعية في الوكالة السودانية لإعادة تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو أيضاً من ذوي الاحتياجات الخاصة بسبب إصابته بشلل الأطفال، أنه في ثقافة شعب الدينكا – وهي المجموعة العرقية المهيمنة في جنوب السودان - غالباً ما تكون هناك "مواقف سيئة تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة".

وأضاف قائلاً: "عندما يولد طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة في الأسرة، يعتبره أفرادها لعنةً من الله، وربما بسبب ارتكاب أحد الوالدين خطأ ما. فيُترك الطفل في الداخل كي لا يراه أحد، ويبقى هناك إلى أن يموت أو يعاني دون أن تلاحظه الحكومة أو يدري به المجتمع بأكمله."

وقال مانيانغ أدر، واصفاً الظروف التي يواجهها الأشخاص الذين يعانون من الإعاقة: "كنت أذهب لقضاء حاجتي في مكان قريب وكان الناس قادرون على رؤيتي- مثل أولادي وزوجتي، بما أنه لم يكن بإمكاني الوصول إلى أي مكان آخر".

فقد اضطر أدر إلى بتر ساقه بعد أن تعرّض لمهاجمة جاموس. "كنت أبقى في مكان واحد بما أنه لا يمكنني التنقل، ولم أكن قادراً على ممارسة أي نوع من العمل – كنت أزحف في الجوار دون أن أتمكّن من جلب أي شيء للأسرة."

وحتى هذا العدد القليل من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين حصلوا على تعليم جيد أو على تدريب مهني، يتم رفضهم في أية وظائف.

كذلك، هناك تمييز داخل مجتمع ذوي الاحتياجات الخاصة. فيؤكد كواك أن "أولئك الذين أصيبوا في الحرب يميّزون أنفسهم عن الإعاقة "الطبيعية" التي تصيب الأشخاص من جراء الأمراض". وأضاف: "يميّزون أنفسهم عنا، نحن الذين ولدنا مع إعاقة طبيعية، معتبرين أننا لم نفعل شيئاً لتحرير جنوب السودان".

وتابع كواك قائلاً: "لهذا السبب حتى قمنا بإنشاء الوكالة السودانية لإعادة تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، حتى نتمكن من العمل من أجل الذين يعانون من إعاقة طبيعية، فيما تقوم الحكومة بالعمل من أجل المصابين خلال الحرب". وقد تأسست الوكالة السودانية لإعادة تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة قبل 10 سنوات، وكانت الجمعية الخيرية الوحيدة التي تهدف إلى مساعدة المدنيين ذوي الاحتياجات الخاصة.

يتلقى ذوو الاحتياجات الخاصة من المقاتلين السابقين بعض التعليم والرواتب الصغيرة. وقد استفاد الجيش الشعبي لتحرير السودان من المرحلة الأولى من برنامج جنوب السودان لنزع السلاح والتسريح وإعادة التأهيل لتوفير الدعم لحوالي 12,000 من قدامى المحاربين المصابين بإعاقات.

لكن الجنود السابقين يقولون أنه ما زال هناك طريق طويل أمام البرنامج الذي وضعه الجيش الشعبي لتحرير السودان، إذ قال حكيم سبيونيوك، مدير الوكالة السودانية لإعادة تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة أن الراتب لا يكفي لأطفالهم، علماً أن معظمهم غير متعلّمين".

من جهته، قال ناثان ووجيا بيتيا، مدير عام وزارة الرفاه الاجتماعي، أن هناك لجنة لأرامل وأيتام الحرب والجرحى الأبطال، تقوم بتوفير "كلفة سكن منخفضة للناجين"، بالإضافة إلى لجنة نزع السلاح والتسريح وإعادة التأهيل، للتعامل مع قدامى المحاربين ذوي الاحتياجات الخاصة.

"ويقوم برنامج جنوب السودان لنزع السلاح والتسريح وإعادة التأهيل أيضاً بتدريب ذوي الاحتياجات الخاصة، لاسيما جرحى الحرب. ويتم تدريبهم على المهارات الاقتصادية وكذلك على مهارات توليد الدخل، بحيث يكونون جاهزين للقيام بأعمال تجارية خاصة بهم بعد التسريح. "

الانطلاق

وقال بيتيا أن الخطة الاستراتيجية التي تعتمدها وزارته لعام 2013 تهدف إلى تلبية احتياجات جميع ذوي الاحتياجات الخاصة وليس فقط المحاربين القدامى: " لم يكن هناك شيء من هذا القبيل في السابق... كنا نظن أننا بحاجة إلى دمج هذه المسألة."

 

وفي منتصف فبراير شباط، وضعت الحكومة حجر الأساس لمدرسة للطلاب الصم والمكفوفين خارج جوبا. وها هي الآن تدعو المنظمات غير الحكومية الدولية للمساعدة في التعليم وتوفير المواد اللازمة مثل الكتب بطريقة برايل وأدوات العد.

وشدد بيتيا على ضرورة وضع سياسة واسعة تغطي قضايا الإعاقة. وأضاف: "لا يمكنك القيام بشيء إذا لم يكن لديك تشريع – يجب أن تتم الموافقة على سياسة التشريع ... فتماماً مثل النساء والأطفال، يناضل الأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة من أجل حقوقهم".

ويشير بيتيا إلى أن الوثائق الرسمية الوحيدة حالياً تعود إلى الأشخاص "ذوي الاحتياجات الخاصة"، وهي ليست كافية. ويتابع أن هناك حاجة إلى نقل الخدمات من المراكز الحضرية مثل جوبا إلى بقية البلاد.
وقال أن "المكان واسع جداً – فلا يمكنك في كل مرة أن تجلب الناس من أماكن مثل ولاية أعالي النيل [الواقعة على الحدود مع السودان] إلى جوبا".

لكن الحكومة تعاني أزمة في السيولة؛ ففي يناير 2012، وبعد خلاف مع السودان بشأن رسوم مرور النفط، قامت جنوب السودان بوقف إنتاج النفط - الذي يمثل 98 بالمائة من إيراداته. وفي ظل غياب هذا الدخل، لم يكن أحد ليظن أن الحكومة ستكون قادرة على توفير الخدمات لذوي الاحتياجات الخاصة، بالإضافة إلى الخدمات الصحية الأساسية أو خدمات التعليم لبقية السكان.

وإلى حين إطلاق برامجها وتشغيلها، ستستمر الحكومة في الاعتماد على المساعدات من منظمات مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي قامت بمعالجة الناس طوال فترة الحرب وفتحت مركزاً لمبتوري الأطراف في جوبا في عام 2008.

وقد عالجت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكثر من 2,000 معوقاً بدنياً في جنوب السودان، كما قدمت العلاج الطبيعي إلى 1,000 شخص آخرين. وقامت أيضاً بتوفير أكثر من 400 من الأطراف الاصطناعية لمبتوري الأطراف، بالإضافة إلى المئات من أجهزة تقويم العظام مثل أقواس الظهر والساق والعكازات والعصي والكراسي المتحركة.

وبتمويل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، قامت منظمة غير حكومية أخرى، تحمل اسم المنظمة الدولية لتنمية الرعاية الطبية، بتشغيل مركز في رمبيك من العام 2005 وحتى 2009، حيث تم تسجيل أكثر من 2,000 شخص.

لكن عندما انسحبت المنظمة الدولية لتنمية الرعاية الطبية وسلمت خدماتها إلى الحكومة، أصبحت العيادة بحاجة إلى إعادة ترميم. وتحاول اللجنة الدولية للصليب الأحمر الآن إعادة بناء المركز ومراجعة ملاحظات أوضاع أولئك الأشخاص الذين انتظروا سنوات للحصول على أطراف اصطناعية.

وقال جيرالد فيتزباتريك، أخصائي أطراف اصطناعية في اللجنة الدولية للصليب الأحمر: "يبلغ عدد الأشخاص الذين حصلوا على خدمات في السابق 2,262، وهو عدد هائل [وهم الأشخاص الذين كانوا يحصلون على خدمات طبية من المنظمة الدولية لتنمية الرعاية الطبية، وسيحتاج بعضهم إلى أطراف اصطناعية]. نأمل، مع بداية بطيئة، أن نبدأ بمعالجة جميع ملفات هؤلاء المرضى".

المزيد من الضحايا

وسيتعيّن على مراكز اللجنة الدولية للصليب الأحمر والفرق الجراحية أيضاً مواكبة تدفق الأشخاص المصابين حديثاً.

وفي نداء الإغاثة لعام 2013، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أنه خلال أول عام بعد تأسيس دولة جنوب السودان، "تم تسجيل 109 ضحايا جراء الألغام الأرضية والمتفجرات من مخلفات الحرب، علماً أنه من المرجح أن يكون العدد الفعلي أعلى من ذلك بسبب نقص في الإبلاغ عن تلك الحوادث".

وقد كان حوالى ثلث المستفيدين من خدمات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والذين حصلوا على أطراف اصطناعية على مدى السنوات الأربع الماضية، ضحايا لألغام أرضية. وما زالت التوترات مع السودان بشأن النفط والحدود مرتفعة، في وقت تقول فيه وكالات إزالة الألغام أن الميليشيات - التي تدعي جنوب السودان أنهم مدعومون من السودان – قد زرعوا ألغاماً جديدة بالسرعة نفسها التي يجري فيها إزالة الألغام القديمة.

مع ذلك، يقول هؤلاء المحظوظون بما فيه الكفاية لتلقي العلاج أن حياتهم تشهد تحسناً كبيراً.

وقال أدر: "قضيت وقتاً طويلاً دون أن أستخدم ساقي، وأنا سعيد جداً الآن عندما قام الناس بابتكار هذه الأطراف الاصطناعية". ويعمل أدر الآن كحارس ليلي في مركز مبتوري الأطراف ويزور مزرعته أثناء النهار. وأضاف: حياة "هؤلاء الذين لا أرجل لهم ليست جيدة على الإطلاق. أما حياة الناس مثلي الذين استطاعوا تركيب ساق جديدة، فهي كاملة، إنهم أحرار".

hm/kr/rz-bb/dvh

"