تشاد: تداعيات الأزمة الليبية

تواجه الأسر التشادية تفاقماً في انعدام الأمن الغذائي في الوقت الذي زادت فيه ديونها وبدأت ببيع ممتلكاتها الشخصية في محاولة للتعامل مع فقدان التحويلات المالية من الأقارب الذين عادوا إلى بلادهم من ليبيا.

فقد انخفضت التحويلات المالية، التي كانت ترد إلى نصف الأسر في منطقتي كانم وبحر الغزال في غرب وجنوب غرب تشاد، بنسبة 57 بالمائة، وفقاً لمسح أجرته منظمتا أوكسفام والعمل ضد الجوع غير الحكوميتين. وكانت كل أسرة تتلقى في المتوسط 220 دولاراً شهرياً.

كما خفضت معظم الأسر في كلتا المنطقتين عدد الوجبات التي تتناولها، في حين يتناول 70 بالمائة منها أطعمة ذات قيمة غذائية أقل ويلجأ ما يقل قليلاً عن ثلث الأسر إلى الأطعمة البرية مثل أوراق الشجر والتوت.

واضطرت واحدة من كل خمس أسر تمت مقابلتها إلى بيع ممتلكاتها لجمع المال، في حين قالت معظمها أنها اضطرت للاقتراض حتى تتمكن من تدبر أمورها.

في الوقت نفسه، تكافح الأسر لاطعام أفرادها العائدين من ليبيا، حيث عاد حوالي 43,000 مهاجر في شاحنات من ليبيا إلى تشاد خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وفقاً لكريغ ميرفي، مسؤول العمليات في المنظمة الدولية للهجرة. وقد زاد حجم الأسرة الواحدة في بحر الغزال إلى نحو 13 شخصاً، وفقاً للدراسة التي أجرتها منظمتا أوكسفام والعمل ضد الجوع.

وقال فيليب كونرو، رئيس عمليات أوكسفام الإنسانية في غرب إفريقيا، أن "هؤلاء الأشخاص عائدون إلى ديارهم في مناطق تعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي حتى في غياب أية أزمة... إنهم بحاجة إلى الغذاء والماء وأساسيات الحياة لتدبر أمورهم".

الجوع المزمن

ويعاني الناس في منطقة الساحل من انعدام الأمن الغذائي المزمن، ففي عام 2010، كان نحو 10 ملايين شخص عرضة للجوع بسبب ضعف المحاصيل والجفاف الذي طال أمده، كما عانى واحد من كل خمسة أطفال تقريباً من سوء التغذية المزمن، و5 بالمائة من الأطفال من سوء التغذية الشديد، وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وبرنامج الأغذية العالمي.

كما أن عدداً قليل جداً من الأسر بدأ في البحث عن مصادر جديدة للدخل، كالتسول وإرسال الأطفال إلى العمل والسفر إلى بلدات ومدن أخرى بحثاً عن وظيفة وحصاد المحاصيل في وقت مبكر، وفقاً لمنظمة العمل ضد الجوع وأوكسفام.

ويحاول العديد من العائدين العثور على أي عمل ممكن. ومن هؤلاء موسى* البالغ من العمر 17 عاماً، الذي عاد لتوه إلى فايا، أكبر مدينة في شمال تشاد، بعد أن كان يعمل في مزرعة في ليبيا. وأخبر موسى المنظمة الدولية للهجرة أنه يحاول العثور على عمل في منجم للملح بعد عودته إلى وطنه.


وتساعد بعض المنظمات - بما في ذلك المنظمة الدولية للهجرة ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف والمنظمات غير الحكومية مثل منظمة أوكسفام واللجنة الدولية للإنقاذ – في تقديم الغذاء والدواء والماء للعائدين في مراكز العبور والمدن الكبرى مثل فايا. وأفاد توماس كارينجيرا، منسق برنامج منظمة الصحة العالمية أنه سيتم تقديم الدعم الغذائي، الذي يعتبر حاجة ملحة، في وقت قريب.

الحصبة

كما وصل الكثير من المهاجرين المصابين بالحصبة، مما أدى إلى إطلاق اللجنة الدولية للإنقاذ ومنظمة الصحة العالمية واليونيسف حملات تطعيم للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر و15 سنة، وسيتم قريباً تدشين حملة وطنية للتطعيم ضد الحصبة من أجل احتواء انتشار المرض. وحتى 19 يونيو، كان هناك 5,311 مصاباً بالحصبة في 20 إقليماً من أقاليم البلاد الـ 22 منذ بداية السنة، وحدثت 63 حالة وفاة حتى الآن، وفقاً لوزارة الصحة التشادية.

وقال فيلكس ليجيه، المدير القُطري للجنة الدولية للإنقاذ في تشاد، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نحن نقوم بتطعيم الأطفال بمجرد وصولهم إلى مراكز العبور حتى لا ينتشر المرض أكثر". ويصل العديد من المهاجرين في حالة إعياء شديد وهم يعانون من سوء تغذية وجفاف، مما يزيد من تعرضهم لخطر الإصابة بهذا المرض.

أموال نقدية

وتدرس أوكسفام اقتراحاً بتوزيع أموال نقدية على الأسر الضعيفة، ولكنها تحتاج أولاً إلى التأكد مما إذا كان لدى التجار القدرة الكافية على تزويد الأسواق بالإمدادات. غير أن الأموال النقدية لا تفيد الأسواق الهشة، حيث قال كونرو لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نريد أن نكون في وضع يؤدي فيه توزيع الأموال النقدية إلى ارتفاع الأسعار، وبالتالي يصبح من لا يمتلكون النقود غير قادرين على تحمل الأسعار المرتفعة. فقد يكون لذلك آثار ضارة". ويمتلك 46 بالمائة فقط من التجار في كانم وبحر الغزال مخزونات تكفي لمدة شهرين، وفقاً لأبحاثهم.

وقد ارتفعت أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية، ففي ماو عاصمة كانم، ارتفع سعر القمح المستورد بنسبة 43 بالمائة في أبريل 2011، مقارنة مع نفس الشهر من عام 2010؛ بينما ارتفع سعر زيت الفول السوداني بنسبة 44 بالمائة والأرز بنسبة 6 بالمائة، في الوقت الذي انخفضت فيه أسعار الدخن.

ولا يزال من غير الواضح عدد المواطنين التشاديين المرجح عودتهم من ليبيا، كما أفاد ميرفي المسؤول بالمنظمة الدولية للهجرة، الذي يقدر عدد التشاديين الباقين هناك بعشرات الآلاف. وعلى الرغم من انخفاض عدد العائدين في الأسابيع الاخيرة، "ولكن قد تكون هذه مجرد فترة هدوء،" على حد قوله.

الاضطهاد

وأخبر المهاجرون الذين وصلوا مؤخراً المنظمة الدولية للهجرة أنهم اضطروا للمغادرة ليس فقط لاستمرار القتال وعدم الاستقرار، بل بسبب فقدان فرص العمل والخوف من التعرض للاضطهاد كذلك. وقد وردت تقارير تفيد بتوظيف مقاتلين من الساحل في وقت مبكر لدعم العقيد القذافي، مما أدى إلى انتشار مخاوف في أوساط المهاجرين من استهدافهم.

وقال ميرفي أن بعض المهاجرين قد يخططون للعودة إلى ليبيا بمجرد توقف القتال. وأضاف أن هذا قد يكون السبب وراء ترك الشاحنات للمهاجرين الذين تقطعت بهم السبل على الطريق في زواركي بالقرب من الحدود مع النيجر.

وقال كونرو أن على الجهات المانحة والمنظمات الإنسانية مضاعفة جهودها، حيث قال: "إذا اضطر المزيد من المهاجرين إلى مغادرة ليبيا، ووصلوا إلى منطقة الساحل الضعيفة، فستصبح قدرة الأسر على تدبر أمورها في خطر كبير. هناك عدد قليل جداً من الجهات الفاعلة في المجتمع الدولي على بينة من هذا الوضع؛ فأنظار الجميع مسلطة على الجانب الليبي من الحدود، ولكن يجب أن تنظر جهات أكثر إلى الوضع في مالي والنيجر وتشاد".

* ليس اسمه الحقيقي

aj/cb-ais/dvh