جنوب السودان: موجز عن العنف في ولاية جونقلي

 سلطت الاشتباكات العديدة التي دارت في ولاية جونقلي في جنوب السودان وشارك فيها الآلاف من المقاتلين الضوء على تقلب الأوضاع في أحدث دولة في العالم، الذي أدى إلى تضرر نحو 140,000 شخص. وقد تم الإعلان عن أن هجوماً جديداً سيبدأ في وقت مبكر من شهر مارس القادم.

ما هي ولاية جونقلي؟

تبلغ مساحة ولاية جونقلي نحو 123,000 كيلو متر مربع، وهي الولاية الأكبر من حيث المساحة والكثافة سكانية بين الولايات العشر التي تتكون منها دولة جنوب السودان. وتعاني جونقلي من ضعف البنية الأساسية مثل الطرق، وانعدام الأمن المزمن الناتج عن الصراع على الموارد، بالإضافة إلى الفيضانات المتكررة.

ويعتبر إنتاج المحاصيل هو النشاط الاقتصادي الأساسي في جونقلي، على الرغم من أن صيد الأسماك وتربية الماشية يلعبان دوراً هاما في كسب الرزق. ومن الجدير بالذكر أن الحرب الأهلية الثانية في السودان بدأت في جونقلي عام 1983. وتعتبر المنطقة موطناً لست مجموعات نيلية عرقية هي: النوير، والدنكا، والأنيواك، والمورلي، والكاتشيبو، والجية.

وقد أدى افتقارها للبنية التحتية إلى تقليص اهتمام المستثمرين الأجانب بها. فعلى سبيل المثال، لم تستطع شركة البترول الفرنسية العملاقة توتال الاستكشاف في مناطق الامتيازات الممنوحة لها هناك. كما أن الاستقرار هو شرط أساسي لتحقيق المقومات السياحية التي تقدمها بعض أكبر هجرات الحيوانات البرية في أفريقيا.

من هم المقاتلون؟

بشكل عام، تقاتل قبيلتنان هما اللو والنوير تحت راية الجيش الأبيض الذي أعيد تشكيله، وهو يتكون من وحدات الدفاع المحلية التي تم تشكيلها في البداية لحماية الماشية والممتلكات ثم تمت عسكرتها أثناء الحرب الأهلية في الفترة من 1983 إلى 2005 - ضد قبيلة المورلي، وهي أقلية تقطن في مقاطعة بيبور في ولاية جونقلي.

وقد انضم بعض أفراد مجتمع الدنكا القوي إلى الجيش الأبيض.

ما الذي يحرك الصراع؟

كحال العديد من المجتمعات التي تعتمد بشكل أساسي على تربية الماشية في الأراضي الحدودية، يوجد لدى المجموعات المتنافسة في ولاية جونقلي تاريخ طويل من الإغارة على ماشية بعضهم البعض وتسليح أنفسهم للتصدي لمثل تلك الغارات.

وقد أدت الحرب الأهلية إلى زيادة هائلة في انتشار الأسلحة الخفيفة؛ حيث قامت الخرطوم وثوار الجيش الشعبي لتحرير السودان حينئذ بتعبئة العديد من المجتمعات وإثارة نزاعات محلية بالوكالة. وتفيد التقارير بأن هذا الدعم استمر لفترة طويلة بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل في عام 2005.

وشهدت السنوات الأخيرة تطوراً متزايداً في الغارات الثأرية على الماشية، حيث يتم استخدام هواتف الأقمار الصناعية والأسلحة الحديثة والتكتيكات العسكرية في تلك الغارات. ونتيجة لذلك، ارتفع معدل الوفيات الناجمة عن تلك الغارات، كما تطورت الاشتباكات من استهداف الشباب المسلح فقط إلى مهاجمة أو خطف أي من أفراد المجتمع الخصم بما في ذلك النساء والأطفال وكبار السن.

وقد أودى العنف القبلي في عام 2011 بحياة 1,100 شخص في جونقلي.

ومن بين العوامل الأخرى المساهمة في اندلاع تلك النزاعات، ندرة تدخل سلطات الحكومة المركزية، وانعدام الأمن، وندرة وجود أليات التنمية والعدالة، فضلاً عن التغير في النسيج الاجتماعي الذي أضعف من تأثير الشيوخ على الشباب الذين شرع الكثير منهم في القتال في سن مبكرة جداً.

وكان الهجوم الأخير للنوير واسع االنطاق ومسبوقاً بإعلان عن نيتهم في "غزو أراضي المورلي والقضاء على قبيلة المورلي بأكملها وإزالتها من على وجه الأرض"، مدعين أن حكومة جوبا قد فشلت في حماية ماشيتهم وأطفالهم ونسائهم مما اضطرهم إلى التصدي لهذه المسألة بأنفسهم "من خلال فوهة البندقية".

ومن جهة أخرى، تؤكد قبيلة المورلي أنها ضحية التمييز والتهميش فيما يتعلق بإقامة المشاريع التنموية، فضلاً عن قلة تمثيلها في الحياة السياسية. وهم يقولون أن ممثليهم لا يحصلون سوى على سلطة محدودة على مستوى حكومة الولاية والقليل من المال لتحسين الأمور، وأن السلطات غالباً ما تصفهم بأنهم "آفات" أو "مصدراً للإزعاج".


كما يعتبر التخلف من العوامل التي ساعدت على نشوب النزاع. فرغم المساحة الشاسعة لمقاطعة بيبور، لا توجد بها سوى وكالة إغاثة واحدة تعمل على تقديم الخدمات الطبية لأكثر من 160,000 شخص، فضلاً عن قلة عدد المدارس وعدم وجود فرص عمل.

وقد أدى الدمار الشامل والاستيلاء على حوالي 80,000 رأس ماشية من مناطق المورلي في يناير إلى وجود عشرات الآلاف من النازحين الذين يعتمدون في غذائهم على وكالات الإغاثة التي تعمل فوق طاقتها، وذلك بعد احتراق محاصيلهم خلال الهجمات.

ما هي آثار العنف؟

ذكر مسئول حكومي كبير في بيبور أن عدد الوفيات بلغ 3,000 حالة، وهو رقم من المستحيل تأكيده نظراً لكبر مساحة المنطقة وصعوبة الوصول إليها. وقد تحدث الناجون عن رؤية مئات الجثث بالقرب من القرى بعد الهجمات.

ومن جانبها، قامت الأمم المتحدة بتسجيل أكثر من 140,000 شخص بحاجة إلى المساعدة في جونقلي، من بينهم العديد من النازحين.

وبالإضافة إلى سرقة الماشية، أصبح عشرات الآلاف من الناس بلا مأوى، وتم إحراق مساحات كبيرة من الأراضي المزروعة.

وبدون النساء والأبقار التي قضوا أعواماً طويلة في تربيتها من أجل الزواج، يعاني العديد من الرجال من الفقر المدقع وقلة أو عدم القدرة على إعادة بناء الحد الأدنى من الأمن الاقتصادي. ومن المرجح أن يؤجج هذا الاستياء دائرة العنف.

وقد أدت الهجمات الأخيرة إلى تدمير واسع النطاق ومتعمد للخدمات الأساسية الضرورية مثل نقاط المياه والمراكز الصحية والمدارس والمراكز الإنسانية الهامة التي نُهبت منها الإمدادات. وسوف يؤدي هذا التدمير إلى تعقيد عودة السكان النازحين.

ومن ناحية أخرى، حذرت منظمة أطباء بلا حدود في مقاطعة بيبور من انتشار الملاريا بين الأشخاص الذين ينامون في العراء ومن ارتفاع مستويات سوء التغذية الحاد.

وقد عالجت منظمة أطباء بلا حدود العديد من الإصابات بطلقات نارية وطعنات، حيث عبرت عن صدمتها من عدد النساء والأطفال وكبار السن المصابين في الهجمات التي تتم غالباً في وجود أفراد الأسرة، مما يؤدي إلى حدوث صدمات نفسية.

لماذا لم تتم حماية المدنيين بصورة أفضل؟

استطاعت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان رصد طابور مكون من 8,000 رجل مسلح يسيرون نحو قرية بيبور قبل حدوث بعض أسوأ أعمال العنف. ونظراً لوجود 400 جندي من قوات حفظ السلام فقط و800 من القوات الحكومية في القرية، حثت بعثة الأمم المتحدة السكان على الهرب من هجوم المسلحين والاحتماء خلف خطوطهم الدفاعية في بيبور. وقالت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان أن الطبيعة المتناثرة وغير المتوقعة للهجوم على القرى النائية قلصت من قدرة البعثة على حماية المدنيين.

ومنذ ذلك الحين زادت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان من تواجدها في جونقلي إلى حوالي 1,100 جندي من قوات حفظ السلام في قواعد دائمة جديدة، ويمثل هذا العدد نصف حجم القوات الجاهزة للقتال التابعة لبعثة الأمم المتحدة في البلاد تقريباً، كما دعت جوبا إلى نشر عدد كبير من القوات لسد الفجوات الكبيرة في المنطقة العازلة المخطط لها.

ومن المتوقع أن تتأثر قدرة قوات الأمم المتحدة في شهر أبريل برحيل الوحدة الروسية التي توفر العديد من الطيارين والطائرات لبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. ومن الجدير بالذكر أن الطيارين الروس قاموا بإضراب في نهاية عام 2011 بسبب مضايقات مزعومة من جانب الجيش الشعبي لتحرير السودان في جونقلي.

وأعلن الجيش أنه سوف يرسل ما يقرب من 6,000 جندي إلى جونقلي، بينما يشير المسئولون المحليون إلى انتشار 3,000 جندي من الجيش الشعبي لتحرير السودان حالياً في المنطقة، من بينهم 1,000 جندي في مدينة بيبور. ويقول السكان المحليون أن تواجد القوات لن يوفر لهم الحماية بالضرورة، خاصة إذا ما تم استدعاء جنود من نفس قبيلة المقاتلين لأن ذلك سيحد من استعدادهم للقتال.

ما هي الإجراءات الجاري اتخاذها لمنع المزيد من العنف؟

قالت الحكومة أن الجيش سوف ينزع سلاح جميع القبائل بالقوة في ولاية جونقلي في المستقبل القريب. ويعتقد الخبراء الأمنيون أن ذلك سابق لأوانه وأنها خطوة خطيرة للغاية لأنها من الممكن أن تثير أعمال عنف جماعية، إلا إذا تم تنفيذها بالتزامن مع محادثات سلام شامل وبواسطة جنود لا ينتمون إلى أي من المجموعات العرقية المشاركة في أعمال العنف.

وأضافت أيضاً أنه يجب تعلم الدروس من العمليات السابقة - وخاصة عملية نزع سلاح الجيش الأبيض بالقوة في جونقلي التي تم خلالها قتل عدة مئات من شباب النوير - والتي كانت تؤدي في كثير من الأحيان إلى تعريض المجتمعات المنزوع سلاحها إلى الهجوم، مما جعلهم يسعون إلى الحصول على أسلحة جديدة بسرعة.

ولم يحقق الحوار بين المجموعات المتنافسة إلا القليل من التقدم، على الرغم من النداءات المتكررة من القيادات الدينية وشيوخ المجتمع ووكالات الإغاثة.

بل إن لغة الخطاب تزداد حدة وتدفع نحو مزيد من القتال. فقد قام الجيش الأبيض المكون من الدنكا والنوير مؤخراً بإصدار بيان قال فيه أن حوالي 30,000 شاب جيد التسليح من قبيلتي الدنكا والنوير في جونقلي، بالإضافة إلى 10,000 من شباب النوير الإثيوبيين سوف يبدأون تنفيذ "عملية عاصفة السافانا" في أول مارس بهدف منع الغارات المستقبلية التي قد يشنها شباب المورلي.

وأضاف البيان أن "العملية ستستمر لحين التأكد من أن قبيلة المورلي لا تمثل تهديداً أمنياً لجيرانها".

hm/am/mw-hk/ais