الخوف والبغض في إسرائيل وفلسطين

بعد مقتل العشرات خلال غارات جوية إسرائيلية على قطاع غزة، حذر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون من أن الوضع "شديد التوتر"، وأن العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين تنهار.

ويقول بعض العمال الفلسطينيين أنهم تعرضوا للفصل من أعمالهم دون سابق إنذار، في حين يمنع جو الكراهية والخوف العديد منهم من الذهاب إلى العمل أو ركوب وسائل النقل العام أو حتى مغادرة منازلهم.

وفي الأونة الأخيرة، تلقى سامي، وهو فلسطيني من القدس الشرقية في منتصف العشرينات من عمره، مكالمة من المتجر الذي يديره يهود في القدس الغربية والذي يعمل به منذ عدة سنوات. "قالوا لي لا تأتي لأنك عربي. ولم أعمل منذ أسبوعين،" كما روى سامي، الذي يعيش مع والديه وعدد من أشقائه التسعة وابنتيه في شقة مزدحمة. وبالمثل، قال محمد البالغ من العمر 16 عاماً أن صاحب المطعم الذي يعمل به في تل أبيب قال له أنه لم يعد بحاجة إلى خدماته.

ومنذ اختطاف ثلاثة مراهقين إسرائيليين منذ عدة أسابيع، أصبحت العلاقات بين العرب والإسرائيليين في المدينة متوترة على نحو متزايد. وقد عُثر على جثث المراهقين الذين قُتلوا رمياً بالرصاص قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية الأسبوع الماضي؛ مما تسبب في ما يسمى هجمات انتقامية من قبل المستوطنين اليهود الذين ينتمون إلى اليمين المتطرف. وفي الأيام اللاحقة، لقي شاب فلسطيني يدعى محمد أبو خضير ويبلغ من العمر 16 عاماً مصرعه بعد تعرضه لاعتداء - ويُعتقد أن أبو خضير قد أُحرق حياً. وفي سياق متصل، بدأت الحكومة الإسرائيلية قصف مئات الأهداف في القطاع الشرقي من غزة في 8 يوليو بعد أن أطلق نشطاء فلسطينيون صواريخ عبر الحدود.

وقد ازدادت حدة الغضب على كلا الجانبين حيث هاجم الغوغاء اليهود المجتمعات العربية، ونظم الفلسطينيون احتجاجات، ونفذوا بدورهم بعض الهجمات أحياناً. وفي القدس، حاولت مجموعة من الإسرائيليين الذين كانوا يهتفون "الموت للعرب" الدخول إلى الأحياء الفلسطينية، في حين تم وضع ملصقات في مختلف أرجاء المدينة تناشد الحكومة الإسرائيلية قائلة: "كفى حديثاً، نحن نريد الانتقام".

بالنظر إلى ما حدث في الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع الماضية، أتوقع أن تصبح الأوضاع في الضفة الغربية أكثر سخونة 

وأشار سامي، الذي يتحدث أحياناً بالعربية وأحياناً أخرى بالعبرية بطلاقة تقريباً، إلى أن لديه العديد من الأصدقاء الإسرائيليين الذين اتصلوا به ليطمئنوا عليه، ولكن عائلته وفلسطينيين آخرين يعيشون في خوف من التعرض لهجوم من قبل جماعات اليمين المتطرف.

"لم يعد العرب يذهبون إلى وسط المدينة منذ أن بدأ كل هذا،" كما أوضح وهو يدخن وينظر إلى هاتفه بحثاً عن أخر الأخبار أو طلبات المساعدة التي يرسلها أصدقاؤه. كان سيل من صور أبو خضير ومقاطع فيديو عن آخر الأخبار تتدفق على شاشته. وأضاف: "إننا لا ندع أطفالنا يخرجون من المنزل، على الرغم من أننا في شهر رمضان".

من جانبه، يرى يزيد صايغ، كبير الباحثين في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، أن الوضع أكثر تقلباً مما كان عليه منذ عدة سنوات، وأن "هناك مناخ استقطاب شديد في القدس والضفة الغربية. وبالنظر إلى ما حدث في الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع الماضية، أتوقع أن تصبح الأوضاع في الضفة الغربية أكثر سخونة".

من الصعب تحديد أعداد الناس الذين تم فصلهم من وظائفهم في ظل انتشار المعلومات الحقيقية والمضللة على مواقع التواصل الاجتماعية. وتدعي وثيقة منتشرة على نطاق واسع أن سلسلة سوبر ماركت كبرى قد طردت جميع الموظفين الفلسطينيين. ولكن رامي ليفي، صاحب السلسلة التي تحمل اسمه، نفى صحة الوثيقة نفياً قاطعاً، وقال في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نحن نوظف الناس دون تمييز على أساس الجنسية، وأي شخص يقول خلاف ذلك فهو كاذب. هذا ببساطة عار عن الصحة".

وفي السياق نفسه، قال علاء الخطيب، المدير التنفيذي لمنظمة كاف لاوفيد (الخط الساخن للعمال)، وهي منظمة تحمي حقوق العمال المظلومين في إسرائيل، أنه لم يتعامل بعد بشكل مباشر مع أي عمال تم طردهم بسبب الجنسية، ولكن هذا مصدر قلق كبير. وقد أصدرت المجموعة بياناً في 7 يوليو تدين فيه أي عمل من هذا القبيل، مؤكدة أن "مستوى الكراهية ... واضح في سوق العمل الإسرائيلي، وشهدنا تقارير وسائل الإعلام عن عمال عرب من الضفة الغربية وإسرائيل يتعرضون للاضطهاد والاعتداء، في بعض الأحيان من قبل حشد غاضب استناداً فقط إلى انتمائهم العرقي، فضلاً عن الدعوة إلى اقالة العمال العرب من وظائفهم على الأقل".

أما في غزة، حيث لقي ما لا يقل عن 66 شخصاً مصرعهم خلال ثلاثة أيام من القصف المتواصل، فقد تلاشت فرص العمل بالنسبة للأشخاص الذين كانت لديهم وظائف بالفعل.

يعمل عيسى، وهو أب لثلاثة أطفال ويبلغ من العمر 33 عاماً، مدرساً في مدرسة محلية، ولكنه لم يحصل على أجر منذ عدة أشهر نظراً لانهيار المركز المالي للحكومة التي تقودها حماس في أعقاب الإطاحة بحكومة الإخوان المسلمين في مصر، والتي كانت تدعم هذا الحزب الإسلامي. وبعد الهجمات الأخيرة، أصبحت عائلته محاصرة وتوقف العمل.

"الهجمات الإسرائيلية ليست جديدة بالنسبة لنا في غزة، ولكن هناك دائماً مخاوف من أن شيئاً أسوأ قد يصيب عائلاتنا وأقاربنا، وقطاع غزة بشكل عام. نحن نفطر على قصف هنا وهناك، ونبدأ الصوم عند الفجر على قصف هنا وهناك، والله وحده يعلم ما سيؤول إليه الأمر هذه المرة،" كما قال عيسى.

خوف متزايد في إسرائيل

والخوف يتزايد في المجتمع الإسرائيلي أيضاً. اغرورقت عينا عيليت، وهي أم شابة من بلدة عومر بالقرب من الحدود مع الضفة الغربية، بالدموع وهي تتحدث عن خوفها الشديد من أن يصاب طفلاها الصغيران بأذى. وكانت مجموعة من الفلسطينيين قد نظمت احتجاجاً على بعد دقائق فقط من منزلها في عطلة نهاية الأسبوع.

"[إنهم] يغطون وجوههم ويقذفون [قنابل المولوتوف] على السيارات المتجهة إلى الحي،" كما قالت، مضيفة أنها قد تقرر الانتقال إلى مكان آخر. "لقد طفح الكيل. ليس هناك أمان في عومر؛ بل لم يكن بها أمان قط. في كل مرة يعتقد [الفلسطينيون] أنهم تعرضوا للظلم، ينظمون احتجاجات عنيفة ... لماذا لا تفعل الحكومة شيئاً؟"

وفي سياق متصل، صرح المتحدث باسم الشرطة الإسرائيلية ميكي روزنفيلد بأنه قد تم حشد وحدات إضافية في القدس لمنع "الاضطرابات وللوضع الأمني العام، بما في ذلك إحتمال [تفجر صراعات] بين اليهود والعرب" والاستجابة لها.


"لقد تعاملت الشرطة الإسرائيلية مع الاضطرابات المستمرة منذ بداية شهر رمضان [29 يونيو] وجنازة [أبو خضير]. كانت هناك اضطرابات في أحياء عربية مختلفة ... من قبل مئات الفلسطينيين الملثمين، والشرطة الإسرائيلية مضطرة للتعامل معها لأن حدة التوتر مرتفعة،" كما أفاد.

إحماء أم نهاية قريبة؟

وما سيجدث فيما بعد أبعد ما يكون عن الوضوح، إذ أفاد دانيل ليفي، رئيس برنامج شمال أفريقيا والشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية والمستشار السابق للحكومة الإسرائيلية، أنه يأمل أن تهدأ أعمال العنف في الأيام المقبلة، ولكن الوضع الذي يشوبه التوتر يجعل من الصعب التوصل إلى توقعات موثوقة.

"نحن لا نزال في دورة تصعيدية وليس العكس ... ويمكن أن تزيد بشكل كبير، ولكنني أعتقد أننا نتحدث عن عدة أيام، وليس عدة أسابيع [قبل أن يسود الهدوء]. ما يقلقني هو أنه خلال هذه الفترة التي يشوبها التوتر الشديد، إذا طرأ شيء كبير مثل [قتل أبو خضير أو المراهقين الإسرائيليين]، يمكن أن تتصاعد الأزمة بسرعة،" كما أوضح.

وأضاف صايغ من كارنيغي أن الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل، بما في ذلك القدس الشرقية، ظلت هادئة خلال الغارات الجوية الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة في عام 2012، ولكن هذه الأزمة شهدت تدخل القوات الإسرائيلية في كلتا المنطقتين. وأكد أن "هناك مناخاً من المواجهة في وقت يسوده الكثير من الإحباط بين الفلسطينيين نظراً للجمود التام في عملية السلام".

ولكن ليفي يرى أنه على الرغم من أن كلاً من الحكومة الإسرائيلية والقيادة الفلسطينية تطلقان التهديدات - أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجيش بتكثيف هجومه على غزة - فإن كلا الطرفين ليسا مستعدين حقاً لخوض صراع طويل الأمد. وأضاف قائلاً: "لا أعتقد أن أياً من الجانبين لديه خطة طويلة الأجل حول كيفية نجاح المواجهة الجارية بالنسبة له".

في كلتا الحالتين، وفي حين أن العديد من الناس يرفضون الرضوخ للتطرف على كلا الجانبين، فإن المشاكل الحالية تؤدي إلى تآكل حتى المبادئ الأساسية للتعايش التي كانت موجودة، مهما كانت هشاشتها. ولكن بالنسبة للبعض في القدس الشرقية، حيث يقف الجنود اليقظون عبر الشارع من السكان الحذرين في مواجهة ليلية، فقد تغير شيء ما إلى الأبد.

رأى ايهاب، الذي يعيش في المنطقة، ابنته المراهقة وهي عالقة أثناء الاشتباكات مع الجيش، ولذلك لا يغادر منزله الآن ويعكف على حراسة أسرته.

وقال: "لا أستطيع الذهاب إلى أي مكان، وليس لدي شعور بالأمن في المنزل ... يعمل [المستوطنون] على خلق بعض المشاكل لنا. ويقذفون أشياء علينا، والآن يسيرون بالقرب من بيتي ويسبوننا. لم أُكن أي ضغينة لليهود طوال حياتي، وعلمت أطفالي الشيء نفسه، ولكنني الآن، بصراحة، بدأت أغير أفكاري".

ad-td-as-jd/ha/cb-ais/dvh