حالة الخوف تخيم على النازحين في جنوب السودان

ربما يشكل نحو 101 مدنياً يتحصنون في خيمتين كبيرتين وغرفة اغتسال في قاعدة الأمم المتحدة في مدينة رمبيك في جنوب السودان، واحدة من أصغر المجموعات التي تحظى الآن بحماية قوات حفظ السلام، ولكن أحوالهم وهواجسهم هي نفسها التي يعيشها ويعاني منها نحو 75,000 شخص يعيشون الآن في مثل هذه القواعد في جميع أنحاء البلاد.

وقالت ريجويس تشان، مسؤولة التعافي وإعادة الإدماج وبناء السلام في بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان: "لم نواجه شيئاً كهذا من قبل".

وتشكل نحو 12 مصفحة وناقلة جند وشاحنة جداراً يصل ارتفاعه ثلاثة أمتار على جوانب المخيم. ويأتي هذا بعد أن قام أفراد من المجتمع المضيف بإلقاء الحجارة على النازحين داخلياً في حادثتين مختلفتين. وبالتالي أصبح وجود هذه الشاحنات بمثابة حاجز ورادع في آن واحد. وحول هذا الأمر، قال أحد سكان مخيم: "إنهم يعتقدون أن هناك أشخاصاً في داخلها".

وتقوم بعثة الأمم المتحدة هنا بكل ما في وسعها لتوفير الحماية والمساعدة الطبية المحدودة والمأوى، فضلاً عن تقديم المشورة للنازحين داخلياً، إضافة إلى تنسيق المساعدات – ولكن كل ذلك لا يشكل حلاً دائماً. وتأكيداً لهذا قالت تشان: "نحن لسنا منظمة إنسانية، نحن قوة لحفظ السلام".

من جانبه، شبه كلاوس ستيجليتز، نائب رئيس "ساين أوف هوب"، وهي منظمة إنسانية دولية، الصراع الدائر بأنه قوة تشد الخيط الذي يربط النسيج الاجتماعي لجنوب السودان. وأضاف قائلاً: "في السابق كان هناك تكامل بين مختلف القبائل في المدينة، أما الآن فإن إندلاع الصراع يؤدي إلى التفكك".

ولم يشعر الطلاب الذين ينتمون إلى قبائل النوير الذين اختاروا الدراسة في مدينة رمبيك بالأمان إلا مؤخراً في ظل الحماية التي توفرها لهم بعثة الأمم المتحدة في هذه المدينة التي ينتمي غالبية سكانها إلى قبائل الدينكا.

وقبيل بدء الأزمة، كان عدد من النازحين داخلياً في مدينة رمبيك يعملون كضباط في الشرطة على الحدود مع واراب، وهي ولاية أخرى ينتمي غالبية سكانها إلى قبائل الدينكا. وأفاد ديفيد كيوتش، أحد ضباط الشرطة، أن رؤساءه في العمل قد جردوه من سلاحه بسبب انتمائه العرقي. وأضاف أنه عندما اندلعت مشاجرات بين أفراد المجموعتين العرقيتين وقام الأشخاص الذين كانوا لا يزالون مسلحين النار على ثلاثة أشخاص، استطاع كيوتش وبقية زملائه من قبيلة النوير الفرار. عقب ذلك، احتجزتهم السلطات وقامت بتسليمهم إلى شرطة رمبيك، ثم أرسلتهم إلى هنا.

وكانت ماري نياتابا، التي تبلغ من العمر 28 عاماً، تنتمي إلى قبيلة النوير من منطقة بانتيو، تمر عبر ولاية البحيرات على متن حافلة عندما اندلعت الأزمة. فنزلت على الفور من الحافلة واتفقت مع سائق دراجة نارية لاصطحابها إلى أقرب قاعدة تابعة لبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. وتعليقاً على الوضع الذي تعيشه حالياً قالت: "لا أعرف أي شخص هنا في رمبيك".


الوضع في جوبا أكثر فوضوية عن هنا. إنه أسوأ من هنا، على الرغم من أنه لا يوجد شيء هنا على الإطلاق

وبات انعدام الأمن والخوف يسريان عبر البلاد، محدثان انقسامات بين أكبر مجموعتين عرقيتين في جنوب السودان. وفي 18 ديسمبر، وصل أكثر من 100 شخص من قبائل النوير إلى القاعدة التابعة لبعثة الأمم المتحدة في مدينة رمبيك بجنوب السودان بعد أن علموا أن الأمم المتحدة سوف تكفل سلامتهم. وبموجب تفويضها بحماية المدنيين، سمحت لهم بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان بالدخول.

ارتفاع عدد حالات الإصابة بالإسهال

وعلى الرغم من مرور نحو شهرين، إلا أن جميع النازحين تقريباً لا يزالون هنا. وفي ظل قرب قدوم مزيد من قوات حفظ السلام إلى القاعدة، أصبحت المساحة المتاحة تشكل مشكلة. كما يشكل الصرف الصحي تحدياً إذ لا يتوفر أي مرفق لغسل اليدين خارج المراحيض ويشكو أطباء بعثة الأمم المتحدة من ارتفاع أعداد حالات الإصابة بالإسهال. ويقول سكان المخيم أن العديد منهم لا يمتلكون ناموسيات (شبكات الوقاية من البعوض). ونظراً لوجود خيمتين فقط، واحدة للرجال وأخرى للنساء، يضطر العديد منهم إلى النوم في الخارج. علاوة على ذلك، هناك نقص حاد في الحطب والفحم.

وفي إطار الجهود المبذولة لمساعدة النازحين، يقدم برنامج الأغذية العالمي المواد الغذائية لهؤلاء النازحين. ويشير مسؤولو الأمم المتحدة في رمبيك إلى أن هذه الخطوة تأتي بعد تصنيف الوضع القائم كحالة طوارئ، لكن هذا يعني أن الدعم قد يستمر لمدة أقصاها ثلاثة أشهر. وليس لدى القائمين على تنظيم المخيم فكرة عما سيحدث بعد ذلك. وحول هذا الموقف، قالت تشان من بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان: "بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان ليست في وضع يتيح لها تقديم الدعم".

ولا يمكن السكوت على الوضع ولكن الحلول ليست وشيكة. وقد طلب 49 شخصاً العودة إلى بانتيو.

تشعر نياكوما فور البالغة من العمر 24 عاماً بضغط نفسي بسبب البقاء في مكان مغلق كونها عالقة في هذه المساحة التي لا تزيد عن 100 متر مربع منذ شهرين. وقالت أنها ستكون سعيدة عندما تسمع إمكانية نقلها إلى بانتيو، على الرغم من التقارير الواردة التي تفيد باستمرار القتال هناك. كما أفادت أنها لم تتواصل مع زوجها منذ بدء الأزمة ولكنها تعتقد أن طفلها الذي يبلغ من العمر ست سنوات يعيش في بانتيو مع جدته. وحول احتياجاتها قالت: "نحن بحاجة إلى مدارس ... كما أنني سئمت هذا الوضع. أشعر بالعزلة والملل من المكوث في مكان واحد. أنا غير سعيدة أو غير مرتاحة على الإطلاق".

وقد طلب أكثر من 20 شخصاً الانتقال إلى جوبا، وهي الخطوة التي يحذر مسؤولو بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان بشدة من الإقدام عليها. والجدير بالذكر أن الأمم المتحدة تستضيف الآن 30,000 نازح في قاعدتين عسكريتين في العاصمة. ويرى المسؤولون أن الظروف المعيشية أليمة وأن الموسم الممطر الذي يبدأ في شهر أبريل بات على الأبواب. وفي هذا الصدد، قالت تشان: "الوضع في جوبا أكثر فوضوية عن هنا. إنه أسوأ من هنا، على الرغم من أنه لا يوجد شيء هنا على الإطلاق".

من جهته، يحاول حاكم ولاية البحيرات توفير الشعور بالأمان لأفراد قبائل النوير، وذلك وفقاً لما يقوله أعضاء محليون في لجنة مخيم النازحين. من جهة أخرى، يرى السكان أن حديث حاكم الولاية لا يُترجم إلى واقع ملموس على أرض الواقع. وقال صاموئيل لام، وهو ممثل عن النازحين في مدينة رمبيك، أنه قد تم ربط امرأة في كرسي في السوق المركزي فقط لأنها تحدثت بلغة أهل النوير. وقد قام مدنيون باستدعاء الشرطة، التي قامت بدورها باحتجاز المرأة والتحقيق معها لنحو الساعة. ومنذ تلك الحادثة، يذهب جميع سكان المخيم إلى المدينة لطحن الذرة أو شراء السلع الأساسية تحت حراسة "قوة السلام دون عنف" Non-violent Peace Force، وهي منظمة أمريكية تعنى بحفظ السلام.

وأضاف لام، وهو طالب اقتصاد في السنة الأولى في جامعة رمبيك، أن هذا الإجراء يسير بشكل جيد. وعلى الرغم من استئناف الدراسة في منتصف شهر فبراير، إلا أنه لا يرغب في العودة مرة أخرى لأنه مشغول في الوقت الحالي بإعطاء دروس للطلاب الأصغر سناً. وقال أنه يُعلق آماله على نجاح محادثات السلام في أديس أبابا، مشيراً إلى أن "الدولة في مأزق".

اشتباكات

وفي الوقت الذي ينتظر فيه عشرات الآلاف من الأشخاص، المحاصرين في قواعد الأمم المتحدة في شتى أنحاء البلاد، الرحيل، تتصاعد التوترات فيما بينهم. ففي شهر يناير، قال إيفان سيمونوفيتش، وهو أحد كبار مسؤولي حقوق الإنسان في الأمم المتحدة أن هذه هي "المرة الأولى" التي تقوم فيها الأمم المتحدة بفتح قواعدها لاستضافة الأشخاص المحتاجين للمساعدة إلى هذه الدرجة. وعلى الصعيد الوطني، يوجد الآن قرابة 75,000 مدني في قواعد الأمم المتحدة في جميع أنحاء الدولة.

وتواجه القواعد التي تأوي نازحين من أكثر من جماعة عرقية تحديات تتمثل في السيطرة على تصاعد الصدامات العرقية. وفي مدينة ملكال، أفادت الأمم المتحدة بوقوع اشتباكات داخل مجمع يأوي نحو 21,568 نازحاً. وبينما احتدمت المعارك خارج القاعدة، وصلت التوترات إلى نقطة الغليان في داخلها. وحول هذه التوترات، ذكر تقرير صدر عن بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان أن " اشتباكات طائفية اندلعت داخل موقع حماية المدنيين [...] الذي تعرض أيضاً إلى إطلاق نار".

وعلى الرغم من أن قوات بعثة الأمم المتحدة "ووحدات الشرطة المشكلة" قد احتوت الموقف، إلا أن الأمر لم يمر دون وقوع خسائر، إذ لقي عشرة أشخاص مصرعهم في المستشفى التابعة لبعثة الأمم المتحدة جرّاء إصابتهم بجروح نتيجة للاشتباكات التي وقعت داخل المجمع وفي منطقة "حماية المدنيين". وقد ذكر بيان بعثة الأمم المتحدة أن "القتال الذي اندلع خارج المجمع اضطر قوات بعثة الأمم المتحدة التركيز على حماية محيط المخيم من هذا التهديد الخارجي. ثم تجددت أعمال العنف في منطقة "حماية المدنيين" داخل مجمع بعثة الأمم المتحدة".

وأفادت تشان بأن الإجلاء الجوي من قواعد الأمم المتحدة لن يكون ممكناً إلا إذا كان المدنيون تحت تهديد وشيك. وقد طلب النازحون في رمبيك من الحكومة أن تنقلهم إلى مكان آخر. وقال أحدهم: "لقد رفضت الحكومة هذا الطلب لأن [ولاية] البحيرات تنعم بالهدوء". ولكن سواء كانت هادئة أم لا، فإن خوفهم وإدراكهم للتهديد أمر لا جدال فيه.

من جانبها، تحث الأمم المتحدة جميع الأطراف على احترام اتفاق وقف إطلاق النار. ويأتي هذا في الوقت الذي وصل فيه إجمالي عدد النازحين داخلياً في جنوب السودان إلى 872,900 شخص وفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الصادر في 17 فبراير. على الجانب الآخر، وصل تمويل خطة الاستجابة للأزمة 18.5 بالمائة فقط، وبالتالي فإن هناك عجزاً في التمويل قدره 1.04 مليار دولار. ومن المتوقع أن يبدأ موسم الأمطار في غضون أقل من شهرين. ومن ثم فقد أضحت مسألة معالجة وضع المقيمين داخل قواعد الأمم المتحدة، أمراً ملحاً.

jh/cb-ais/kab/dvh