انعكاسات نتائج الانتخابات التركية على اللاجئين السوريين

في الوقت الذي احتفى فيه الاتحاد الأوروبي يوم الأحد بنتائج الانتخابات في تركيا على أنها انتصار للديمقراطية، لم يستقبل قرابة المليوني لاجئ سوري الذين يعيشون في الدولة هذه النتائج بمثل هذا الابتهاج.

وعلى الرغم من خسارة حزب العدالة والتنمية، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، أغلبيته البرلمانية في نتيجة وصفت بالصادمة، إلا أنه لا يزال أكبر حزب في البلاد وسيسعى الآن إلى تشكيل حكومة ائتلافية.

وتعليقاً على هذه النتائج، قال محللون لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه أياً كانت الحكومة التي ستتشكل في أعقاب الانتخابات، فإنها ستواجه ضغوطاً متزايدة لتشديد القيود على السوريين.

المفاوضات ثم المفاوضات

وخلال العامين الماضيين، أغلقت الدولتان المجاورتان لسوريا، وهما الأردن ولبنان، حدودهما تدريجياً أمام الفارين من الحرب، في الوقت الذي استولى فيه ما يُعرف بتنظيم "الدولة الإسلامية" على الحدود العراقية.

والجدير بالذكر أن حزب العدالة والتنمية قد انتهج سياسة نشطة في سوريا، بما في ذلك الدعم المثير للجدل للجماعات المسلحة داخل البلاد.

ولكنه واصل إلى حد كبير أيضاً فتح الحدود أمام الفارين من الحرب واستثمر نحو ستة مليارات دولار في رعاية اللاجئين في "مخيمات خمس نجوم" وسمح لهم بالعمل بحرية.

وهكذا أصبحت تركيا بالنسبة للسوريين، ملاذهم الوحيد – حيث يعيش حالياً ما مجموعه 1.7 مليون سوري داخل البلاد وهذا الرقم مُرَّشح للارتفاع إلى 2.5 مليون بحلول نهاية العام.

وفي حين لم يحتل موضوع تدفق اللاجئين السوريين مركز الصدارة في الانتخابات الوطنية، إلا أن الانهاك الاقتصادي وما اعتبر أنه تجاوز من قبل أردوغان في استخدام سلطاته كانت هي القضايا الأكثر إلحاحاً، حيث نجحت أحزاب المعارضة في تحقيق مكاسب أكبر من المتوسط في المحافظات الأكثر تأثراً باللاجئين.




ويوجد لدى الأحزاب الأربعة الممثلة في البرلمان بعد الانتخابات وجهات نظر متباينة بشكل كبير بشأن تدفق اللاجئين وقضية الحدود. ويبدو أن وجهة نظر حزب العدالة والتنمية هي الأكثر إيجابية تجاه اللاجئين.

وهناك ثلاث طرق واقعية يمكن من خلالها تشكيل الحكومة المقبلة. الأولى، وهي الأرجح، أن يكون هناك تحالف بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

ويرى حزب الحركة القومية مكاسب غير مسبوقة في جنوب تركيا المشبع باللاجئين، ويعود هذا جزئياً إلى موقفه المناوئ للاجئين. ففي محافظة غازي عنتاب، زادت نسبة التصويت لصالح الحزب من 9.5 بالمائة في عام 2011 إلى 18 بالمائة، في حين قفزت نسبة التصويت لصالحه في محافظة كلس المجاورة من 21 بالمائة إلى 35.6 بالمائة.

وكان أوميت أوزداج، عضو البرلمان عن حزب الحركة القومية الذي انتخب مؤخراً، قد كتب على حسابه على تويتر، أن "500,000 لاجئ سوري سيرحلون، وسيأتي بدلاً منهم 500,000 سائح إلى غازي عنتاب".

وقال النائب لمحطة بي بي سي الناطقة باللغة التركية في مقابلة أجريت معه الأسبوع الماضي أن "السوريين يسرقون فرص عملنا ويتسببون في ارتفاع الإيجارات ... لقد أظهرت دراسة أجريناها أن الناخبين يعتبرون السوريين المشكلة الأكبر في مدينتهم. فقد قال 84 بالمائة من الأشخاص الذين استجابوا للاستطلاع أن السوريين هم المشكلة الأكبر".

وقال ستيفن كوك، الباحث البارز في دراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية أن "وجود مزيج من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية سيكون أقل تقبلاً لفكرة إبقاء الحدود التركية مفتوحة".

من ناحية أخرى، قال متين كوراباتير - رئيس مركز أبحاث اللجوء والهجرة في أنقرة، أنه في حين أن حزب الحركة القومية يعارض بشكل كبير سياسة الحكومة تجاه سوريا، لكن من غير المحتمل أن يضع إغلاق الحدود كأولوية قصوى في المفاوضات الخاصة بتشكيل الحكومة الائتلافية.

وشدد على أن هذه السياسة لا تشكل قضية رئيسية للحزب خارج جنوب تركيا. "لم يسبق [للقيادة الوطنية] أن تحدثت سلباً أو إيجاباً [عن سياسات الباب المفتوح للهجرة]".

خيارات أخرى

وإذا لم يتمكن حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية من تشكيل حكومة ائتلافية، سيكون هناك سيناريوهان متوقعان، ومن المحتمل أن يكونا أكثر سوءاً بالنسبة للاجئين السوريين.

ففي حالة انهيار الحكومة الائتلافية أو الإخفاق في تشكيلها بالأساس، من المؤكد أن يدعو الرئيس أردوغان إلى انتخابات مبكرة. وإدراكاً منه بأنه قد خسر الكثير من الأصوات لصالح الخطاب المناهض للاجئين في يونيو، قد يتبنى الحزب الحاكم الدعوات المتنامية من قبل الناخبين للحد من تدفق اللاجئين في المحافظات الجنوبية لتركيا.

والجدير بالذكر أن الحزب قد أقدم، في وقت سابق من هذا العام، على إدخال قيود على سفر اللاجئين رغم الانتقادات التي وجهتها له جماعات حقوق الانسان وعمال الإغاثة.

أما الخيار الآخر فهو حدوث تحالف بين أحزاب المعارضة، وهذا الاحتمال قد يحمل حالة من عدم اليقين بالنسبة للاجئين السوريين.

وفي يوم الاثنين، اقترح كمال قليجدار زعيم حزب الشعب الجمهوري تشكيل ائتلاف ثلاثي يجمع بين حزبه واثنين من أحزاب المعارضة الرئيسية الأخرى في تركيا.

ومن الناحية النظرية، يمكن أن يقود هذا إلى تمكين حزب الشعب الجمهوري الذي احتفظ بعلاقات جيدة مع حكومة الرئيس بشار الأسد التي تعادي تدفق اللاجئين بشدة.

وفي خطاب له أمام الناخبين في مدينة مرسين في جنوب تركيا، أعلن قليجدار في شهر أبريل أن حزبه سيسعى إلى إعادة جميع السوريين إلى بلادهم: "نحن عازمون على إعادة جميع الإخوة السوريين إلى وطنهم. أنا آسف لذلك"، وأضاف وسط تصفيق وهتاف الجمهور: "كل شخص إلى البلد الذي ولد فيه".

وعلى الرغم من أنه حزبه لم يترجم حتى الآن هذا التعهد إلى مقترحات سياسة محددة، إلا أنه في ظل تفاقم أزمة اللاجئين، وضعف احتمال التوصل إلى حل لها، حذر كوراباتير، رئيس مركز أبحاث اللجوء والهجرة، من المخاطر المحتملة حال وصول الحزب إلى السلطة
.
وفي هذا الصدد، قال كوراباتير: "لقد اتهم قليجدار الحكومة مرتين على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد، بالتآمر ضد النظام السوري ولم يقبل أبداً اعتبار السوريين في تركيا لاجئين. وقال أنه قد تمت دعوتهم إلى تركيا لا لشيء سوى زعزعة استقرار سوريا".

ويتفق ايجه سيشكين، المحلل التركي في معهد البحوث الإنسانية، معه في أن قليجدار يشكل تهديداً كبيراً للاجئين لكنه يأمل في أن يحدث بعض المرونة في مواقفه.

وأضاف سيشكين أن الحزب الرابع، وهو الحزب الديمقراطي ذو الأغلبية الكردية، وهو أكثر إيجابية مع محنة اللاجئين، ويمكن أن يكون بمثابة الكابح لسياسات حزب الشعب الجمهوري الراديكالية.

ديناميات الصراع

واتفق جميع المحللين الثلاثة على أنه مهما تكن تركيبة الحكومة الجديدة، فإنها ستواجه، على حد قول ستيفن كوك، "ضغطاً داخلياً كبيراً بشأن اللاجئين السوريين، الذين لا يبدو أنهم في هذه المرحلة سيعودون إلى الوطن في المستقبل القريب".

ويرى سيشكين أنه من المحتمل أن يخضع الإنفاق الحكومي على اللاجئين السوريين لمزيد من التدقيق وأن تتعرض قضايا مثل قدرتهم على العمل لتحد خطير.

وقد حظر لبنان على اللاجئين السوريين العمل دون وجود كفيل وقال سيشكين أنه من المحتمل أن يتم فرض قيود أشد صرامة على عملهم.

"أعتقد أنه من غير المحتمل أن نرى إغلاقاً تاماً للحدود... لكن من المحتمل أن نرى زيادة في التدقيق لتمويل المخيمات وحصص الإعاشة ومناقشة حقوق اللاجئين القادمين".

وحذر سيشكين من أنه إذا ما واصل الإسلاميون داخل سوريا التقدم باتجاه ميناء مدينة اللاذقية – التي تُعد موطناً للأقلية العلوية التي ينتمي إليها الرئيس بشار الأسد، ولمئات آلاف النازحين داخلياً من المسلمين السُنّة – فقد يفجر ذلك موجة أخرى من النزوح.

"وحتى في معقل الطائفة العلوية يوجد الكثير من النازحين السُنّة الذين سيفعلون أي شيء حتى لا يحكمهم الإسلاميون. سوف يندفعون نحو [تركيا] في الشمال، في حين قد يتحرك العلويون باتجاه لبنان".

ويتوقع سيشكين أنه في حال حدوث عمليات التدفق الجديدة للاجئين فإنها قد تدفع بالقضية إلى صدارة الأجندة السياسية في تركيا مرة أخرى وتقود إلى مزيد من العداء تجاه اللاجئين.

jd-nb/ag-ais/dvh