تحليل: السياسة والعمل الإنساني في الأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل

• المساعدات الخارجية دون مشاركة سياسية - محفوفة بالمخاطر؟
• الحياد مقابل المناصرة
• تعريف إسرائيل للإنسانية ضيق جداً؟
• النشاط الإنساني - الإيجابيات والسلبيات

يردد العاملون في المجال الإنساني دائماً عبارتهم التقليدية "نحن نعمل في الإغاثة وليس السياسة"، ولكن الحفاظ على هذا التقسيم ليس دائماً بالأمر السهل وخاصة لأولئك الذين يعملون في الأرض الفلسطينية المحتلة. وقد برزت هذه الصعوبات بشكل واضح خلال القصف العنيف الذي تعرض له قطاع غزة في الأونة الأخيرة واستمر لمدة سبعة أيام. 

فقد أسرعت المنظمات غير الحكومية، مثل منظمة أوكسفام، بإدانة هذا التصعيد قائلة أن "الأمن الحقيقي للناس في غزة وجنوب إسرائيل سيتحقق فقط عندما يضع جميع أطراف النزاع الناس قبل السياسة". ولكن إذا تم تحديد السياسة على أنها المشكلة، هل يمكن بعد ذلك للعاملين في المجال الإنساني تجاهلها في سعيهم لإيجاد حلول؟ بالإضافة إلى ذلك أصبح الخط الفاصل بين المساعدات الإنسانية والمناصرة السياسية بالنسبة للبعض غير واضح بشكل متزايد.

وقد دمر القصف عشرات المباني التي شيدت بأموال المساعدات الإنسانية منذ أزمة 2008-2009، كما أن السياق الأوسع لحصار إسرائيل البري والبحري والجوي لقطاع غزة يعيق العمل الإنساني "والمشاريع التابعة للأمم المتحدة وغيرها من المنظمات متوقفة بسبب الإجراءات الإسرائيلية البيروقراطية الطويلة التي تعيق جلب المواد الضرورية مثل الصلب والركام والأسمنت،" كما قالت آنا بوفرزينتش، مديرة قطاع المأوى في مشروع غزة الجماعي.

وقد أدى تأثير الأزمة التي صنعها الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة التركيز على المناصرة السياسية بين المنظمات غير الحكومية الإنسانية.

"إننا نتصدى للقضايا السياسية لأن المساعدات الإنسانية يجب أن تأتي جنباً إلى جنب مع مناصرة قوية،" كما أكدت ايمي شعلان، مديرة المناصرة والاتصالات في جمعية العون الطبي للفلسطينيين(MAP)، وهي واحدة من 22 منظمة غير حكومية (يقوم العديد منها بأعمال إنسانية) وقعت على تقرير صدر مؤخراً يدعو الاتحاد الأوروبي لحظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية.

وقالت المنظمات الموقعة أن التوسع المستمر للمستوطنات في القدس الشرقية والضفة الغربية أصبح مثالاً للآثار الإنسانية الناجمة عن القرارات السياسية على أرض الواقع: إذ يؤثر على حركة الفلسطينيين وزراعتهم وحصولهم على الرعاية الصحية، مما يجعل التوصل إلى أي تسوية مستقبلية للصراع على الأراضي أكثر صعوبة.

وأضافت شعلان قائلة: "من الواضح أن هذه قضية تعد سياسية بالنسبة لنا،" وأن تقديم المساعدات الخارجية دون المشاركة السياسية قد يؤدي إلى "تثبيت الاحتلال"، وبالتالي يضر بكرامة الفلسطينيين واستقلالهم واستدامتهم.

من جانبها، قالت الحكومة الإسرائيلية أن التقرير تجاهل القضايا الإنسانية البحتة لتنفيذ أجندة سياسية.

وتجدر الإشارة إلى أن آراء شعلان مثيرة للجدل داخل مجتمع المعونة الإنسانية، الذي يناقش منذ فترة طويلة دور ما يسمى بالولاية المزدوجة للمنظمات غير الحكومية، التي توفر المساعدات الإنسانية وتقوم في الوقت نفسه بمناصرة أحد جانبي الصراع سياسياً.

الاتهامات بوجود انقسامات

وينظر الكثيرون إلى الحياد السياسي باعتباره شرطاً مهماً من شروط التوصيل الآمن للمساعدات الإنسانية، في حين تعتبر المناصرة السياسية في كثير من الأحيان متعارضة مع مبادئ العمل الإنساني، أو على أقل تقدير غير مريحة إذا وجدت جنباً إلى جنب مع تلك المبادئ.

"نحن جهة إنسانية فاعلة، وعندما نقوم بالمناصرة، نفعل ذلك استناداً إلى حقوق المستفيدين من عملنا، [وهم الأشخاص النازحون داخلياً] واللاجئون،" كما أشارت إليزابيث راسموسن، الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين.

وأضافت قائلة: "هذا صعب في الأرض الفلسطينية المحتلة لأن الوضع برمته مسيس. تقوم بعض الجهات الفاعلة بالكثير من أعمال المناصرة، وتتعاطف مع هذا الطرف أو ذاك أثناء تقديم المعونة - وهذا يزيل الخطوط الفاصلة. لكننا نصر على أن نكون محايدين".

وفي حين ترى المنظمات غير الحكومية ذات الولاية المزدوجة أن المعونة الإنسانية جوفاء دون مشاركة سياسية بسبب عدم معالجتها للأسباب الجذرية للمشاكل الإنسانية، يقول آخرون أن المشاركة السياسية في الواقع تعرض العمل الإنساني للخطر.

وأوضح راميش راجاسينغام، رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة أن "العمل السياسي يمكن أن يعرض العمل الإنساني للخطر بكل تأكيد، إذا أثر على مصير المساعدات. ولهذا السبب، فإن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية والمنظمات الإنسانية تبذل قصارى جهدها لتجنب هذه المخاطر".

وقد فتح عدم وضوح الخطوط الفاصلة بالنسبة لبعض المنظمات غير الحكومية بالفعل الباب لاتهامات بأن الجمعيات الخيرية الإنسانية متحزبة ومسيسة ومعادية لإسرائيل، وخاصة من قبل الحكومة الإسرائيلية، التي ترسم خطاً واضحاً بين ما تعتبره سياسياً وما تراه إنسانياً.

وقالت إيلانا شتاين، نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية أن "العمل الإنساني يعني أنهم يريدون المساعدة بطريقة إنسانية، سواء في مجال الصحة أو الغذاء أو الرعاية الاجتماعية، إذا تم ذلك دون إصدار أحكام سياسية". وأضافت قائلة: "لكن عندما ينحازون ويبدؤون في التعبير عن آراء سياسية، لا يكون هذا عملاً إنسانياً".

والجدير بالذكر أن المجموعة اليمينية الإسرائيلية "مرصد المنظمات غير الحكومية" - وهدفها المعلن هو وضع حد لممارسات بعض الجهات التي تطلق على نفسها لقب منظمات غير حكومية إنسانية وتستغل القيم العالمية لحقوق الإنسان من أجل الترويج السياسي والأيديولوجي لجداول الأعمال ذات دوافع خاصة - تنشغل الآن بإعداد قائمة سوداء تضم المنظمات غير الحكومية التي تراها مذنبة.

وأشار جيرالد شتاينبرغ، رئيس المجموعة إلى أن "توزيع الماء هو مثال كلاسيكي لترديد عدة منظمات غير حكومية لنفس الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة". وأوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقريرها لعام 2011 حول مستقبل العمل الإنساني، إلى أن تسييس المعونة له تاريخ طويل وقد أدى إلى "انتقادات لاذعة للعمل الإنساني على مدى عقود".

وتتمتع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بوضع خاص باعتبارها مقدم نزيه للمعونة الإنسانية، بموجب اتفاقيات جنيف بشأن قوانين الحرب، لكن بعض المنظمات غير الحكومية، لاسيما العمل الإنساني المقدم من جهات حكومية، يحظى بحصانة أقل من الاتهامات بالتسييس.

ولا تسلم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بعض الأحيان من الهجوم، فقد قال نائب مدير عملياتها دومينيك ستيلهارت، في مقابلة معه أن "هناك خطر دائم لاستغلال ملاحظاتنا لتحقيق مكاسب سياسية أو كأداة من قبل هذا الطرف أو ذاك".

الأسباب الجذرية للضعف

وفي نهاية المطاف، فإن الكثير من المناقشات تتلخص في الجدل الدائر حول تعريف لفظ "الإنساني". وتشكو بعض المنظمات الإنسانية من أن إسرائيل قد ضيقت عمداً تعريفها للإنسانية، وذلك لاستبعاد ما يسمى أنشطة الحماية، مثل تتبع العنف من قبل المستوطنين الإسرائيليين. وبالتالي، تسير المنظمات الإنسانية على خط رفيع، وتجد نفسها محصورة بين خطر فرض قيود على عملها، والضرورة الأخلاقية والعملية للتعبير عن آرائها.

ولكن دانيال بار تال، أستاذ علم النفس السياسي في كلية التربية في جامعة تل أبيب، يعتقد أن الخط الفاصل واضح جداً، حيث قال في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "تتمتع إسرائيل في واقع الأمر بنطاق واسع للمساعدات الإنسانية في الضفة الغربية، لأنه يحل محل مسؤوليتها الخاصة عن رعاية [الفلسطينيين] ... طالما أن العمل الإنساني لا يتصل بتشويه صورة إسرائيل".

ويؤكد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية عدم وجود انحياز سياسي عند إجراء تقييمات إنسانية. وأضاف راجاسينغام: "نحن نستبعد أي عامل سياسي في التقييمات والاستجابات [للاحتياجات الإنسانية]". وأضاف، في إشارة إلى القيود المفروضة على تنقل المدنيين والحصار المفروض على قطاع غزة، أن "جذور الضعف الإنساني في الأرض الفلسطينية المحتلة يكمن في السياسات والقضايا ذات الصلة بالسياسة. وتشمل أعمال المناصرة التي نقوم بها تحديد العلاقة بين هذه الأسباب الجذرية السياسية والضعف الإنساني".

النشاط الإنساني

في مايو 2010، حاولت قوارب النشطاء الذين أطلقوا على أنفسهم اسم "أسطول الحرية" السفر إلى غزة عن طريق البحر لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، في احتجاج دولي رمزي. كما حملوا معهم مواد البناء والمواد الغذائية والأدوية وغيرها من المساعدات. وقد لقي تسعة مواطنين أتراك حتفهم عندما تم إنزال القوات الخاصة الاسرائيلية على سفينة مافي مرمرة، التي كانت تقود الأسطول، في المياه الدولية، لمنع مرورها.

"في إسرائيل وفلسطين، لا يمكنك الفصل بين العمل السياسي والعمل الإنساني،" وفقاً لريئوت مور، وهي ناشطة إسرائيلية شاركت في أسطول استيل الذي اتجه إلى غزة مؤخراً. وأضافت قائلة: "خذ مثلاً المياه في الضفة الغربية: إنها حاجة إنسانية أساسية، لكن طريقة سيطرة إسرائيل عليها سياسية بشكل كبير. أن تكون إنسانياً، وليس سياسياً، يعني ببساطة أن تلعب وفق قواعد إسرائيل".

وعندما يبلّغ المتطوعون والناشطون على الأرض الوكالات الإنسانية عن هدم المباني، أو هجمات المستوطنين، أو التوغلات العسكرية الإسرائيلية في المدن الفلسطينية، يعتبر هذا جزءاً من عملهم الذي يختص بإعداد التقارير الإنسانية.

ولكن السمعة السياسية للعديد من الأشخاص الذين شاركوا في هذه الأنشطة قد تثير الشكوك حول نزاهة ودقة المعلومات التي تم جمعها، وتعرض حياد المنظمات غير الحكومية للخطر.

ويصر المتطوعون على أنهم يسدون الثغرات المهمة الناجمة عن جهل إسرائيل بمسؤوليتها كقوة احتلال (وفقاً للقانون الدولي)، ولا يرون أي تناقض بين العمل السياسي والإنساني.

دعمت الناشطة الألمانية أندي* موسم قطف الزيتون في قرية كفر قدوم الفلسطينية بالضفة الغربية لعدة أسابيع هذا العام، حيث كانت تنام على مرتبة في دار البلدية الفارغ، وتصحو كل صباح لمرافقة العائلات الفلسطينية إلى بساتين الزيتون الخاصة بهم، حيث يتعرضون بانتظام لهجمات المستوطنين الإسرائيليين. ويتضمن العمل إزالة الانقاض عن الحواجز الإسرائيلية أثناء تسجيل اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين.

وبصفتها متطوعة في خدمة المرأة للسلام العالمي (IWPS)، تقول أندي أنها ملتزمة بالعمل السياسي غير العنيف، لكنها في الوقت نفسه تقول أنها تعتقد أيضاً أن العمل الذي تقوم به مع غيرها من النشطاء إنساني في المقام الأول.

ولكن شتاين من وزارة الخارجية الإسرائيلية تعتبر حماية بساتين الزيتون ضمن مسؤوليات الشرطة، وتتساءل إن كان هذا لا يعتبر موقفاً سياسياً من قبل المتطوعين.

وأضافت أن "الشرطة الاسرائيلية وقوات الجيش تحافظ على الأمن والنظام، وخصوصاً خلال موسم قطف الزيتون، لضمان عدم وقوع هجمات من جانب المستوطنين. فهل كانوا هناك للمساعدة حقاً، أم لمجرد اتخاذ موقف سياسي؟"

* ليس اسمها الحقيقي

ah/ha/jj/cb-ais/dvh