الأرض الفلسطينية المحتلة: وعود إسرائيل بجمع شمل الأسر لا تتحقق

 حتى ذلك اليوم" في عام 2007، كانت نسرين اسعيد زوجة وأماً، وكانت أيضاً مصففة شعر. ولكن الحياة كما كانت تعرفها انتهت نهاية مفاجئة عندما تم إبعادها، رغماً عنها، من الضفة الغربية إلى قطاع غزة.

لم تسمح السلطات الإسرائيلية بعودة اسعيد إلى منزلها في رام الله، التي تعتبر عاصمة الضفة الغربية بحكم الواقع، فيأس زوجها من الانتظار وطلقها. واليوم تعيش اسعيد في غزة بعيداً عن أسرتها وأقاربها وفي ظل معدل بطالة يقترب من 30 بالمائة لا يساعدها في العثور على عمل. ولذلك تعتمد الآن على الأموال التي ترسلها أسرتها من الضفة الغربية حتى تتمكن من تغطية نفقاتها المعيشية.

وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجهها ومستقبلها غير المضمون، إلا أن القلق الأكبر الذي ينتابها هو أن ينسى طفلاها ملامح وجهها.

ولدت اسعيد، التي تبلغ من العمر 30 عاماً، في قطاع غزة، وهي منطقة فقيرة ومعزولة يبلغ عدد سكانها 1.6 مليون نسمة. ويقع القطاع تحت حصار خانق ويفتقر إلى المياه والكهرباء. وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي، عندما كان عمرها 14 عاماً، انتقلت اسعيد مع أسرتها إلى الضفة الغربية. وعلى الرغم من أن القيود الإسرائيلية المفروضة على حرية حركة الفلسطينيين كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة سنوات، إلا أن التنقل بين المنطقتين كان سهلاً نسبياً.

ولذلك لم تشعر اسعيد بالقلق بشأن عنوانها المدرج في سجل السكان الذي تسيطر عليه إسرائيل لأنها كانت تعيش في الضفة الغربية بالفعل. ثم تزوجت وأنجبت طفلتها الأولى في الضفة الغربية. وبعد طلاقها، تزوجت مرة أخرى وأنجبت ابناً يعيش حالياً القدس الشرقية. وخلال إقامتها في رام الله كانت تعمل وتمتلك شقة في مدينة قلقيلية بالضفة الغربية.

وكانت اسعيد في كثير من الأحيان تنام إلى جوار طفليها في الليل، وتحتضنهما وتقيس جسميهما الصغيرين بيديها لمعرفة مقدار نموهما. أما الآن، فتقتصر علاقتها بهما على المكالمات الهاتفية.

لم تر اسعيد ابنها وابنتها منذ عام 2007، عندما ذهبت لزيارة شقيقتها في مدينة قلقيلية. وعلى الرغم من أنها كانت في طريقها من مدينة فلسطينية إلى أخرى، إلا أن قلقيلية تقع في المنطقة (ج) (حيث تحتفظ إسرائيل بالسلطة العسكرية والسيطرة الكاملة على قطاعي البناء والتخطيط، في حين تقع المسؤولية عن توفير الخدمات على عاتق السلطة الفلسطينية). وعندما حاولت اسعيد المرور عبر نقطة تفتيش إسرائيلية - كانت قد مرت منها مرات عديدة من قبل - ألقي القبض عليها بسبب هويتها التي تشير إلى أن محل إقامتها هو قطاع غزة.

وبعد اعتقالها واستجوابها، نقلتها قوات الاحتلال مباشرة من نقطة التفتيش إلى غزة. لم تكن لديها فرصة حتى لتوديع طفليها قبل نقلها. كانت ابنتها في العاشرة من عمرها في ذلك الوقت، بينما كان ابنها في الثانية من عمره.

المعركة القانونية

وبمساعدة مسلك (غيشا)، وهي منظمة غير حكومية إسرائيلية تنظم حملات تدعو إلى حرية الحركة، شنت اسعيد معركة قانونية على أمل العودة إلى طفليها، وتمكنت من تحديث عنوانها ليصبح الضفة الغربية، وحصلت على رقم جديد يعكس هذا التغيير، ولكن السلطات الإسرائيلية لم تسمح لها بمغادرة قطاع غزة، على الرغم من حقيقة أنهم لم يعلنوا عن أي تحفظات أمنية بشأنها.

وقال غاي انبار، المتحدث باسم منسق أعمال الحكومة في المناطق الفلسطينية (COGAT) التابع للجيش الإسرائيلي، أن الجيش لم يتلق طلباً من اسعيد بالسفر من غزة إلى الضفة الغربية. وأضاف أنه يجب أولاً تقديم مثل هذه الطلبات إلى السلطات الفلسطينية، ولكن اسعيد تصر على أنها قدمت طلباً عن طريق وزارة الشؤون المدنية الفلسطينية.

وعلى الرغم من أن قصة اسعيد ليست فريدة من نوعها، إلا أنه من المستحيل تحديد عدد الأزواج الفلسطينيين الذين تم تقسيمهم بين غزة والضفة الغربية أو عدد الآباء الذين انفصلوا عن أولادهم القصر بسبب هذه السياسات الإسرائيلية.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت ساري باشي، المديرة التنفيذية لجمعية مسلك (غيشا)، أن "إحدى المشاكل هي توقف الناس عن مطالبة [السلطات الإسرائيلية بالحصول على تصريح] للسفر بغرض جمع شمل العائلات لأنهم يعرفون أن الجواب سيكون الرفض. نحن نعلم أن ذلك يؤثر على الكثير من الناس وله تأثير سلبي كبير على النساء بوجه خاص".

لفتة سياسية؟

في فبراير 2011، سمحت إسرائيل بتغيير عناوين 5,000 فلسطيني من قطاع غزة إلى الضفة الغربية. وكان العديد منهم من سكان الضفة الغربية الذين يعيشون في ظل خوف دائم من الاعتقال والنقل القسري. وكان قد تم إرسال بعضهم، مثل اسعيد، بالفعل إلى غزة. وبعد مرور عام ونصف، تم تنفيذ هذه اللفتة، التي تحققت بوساطة مبعوث اللجنة الرباعية الخاص توني بلير، جزئياً.

وفقاً لباشي، لا تزال آلاف الطلبات تنتظر جواباً. في البداية قيل لآخرين أن بإمكانهم تغيير عناوينهم، إلا أن الجيش الإسرائيلي ألغى هذا القرار. وقد حصل بعضهم، مثل اسعيد، على بطاقات هوية جديدة، ولكنهم لم يتمكنوا من الحصول على إذن للسفر إلى العنوان الذي تم تسجيلهم عليه.

وأكدت باشي أن "تغيير عنوان شخص داخل الأرض الفلسطينية لا ينبغي أن يخضع لأهواء لفتة سياسية".
لكن الحكومة الإسرائيلية تقول أن الاعتبارات الأمنية هي الأساس. وأخبر انبار شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عن طريق البريد الإلكتروني أنه "نظراً للتهديدات الأمنية المنتشرة الآن، والناجمة عن الإرهاب الفلسطيني بشكل عام، وخاصة رغبة الجماعات الإرهابية في غزة في نقل البنية التحتية الإرهابية القائمة إلى [الضفة الغربية]، فقد اعتمدت إسرائيل سياسة تحد من الحركة بين غزة و[الضفة الغربية]". وأضاف أن السياسة العامة تسمح "بانتقال الفلسطينيين من قطاع غزة فقط في الحالات الإنسانية".

أما باشي، فتقول أنه بما أن إسرائيل قد اعترفت بغزة والضفة الغربية كوحدة إقليمية واحدة، فعليها السماح بحرية التنقل بينهما. وبموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يعني ذلك أنه من حق سكان الأراضي الفلسطينية الاختيار بين الإقامة في مدينة غزة أو رام الله.

"سياسة الفصل"

وأضافت باشي أن ما يسمى "بسياسة الفصل" تحركه حقيقة أن إسرائيل تطالب بأراضٍ في الضفة الغربية، ولكنها تخلت عن تلك المطالب في قطاع غزة. (يملك الفلسطينيون حرية تغيير عناوينهم من الضفة الغربية إلى قطاع غزة ويسمح لهم أيضاً بالانتقال إلى غزة، لكنهم لا يستطيعون العودة إلى الضفة الغربية).

وأفادت باشي أيضاً أن "[إسرائيل] لم توفر الكثير من المعلومات حول طبيعة هذه [السياسة]، لكن الجوانب المهيمنة عليها هي عدم السماح بالسفر بين غزة والضفة الغربية، لمنع الفلسطينيين المقيمين في قطاع غزة من الانتقال إلى الضفة الغربية، ولحث أو إكراه الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية على الانتقال إلى قطاع غزة".

ولكن مكتب منسق أعمال الحكومة في المناطق الفلسطينية يقول: "فيما يتعلق بهذه المسألة بالتحديد، لا يمكن اعتبار غزة [والضفة الغربية] وحدة إقليمية واحدة". وأضاف انبار أن هذه السياسة تم فحصها مراراً وتكراراً من قبل المحكمة العليا، التي لم تجد فيها أي خطأ. "ونحن نؤكد، كما قررت المحكمة العليا مراراً، عدم وجود التزام قانوني بالسماح بحرية الحركة بين غزة و[الضفة الغربية]، خاصة إذا كان الطلب يستلزم الانتقال عبر الأراضي الإسرائيلية".

وفي ديسمبر 2009، تلقت المحكمة العليا الإسرائيلية التماساً تقدمت به جمعية مسلك (غيشا) نيابة عن سمير أبو يوسف. على الرغم من أن أبو يوسف ولد في غزة، فقد عاش في الضفة الغربية من عام 1990 حتى عام 2007، عندما اعتقلته السلطات الإسرائيلية ونقلته إلى قطاع غزة، تحت الذريعة نفسها التي استخدمت لطرد اسعيد: العنوان المدون في هويته يقع في قطاع غزة.

وبعد أشهر قليلة من تقديم الالتماس، سمحت السلطات الإسرائيلية لأبو يوسف بالعودة إلى الضفة الغربية، مما جنب المحكمة عناء اتخاذ قرار بشأن مسألة الأسر المشتتة.

mg/ha/cb-ais/dvh

"