مصر: الثورة المصرية - ماذا بعد؟

 تم الإعلان رسمياً عن فوز محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين في أول انتخابات رئاسية مصرية حرة. وانطلقت الهتافات في آن واحد داخل القاعة التي عقد فيها المؤتمر الصحفي وفي ميدان التحرير بالقاهرة، حيث يتجمع المتظاهرون منذ 22 يونيو احتجاجاً على ما يراه كثيرون في الآونة الأخيرة على أنه استيلاء على السلطة من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم.

وجاء إعلان النتائج الرسمية في خضم فترة من عدم اليقين السياسي في مصر، ويتوقع العديد من المراقبين حدوث متاعب تعيق عملية التحول الديمقراطي في المستقبل القريب.

كيف جرت الانتخابات؟

وفي بيان له، قال مركز كارتر، من بين بعثات المراقبة الأجنبية القليلة في البلاد، أن معظم مراحل عملية الاقتراع كانت حرة وعادلة نسبياً. ومع ذلك، فإن الوصول إلى عملية الاقتراع، وخصوصاً فرز الأصوات، كان محدوداً جداً أو محظوراً تماماً، كما واجه المراقبون المحليون قيوداً شديدة. وأعلن مركز العالم الواحد، وهي منظمة غير حكومية محلية مصرية تراقب الانتخابات، عن توصله إلى نتائج مماثلة.

وفقاً لمركز كارتر، كان القانون الانتخابي يمثل المشكلة الأكبر لأنه ترك العديد من القضايا الهامة بدون معالجة، ما سمح للمسؤولين بإصدار أحكام خاصة معدة لهذا الغرض بالذات. كما أدى عدم الوصول الحر إلى قوائم الناخبين إلى تعزيز الشكوك في إمكانية قيام السلطات بتزوير الانتخابات. بل وذهب مركز كارتر إلى حد الإعلان عن أنه لن يكون راغباً في مراقبة أية انتخابات مستقبلية إذا تمت في ظل قيود مماثلة.

وكان هناك أكثر من 800,000 صوت باطل. وبلغت نسبة مشاركة الناخبين 51 بالمائة، بعد الإدلاء بنحو 26.4 مليون صوت (تم تسجيل 50.95 مليون شخص لهم حق التصويت من سكان مصر البالغ عددهم 90 مليون نسمة- 8 مليون منهم يعيشون في الخارج). أما في المناطق النائية، مثل المناطق الريفية في جنوب البلاد، حيث اضطر الناخبون للسفر مسافات طويلة للوصول إلى أقرب لجان الاقتراع، فلم يذهب الكثير منهم إلى اللجان للتصويت. ولم يتمكن الفقراء من تحمل تكاليف السفر في المناطق التي لم يتم فيها توفير وسائل النقل إلى لجان الاقتراع.

ما هي سلطات الرئيس الجديد؟

سوف تكون صلاحيات الرئيس الجديد محدودة. فقبل أسبوع واحد من الانتخابات، أجرت القيادة العسكرية عدة تعديلات على الإعلان الدستوري بغرض الحد من سلطات أي رئيس مستقل.

وعلاوةً على ذلك، أصدرت المحكمة الدستورية العليا المصرية في 14 يونيو حكماً بأن الانتخابات البرلمانية التي أجريت في وقت سابق من هذا العام لم تكن دستورية، وبالتالي، أمرت بحل البرلمان الجديد الذي كانت الأحزاب الإسلامية قد حصلت على الأغلبية العظمى من مقاعده. فنقل هذا الإجراء السلطة التشريعية الفعلية إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة. كما أعاد هذا التعديل إحياء مجلس الدفاع الوطني، وهو يمثل الهيئة المكلفة بالإشراف على مسائل تتعلق بالأمن القومي. وفي حين ما زال الرئيس جزءاً من هذا المجلس، سيكون واحداً فقط من خمسة مدنيين، في حين سيكون للقوات المسلحة 11 ممثلاً، وسيتم اتخاذ القرارات بأغلبية الأصوات.

وما زال الرئيس يحتفظ بسلطة تشكيل مجلس الوزراء، باستثناء وزير الدفاع، الذي سيكون الرئيس الحالي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، المشير طنطاوي. كذلك، جرت العادة على أن يكون وزير الداخلية من الجيش والأجهزة الأمنية - وهي ممارسة ترغب غالبية الجماعات الثورية في إنهائها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن السيطرة المدنية القوية على الشرطة وأجهزة الاستخبارات كانت أحد المطالب الأساسية لثورة عام 2011. وفي ظل غياب البرلمان، يتمتّع رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء بسلطة سن القوانين، ولكن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد يرغب في فرض إرادته في هذا الشأن. هذا وقد تم تحديد مدة الرئاسة بأربع سنوات في الدستور المؤقت الصادر في العام الماضي، ولكن سامح عاشور، أحد المستشارين القانونيين للمجلس الأعلى للقوات المسلحة اقترح في مقابلة مع قناة الجزيرة أن يستمر الرئيس الجديد فقط حتى وضع دستور جديد للبلاد.

ولكن، حتى مع وجود هذه القيود، كانت للانتخابات قيمة رمزية كبيرة. فقد كانت أول انتخابات رئاسية حرة في مصر، وبعد حل البرلمان، أصبحت الرئاسة هي المظهر الوحيد من مظاهر نجاح الثورة حتى الآن.

ماذا سيحدث في ما يتعلق بالدستور؟

يبقى أحد الأسئلة الرئيسية التي تواجه مصر الآن هو معرفة كيف ستتم كتابة دستور جديد. فقد انتخبت الجمعية التأسيسية الثانية لتوها رئيس المجلس الأعلى للقضاء، حسام الغرياني، رئيساً لها، ما سيمنحها شرعيةً، حتى المحكمة الدستورية قد تجد صعوبة في الاعتراض عليها.

ووجدت الأحزاب السياسية صعوبة كبيرة خلال الأسابيع القليلة الماضية في الاتفاق على تشكيل لجنة مكلفة بصياغة دستور جديد. وقوبلت محاولة حزب الحرية والعدالة انتخاب غالبية أعضاء اللجنة من المرشحين الإسلاميين بانتقادات شديدة من قبل الجماعات السياسية الأخرى والمحكمة الدستورية التي حكمت بأن هذه الممارسة غير قانونية. واعتذرت جماعة الإخوان المسلمين عن ذلك، ولكن من خلال التعديلات التي أدخلت على الدستور المؤقت، أصبح المجلس الأعلى للقوات المسلحة الآن يفرض سيطرته بقدر أكبر على الجمعية التأسيسية الجديدة.

وبصيغة غامضة جداً، أعطى المجلس نفسه الحق في تشكيل جمعية تأسيسية جديدة، إذا واجهت الجمعية الحالية مشاكل تعيق تنفيذ المهام والمسؤوليات الموكلة إليها. وإذا احتوى الدستور الجديد على مادة يرى رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو رئيس المحكمة الدستورية العليا أو خُمس أعضاء الجمعية التأسيسية أنها تتعارض مع أهداف الثورة أو مع أي مبدأ من مبادئ الدساتير السابقة، يمكن أن تؤمر الجمعية بتغيير هذه المادة. وإذا فشلوا في التوصل إلى اتفاق، ستقع مسؤولية اتخاذ قرار نهائي على عاتق المحكمة الدستورية.

كما تواجه الجمعية التأسيسية معضلة أخرى، وهي أن البرلمان نفسه الذي حكمت المحكمة لتوها بأنه غير دستوري هو الذي انتخب الهيئة المكلفة بصياغة دستور جديد. ومن غير الواضح ما إذا كان النواب السابقون يمكنهم الاستمرار كأعضاء في الجمعية أم سيكون من الضروري أن يعاد انتخابهم من جديد. على أية حال، فإن هذا يجعل الجمعية عرضة لإجراءات قانونية.

هل ترقى الإجراءات التي اتخذها المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى درجة الانقلاب العسكري؟

قال عمرو دراج، رئيس حزب الحرية والعدالة في محافظة الجيزة وعضو الجمعية التأسيسية، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إذا جمعت كل هذه الخطوات معاً، يمكنك التوصل إلى انقلاب كامل". هذا ووصفت منظمة العفو الدولية قرار الجيش بمنح نفسه "سلطات مطلقة" بأنه تهديد لحقوق الإنسان، ويعطي الجيش القدرة على رفض أي محاولة من قبل أي جمعية تأسيسية لكبح جماح القوات المسلحة، أو وضعها تحت المراقبة المدنية، أو إخضاع جنودها للمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان.

من جهته، أكد فيليب لوثر، مدير إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية في بيان له أن "هذا التحرك من جانب الجيش يبرز تصميمه على البقاء فوق القانون وسحق سيادة القانون." كذلك، وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية، قال ياسر الشيمي، المحلل في الفريق الدولي المعني بالأزمات في مصر أن احتمال سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على الرئاسة والبرلمان، وجزئياً أيضاً على الجمعية التأسيسية، كان سيصبح أكبر من أن يحتمله الجيش.

هل يمكننا توقع المزيد من عدم الاستقرار في مصر؟

حتى بعد حسم السباق الرئاسي، ما زالت مصر مقبلة على مناخ من عدم الاستقرار. لكن المحللين مثل نيثان براون الذي يعمل في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، يشككون في احتمال تفجر اضطرابات كبيرة مجدداً. وقال براون أنه قد تمّ الآن إجهاض الجدول الزمني لعملية الانتقال المنظم للسلطة، ولكن من غير المرجح أن تنقل جماعة الإخوان المسلمين المعركة إلى الشوارع مرة أخرى. وأضاف أنه حتى مع تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، من المرجح أن يكون الإخوان سعداء جداً بالفوز بهذا المنصب وألا يخوضوا معركة كبيرة ضد المجلس الأعلى للقوات المسلحة: "ما زال هذا إنجازاً حقيقياً ينبغي عليهم الحفاظ عليه".

ورداً على سؤال عن الخطوات المقبلة التي تخطط لها جماعة الإخوان المسلمين، قال هاني الديب، المتحدث باسم الحركة في الخارج لشبكة الأنباء الإنسانية أن الحوار والإجراءات القانونية هي أفضل الخيارات. وأضاف أن جماعة الإخوان لا تبحث عن المواجهة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولكن سيتم اتخاذ جميع الخطوات القانونية الممكنة لضمان تشكيل حكومة مدنية. ومن جانبه، دعا مرسي في خطاب النصر إلى الوحدة مؤكداً أنه رئيس لكل المصريين. وقد عكست التصريحات التي أدلى بها الديب هذا المعنى. كما نفى الديب وجود أية صفقات سرية مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، واعترف بارتكاب الجماعة أخطاء في الماضي، مؤكداً أن كلاً من الحزب والحركة سيعمل على تحقيق مزيد من الوحدة مع مجموعات ثورية أخرى في المستقبل.

فيواجه مرسي الآن مهمة صعبة للغاية، ألا وهي السيطرة على الاقتصاد المصري، وسيكون خلق فرص عمل لجيل الشباب وإصلاح نظام الدعم غير الفعال هما أكبر التحديات بالنسبة له.

الضغوط الدولية

يمكن للمجتمع الدولي التأثير على المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى حد ما: فطالما لا يزال الوضع متقلباً، سيكون المستثمرون أقل استعداداً للانخراط، وقد تمتنع الجهات المانحة الدولية، التي تظل مصر بحاجة ملحة إلى مساعداتها المالية، عن التعهد بالتزامات أكبر في ظل المناخ الحالي من عدم اليقين. وفي هذا السياق، اقترح نيك ويتني، عضو المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن يحجب الاتحاد الأوروبي المساعدات الاقتصادية عن الحكومة المصرية. وحث الشيمي، المسؤول في الفريق الدولي المعني بالأزمات، المجتمع الدولي "على التأكيد على وجوب استمرار التجربة الديمقراطية في مصر حتى النهاية ... وينبغي تحقيق نوع من الاستقرار السياسي في مصر،" كما أفاد، مضيفاً أن "هذا لا يمكن أن يتم طالما استمر هذا الرفض لقواعد اللعبة".

من جهتها، أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن أي رفض من قبل الجنرالات للتخلي عن السلطة قد يكون له تأثير على طبيعة علاقة مصر مع الولايات المتحدة، التي تمنح الجيش المصري مساعدات سنوية بقيمة 1.3 مليار دولار. وقالت فيكتوريا نولاند، المتحدثة باسم وزارة الخارجية أثناء مؤتمر صحفي يومي عقد مؤخراً: "لا يمكن التراجع عن عملية التحول الديمقراطي".

kb/ha/cb/oa-ais/bb