مصر: الثورة بعد عام على اندلاعها

 بعد مرور عام على تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك، الذي حكم البلاد لفترة طويلة، في 11 فبراير 2011، يشعر الكثير من المصريين بالتخبط بشأن الإنجازات التي حققتها الثورة حتى الآن. فمن ناحية، يقول كثيرون أنهم ينعمون بقدر أكبر من الحرية والتمكين السياسي بعد تأكيد سلطتهم - ليس فقط خلال الانتفاضة الشعبية التي أجبرت الرئيس على الرحيل بعد ثلاثة عقود في السلطة - ولكن أيضاً في الأشهر التي تلت ذلك، من خلال الاحتجاجات المستمرة ضد حكامهم الجدد وفي صناديق الاقتراع.

ومن ناحية أخرى، يتساءل الكثيرون عما حققته الثورة في ظل الاقتصاد المتعثر، والارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية، وتزايد البطالة، ومحدودية الخدمات الصحية، واستمرار الاشتباكات الدامية، وضعف البرلمان الجديد، والاعتقاد بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لا يرغب في ترك الحكم الذي تولاه بعد تنحي مبارك.

ويبدو أن الناس قد ضاقوا ذرعاً بالثورة نفسها في بعض الحالات. فميدان التحرير الذي يقع في قلب القاهرة ويمثل مركز الاحتجاج الرئيسي، لم يعد يشع بنفس الطاقة الإيجابية التي كانت تعمه من قبل، كما أن العديد من النشطاء يشعرون بخيبة أمل لأنهم لم يتوقعوا أن تطول الثورة fهذا الشكل، وهم يواجهون العداء من بعض المصريين الذين يرفضون استمرار العنف وانعدام الأمن والتدهور الاقتصادي.

ومع ذلك، يبدو الجميع في مصر، التي تظهر منقسمة على نفسها على نحو متزايد، متفقين على شيء واحد، وهو أن مصر لم تصل إلى المكانة التي كانوا يتمنون أن تكون قد وصلت إليها بعد مرور عام على الثورة.

اقتصاد متداعي

في خطابه إلى أول برلمان بعد الثورة في 31 يناير الماضي، لم يجد رئيس وزراء حكومة الإنقاذ الوطني، كمال الجنزوري، تعبيراً أفضل لوصف حالة الاقتصاد الوطني من كلمة "سيئة".

وأضاف الجنزوري أن الدين العام الداخلي قفز من 147 مليار جنيه مصري (245 مليون دولار) في 1999 إلى 857 مليار جنيه (1.4 مليار دولار) في الوقت الحالي، وأن 1,500 مصنع قد أغلقت أبوابها بالفعل، وأن الحكومة اضطرت لاتخاذ التدابير اللازمة لتخفيض العجز في الميزانية بـ20 مليار جنيه.

وبالإضافة إلى ذلك، تراجعت عائدات السياحة، التي تشكل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، إلى 2,8 مليار دولار في نهاية عام 2011 بعد أن كانت قد وصلت إلى 14 مليار دولار في العام السابق، وفقاً للخبير الاقتصادي المستقل عبد المنعم سيد، الذي أضاف أن العملة المحلية فقدت 12 بالمائة من قيمتها أمام الدولار الأمريكي خلال نفس الفترة الزمنية.

وقد تفسر هذه الأرقام ارتفاع معدل البطالة الذي بلغ 8,9 بالمائة من قوة العمل في عام 2010، قبل أن يرتفع إلى 11,9 بالمائة في عام 2011، حسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

ويتوقع بعض الخبراء المستقلين أن يزداد هذا المعدل في المستقبل إذا استمر الأداء الاقتصادي الضعيف ولم تتمكن السياحة من تعويض العائدات التي فقدتها بسبب عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات الأمنية. كما أن عودة أكثر من نصف مليون مصري من ليبيا زادت من تفاقم الوضع أكثر.

ومن الجدير بالذكر أن الاقتصاد المصري نما بنسبة 2,5 بالمائة في عام 2011، مقارنة مع 4,8 بالمائة في 2010، بينما كان معدل النمو الاقتصادي المتوقع في فترة ما قبل الثورة يبلغ 5,8 بالمائة، حسب وزير المالية الأسبق سمير رضوان.

ارتفاع الأسعار


أصبحت بعض السلع الأساسية نادرة وارتفعت أسعارها لتقفز فوق قدرات معظم المصريين. حيث تضاعفت أسعار الفواكه والخضروات، في حين أصبحت اللحوم والدجاج والأسماك حكراً على الأغنياء. ووصل سعر الطماطم إلى ما يعادل 50 سنتاً أمريكياً للكيلوغرام (بزيادة قدرها 25 سنتاً)، وسعر البطاطس إلى 65 سنتاً (بعد أن كان 25 سنتاً) في حين وصل سعر لحم البقر إلى 12 دولاراً للكيلوغرام الواحد.

كما يضطر غالبية المصريين الذين ليس لديهم وصلات غاز طبيعي في منازلهم إلى الانتظار لساعات خارج مراكز توزيع اسطوانات الغاز لأن البديل هو شراء اسطوانة الغاز بما يعادل 6.6 دولاراً من السوق السوداء، بينما تباع الاسطوانة نفسها بدولار واحد في مراكز التوزيع الرسمية. وقد حذر بعض أصحاب المخابز من أن ندرة الغاز الطبيعي والبنزين تهدد قدرة المخابز التي تبيع الخبز المدعوم على الاستمرار في العمل.

كما أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في 31 يناير أن 25,2 بالمائة من السكان فقراء - أي يعيشون على أقل من دولارين يومياً - منذ 2011، مقارنة مع 21,6 بالمائة من السكان في عام 2010. وأضاف الجهاز أن 51 بالمائة من الفقراء كانوا يعيشون في جنوب مصر في عام 2011، مقارنة مع 44 بالمائة في عام 2010.

معاناة القطاع الصحي

تسبب الفراغ الأمني الذي ضرب البلاد في أعقاب الثورة في جعل المستشفيات غير أمنة، على الرغم من الجهود الحثيثة التي تبذلها الحكومة. وأدى تراجع الاقتصاد إلى نقص الأدوية في الصيدليات وجعل مئات الآلاف من الناس يعانون لإيجاد الأدوية واللقاحات. ويأتي على رأس قائمة الأدوية النادرة الأنسولين وأدوية أمراض القلب والكبد.

وفي هذا السياق، أفاد مدير معهد القلب في 16 يناير أن الأطباء توقفوا بالفعل عن إجراء جراحة القلب المفتوح بسبب النقص الشديد في 15 نوعاً من الأدوية التي تحمي المرضى من تخثر الدم. وقبل ذلك بأربعة أيام، قال مسؤولون في معهد السرطان بمدينة طنطا في دلتا النيل أن المعهد بحاجة ماسة إلى 12 نوعاً من الأدوية الأساسية التي يندر وجودها في الأسواق. ولا يزال الأطباء يعربون عن مثل هذه الشكاوى كل يوم، وهو ما يعكس الاضطرابات التي أصابت القطاع الصحي.

كما أن الدوامة اللانهائية من الاحتجاجات والإضرابات التي قام بها الأطباء والصيادلة المطالبون بزيادة الرواتب أو عقود عمل دائمة قد أدت إلى تفاقم النقص في الدواء.

انعدام الأمن

تمثل المثال الأكثر إثارة للصدمة على انعدام الأمن في مقتل 74 شخصاً وإصابة نحو 200 آخرين خلال أعمال الشغب التي تلت مباراة لكرة القدم في مدينة بور سعيد المطلة على البحر الأبيض المتوسط في 1 فبراير. وكان هذا أسوأ حوادث العنف العديدة التي اجتاحت البلاد منذ رحيل مبارك، وعززت الشعور لدى كثير من المصريين بأن الدولة لم تعد موجودة.

كما أدى انتشار الأسلحة وتدهور الأوضاع الأمنية إلى زيادة جرائم الخطف والسطو المسلح في مصر، وبدأ الناس يأخذون على عاتقهم تنفيذ العقوبات بأنفسهم على نحو متزايد. حيث قام رجال من قبائل البدو في سيناء باختطاف 25 عاملاً صينياً و18 جندياً من جنود حرس الحدود في حادثين منفصلين في أقل من أسبوعين، احتجاجاً على اعتقال أو قتل أفراد من قبيلتهم.

وفي أواخر شهر يناير، قرر المئات من موظفي الخدمة المدنية منع عشرات السفن السياحية التي تقل السياح الأجانب من عبور نقطة معينة على نهر النيل قبل منحهم عقود عمل دائمة من قبل الحكومة.

عدم كفاءة الحكم

يقول العديد من المصريين أنهم لا يتوقون لعودة زمن النظام السابق، ولكنهم يعبرون عن سخطهم على حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال الفترة الانتقالية التي تلت سقوط مبارك. كما يتهمون المجلس بالافتقار إلى الشفافية والمشاركة والمساءلة وسرعة الاستجابة، وحتى الكفاءة.

ويشير العديد من أعضاء مجلس الشعب المنتخب حديثاً إلى قانون الانتخابات الرئاسية الذي صدر في الآونة الأخيرة، على سبيل المثال. فقد أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة القانون الذي ينظم الانتخابات الرئاسية المقبلة، دون الرجوع إلى المجلس.

ومن الجدير بالذكر أن البرلمان الجديد الذي انتخب على مدار الأشهر القليلة الماضية لا يزال يخضع لسلطات المجلس العسكري، وكثيراً ما تتعارض آراء حزب الأغلبية التابع لجماعة الإخوان المسلمين مع رغبات الناشطين في ميدان التحرير.


الصورة: : هبة علي / إيرين
هيام يوسف، وهي أم لثلاثة أطفال، تنتظر دورها في الطابور للتصويت في أول انتخابات مصرية حرة ونزيهة

التفاؤل

وعلى الرغم من كل هذا التدهور واسع النطاق، إلا أن المصريين لا يزالون يشعرون بالتفاؤل. فبناءً على شعورهم بالتمكين السياسي للناخبين الذي تم اكتشافه مؤخراً، توجه ملايين المصريين إلى مراكز الاقتراع في جميع أنحاء البلاد في شهري نوفمبر وديسمبر لاختيار أعضاء أول مجلس للشعب في مرحلة ما بعد الثورة. واختار حوالي 47 بالمائة من الناخبين الإخوان المسلمين، وهي منظمة إسلامية ظلت محظورة لعدة عقود في ظل النظام السابق.

كما تتأهب مصر هذا العام أيضاً لإجراء أول انتخابات رئاسية في البلاد في مرحلة ما بعد مبارك.

ae/ha/cb-ais/amz