الأمم المتحدة تدفع بقوة نحو الحد من وفيات الأطفال

بدأت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة الصحة العالمية تنفيذ خطة العمل العالمية الخاصة بهما لمكافحة الالتهاب الرئوي والإسهال، والتي تهدف إلى القضاء على وفيات الأطفال التي يمكن الوقاية منها بسبب هذين المرضين بحلول عام 2025. ولقي تدشين الخطة دعماً كبيراً تضمن نشر سلسلة من المقالات في مجلة "ذا لانسيت" الطبية تبين أن الأدوات اللازمة لتحقيق هذا الهدف موجودة بالفعل، وأنه ينبغي أن تكون هذه الأهداف قابلة للتحقيق بتكلفة معقولة.

وقد شهد العالم انخفاضاً كبيراً في معدل وفيات الأطفال على مدى السنوات العشرين الماضية: ففي عام 1990، انخفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة من 87 وفاة لكل 1,000 ولادة حية إلى 51 وفاة لكل 1,000 ولادة حية الآن.

لكن الانخفاض ليس كبيراً بما يكفي حتى الآن لتحقيق الهدف الإنمائي للألفية الخاص ببقاء الأطفال. ويعد الالتهاب الرئوي والإسهال من الأسباب الرئيسية لهذه الوفيات، إذ يقتل هذان المرضان حوالي مليوني طفل سنوياً ويتسببان في ما يقرب من 30 بالمائة من الوفيات في مرحلة الطفولة المبكرة.

وقد اقترحت منظمة الصحة العالمية واليونيسف "الهدف الجريء" المتمثل في خفض عدد وفيات الالتهاب الرئوي عند الأطفال تحت سن الخامسة إلى أقل من ثلاثة لكل 1,000 طفل وعدد الوفيات الناجمة عن الإسهال إلى أقل من وفاة واحدة لكل 1,000 طفل.

لكن هذا الجهد الأخير يأتي في وقت يشهد انخفاضاً مستمراً في المساعدات المخصصة للتنمية العالمية. وقال ريتشارد هورتون، رئيس تحرير مجلة "ذا لانسيت" أن "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) نشرت إحصاءات الأسبوع الماضي تشير إلى انخفاض بنسبة 4 بالمائة في المساعدات الدولية، لاسيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وأنه يأتي في أعقاب انخفاض بنسبة 2 بالمائة في عام 2011. نحن مقبلون على نهاية فترة استثنائية من التوافق حول صحة الأم والطفل والأهداف الإنمائية للألفية. لذلك نحن نعيش في لحظة من عدم اليقين الالخطير".

مع ذلك، فإن منظمة الصحة العالمية واليونيسف تقولان أن تكلفة تحقيق هدفهما معقولة. فهناك حاجة إلى توفير نحو 6.7 مليار دولار، وهذه الأموال متوفرة بالفعل في مختلف الصناديق والبرامج، مثل التحالف العالمي للقاحات والتحصين وبرامج المياه والصرف الصحي المختلفة، ويمكنها أن تسهم في توفير المبلغ الإجمالي.

التدخلات المباشرة

وتوضح سلسلة مقالات "ذا لانسيت" أن التصدي للإسهال والالتهاب الرئوي سيكون معقداً: فكلاهما ليس مرضاً مستقلاً بذاته وقابلاً للشفاء بتناول دواء واحد أو يمكن الوقاية منه بتناول لقاح واحد؛ بل يمكن أن تتسبب فيهما مجموعة كبيرة من مسببات الأمراض المختلفة.

مع ذلك، يمكن لبعض التدخلات المباشرة مكافحتهما. وتأتي على رأس القائمة المستويات الجيدة من النظافة والتغذية، بما في ذلك الرضاعة الطبيعية طوال الأشهر الستة أشهر الأولى بعد الولادة، لأن الأطفال الأصحاء الذين يحصلون على تغذية جيدة أقل عرضة للإصابة بالأمراض، وإذا مرضوا، يصبحون أكثر قدرة على التعافي.

كما ستؤدي زيادة توافر اللقاحات المقاومة للسلالات الشائعة من الالتهاب الرئوي والمسببات الشائعة للإصابة بالإسهال إلى تحسين فرص بقاء الأطفال على قيد الحياة. والجدير بالذكر أن اللقاحات ضد الكوليرا وفيروس الروتا تسبب الإسهال. ويمكن أن يلعب التطعيم الشامل ضد الحصبة دوراً كذلك إذ يعتبر الالتهاب الرئوي من نتائج مرض الحصبة في كثير من الأحيان.

وعندما يمرض الأطفال، يجب أن يكون آباؤهم قادرين على الحصول على العلاج بسرعة. كما يجب أن تكون المضادات الحيوية المناسبة لعلاج الالتهاب الرئوي في مرحلة الطفولة متاحة في العيادات والمستشفيات، جنباً إلى جنب مع الأكسجين، حيثما كان ذلك ممكناً.

أما بالنسبة للإسهال، فالعلاج الأكثر أهمية هو أيضاً الأرخص والأبسط، وهو الإماهة عن طريق الفم. وعلى الرغم من أنها لا تعالج الإسهال، لكن يمكنها منع وفاة الأطفال جراء الجفاف. وإذا لم تكن عبوات أملاح الإماهة الفموية (ORS) الجاهزة متوفرة، يمكن إعداد بديل معقول باستخدام السكر والملح والماء. مع ذلك، فقد وجد الباحثون أن معظم الأطفال الذين يعانون من حالات الإسهال الخطيرة لا يتناولون أملاح الإماهة الفموية، وأن استخدامها قد انخفض منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت كريستا فيشر ووكر من جامعة جونز هوبكنز: "في ثمانينيات القرن الماضي، عندما تم تطوير أملاح الإماهة الفموية، كانت هناك دفعة هائلة من المجتمع الدولي، شارك فيها المشاهير؛ وكنت تجد بعض البلدان تستعين بلاعبي كرة القدم للترويج لها على لوحات الإعلانات. لكن مع الاختفاء التدريجي للتمويل وتلك الجهود التعليمية، اختفت أملاح الإماهة الفموية أيضاً".

وكانت التركيبات القديمة لأملاح الإماهة الفموية تتسبب في الكثير من المشاكل. وتابعت ووكر قائلة: "لا تتمتع هذه المنتجات بشعبية هائلة بين الأمهات؛ فمذاقها ليس جيداً ومن الصعب إقناع الأطفال بتناولها. لكن الجهود الجديدة والأسمولية المنخفضة [التركيز] قد أدت إلى تحسين أملاح الإماهة الفموية العادية وأملاح الإماهة الفموية ذات النكهة، لكن الناس لم يستغلوا حقيقة أن مذاقها أصبح أفضل، وأنها في الواقع أكثر فعالية".

واليوم، هناك اتجاه لإضافة الزنك إلى أملاح الإماهة الفموية كمجموعة علاج كامل للإسهال لأن الزنك يقلل من نوبات الإسهال ويقوي جهاز المناعة، ولكن يصعب الحصول عليه في العديد من البلدان.

وأفاد شميم قاضي، الخبير في منظمة الصحة العالمية أنه في نيجيريا، على سبيل المثال، توجد شركة محلية واحدة فقط تنتج وتعبئ الزنك العلاجي. وأضاف أن "تكلفة الجرعة الكاملة من الزنك في نيجيريا تبلغ أكثر من ثلاث دولارات لأنها مستوردة. وهناك أيضاً اللوائح والضرائب التي تزيد من التكلفة في الوقت الذي يبقى فيه الطلب منخفضاً. يرغب الناس في استخدام شيء لعلاج الإسهال، ولذلك فإنهم في أكثر من نصف حالات الإسهال، يستخدمون المضادات الحيوية غير الضرورية على الإطلاق في مثل هذه الحالات".

مشاركة القطاع الخاص

ويوضح المثال الذي ضربه قاضي الجهود واسعة النطاق التي ستكون مطلوبة للقضاء على وفيات الالتهاب الرئوي والإسهال التي يمكن الوقاية منها. ويجب إقناع الشركات المصنعة بإنتاج الأدوية المنقذة للحياة، مثل أقراص الزنك، كما يجب إتاحة هذه الأدوية لأولياء الأمور في متاجر القرى ولدى باعة الأدوية.

وقالت إليزابيث ميسون، مديرة قسم صحة الأم والوليد والطفل والمراهق في منظمة الصحة العالمية، أن هذا هو السبب في إشراك الأمم المتحدة لممثلي القطاع الخاص في لجنة السلع المنقذة للحياة، التي أنشئت العام الماضي.

وأضافت في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهم "جزء لا يتجزأ من مجموعات العمل، وأحد دوافع رجال الأعمال هو أنهم إذا عرفوا أنهم سيجدون سوقاً لمنتجاتهم، سيكون لديهم الدافع للإنتاج، لأنهم سيحققون أرباحاً، على الرغم من أن الأرباح المحققة على كل جرعة فردية قد تكون قليلة للغاية".

وقال قاضي أن وجود الهياكل الصحية الجيدة التنسيق والموظفين الذين يجدون تقديم الدعم المناسب على مستوى المجتمع المحلي سيكون أمراً ضرورياً أيضاً. "نحن بحاجة إلى بناء القدرات ورفع مهارات العاملين في مجال الصحة، وتحفيزهم أيضاً لتقديم هذه الخدمات. هناك عاملون صحيون رائعون يتلقون رواتب زهيدة ويؤدون أعمالاً ممتازة، لكن يتعين علينا أن نعمل بشكل أفضل".

وينبغي الإشارة إلى أن كل منطقة من مناطق العالم تضم بلداناً حققت بالفعل أو على وشك تحقيق هذه الأهداف.

وأفادت ميسون أن "ما درسناه هو من الذي يتحرك أسرع من الآخرين. أي البلدان تحركت بسرعة أكبر، وماذا كان معدل الانخفاض بها؟ وإذا كانت قد نجحت في ذلك، فيجب أن نكون قادرين على دعم جميع البلدان حتى تنجح في ذلك أيضاً".

eb/rz-ais/dvh
"