بعد مرور شهر على إعصار نرجس الذي ضرب ميانمار، لا يزال الوصول إلى منطقة دلتا إيراوادي الأكثر تضرراً بهذه الكارثة يشكل تحدياً كبيراً. و يحكي أحد المصورين الصحفيين عن معاناته للوصول إلى منطقة بوغال بالجنوب قائلاً:
في 4 يونيو/حزيران، بدأت الأمطار تهطل بشدة على يانغون، العاصمة السابقة للبلاد، وأدت السيول إلى وقف حركة السيارات القديمة وأجبرت المسافرين على التنقل مشياً على الأقدام عبر المياه التي كانت تصل إلى الركب. قمت فوراً بالاتصال بأحد زملائي للاستفسار عن الوضع في منطقة الدلتا وكيف تمكن من تجاوز نقاط التفتيش العسكرية المتعددة على الطريق.
أتيحت لي فرصة لزيارة مدينة كونغ يانغون في المنطقة الشمالية من الدلتا. والطريقة الوحيدة للقيام بذلك كانت الاندماج بمجموعات من المحليين ومحاولة الظهور بمظهرهم. ارتديت 'اللونغي'، اللباس التقليدي للرجال، وتوجهت إلى الضفة الأخرى لنهر يانغون لأستقل الحافلة إلى المناطق المتضررة.
مررنا بعدة نقاط تفتيش انطلاقاً من مدينة يانغون. كانت بقايا الأشجار التي اقتلعها الإعصار وحطام البيوت التي دمرها تملأ الطريق.
كان التجول في أرجاء كونغ يانغون أصعب مما تصورت. كانت المنطقة تعج بالجنود الذين يقومون بتنظيف الطرقات من الحطام أو يجلسون في خيام زرقاء يراقبون منها عمال الإغاثة الطبية وهم يقومون بفحوصاتهم ويقدمون الإسعافات الأولية للناجين من الإعصار. وفي محاولتنا لنبدو أقرب ما يمكن للمحليين، مشيت 'وسائح' آخر بحذر شديد إلى ميناء المدينة لعلنا نجد مركباً يقلنا إلى بعض أكثر القرى عزلة والتي لم تحصل بعد على المساعدة.
وصلنا إلى بازومشون، وهي قرية تبعد حوالي ساعة ونصف بالمركب. وعند وصولنا، كان المطر يتساقط بشدة والرياح تعصف بقوة. تحدثنا مع زعيم القرية بمساعدة أحد المترجمين وأخبرنا أن كل شيء حصل بسرعة كبيرة لدرجة أن سكان القرية لم يدركوا هول الكارثة إلا في اليوم التالي. وقد لقي 100 شخص على الأقل حتفهم في القرية وحدها.
سافرنا بعد ذلك إلى قرية كيون مانول التي تأوي حولي 1,800 شخص والتي فقدت حوالي 300 من سكانها. روى لنا صبي في الثالثة عشرة من العمر يدعى كياوتو تجربته قائلاً: 'كان الظلام يعم المكان والريح تعصف بشدة. سمعت أصواتاً عالية ولم أستيطع بعدها العثور على أسرتي. أعلم أنهم قد ماتوا جميعاً'.
المعركة من أجل البقاء
ولكن الناس في ميانمار صامدون. أينما ذهبت تجد الناس يحاولون الوقوف والعودة إلى حياتهم من جديد، إذ لا يوجد لديهم وقت للحزن مع أن مظاهر الأسى والتعب وقلة الغذاء بادية على وجوههم. كان الجنود ينظفون الطرقات ولكن الناس الذين يعيشون في المنطقة مجبرون أيضاً على القيام بالكثير من التنظيف في الوقت الذي يفتقرون فيه للموارد الرئيسية اللازمة لذلك.
في اليوم التالي، حاولنا الذهاب أبعد باتجاه الجنوب إلى داخل منطقة الدلتا، ولكن طلب منا مرتين أن ترك الحافلة التي كنا نستقلها لأن مساعد السائق خشي أن يتم القبض علينا في إحدى نقاط التفتيش وأن يؤدي ذلك إلى وقف نشاطهم أو حتى سجنهم.
وأخيراً وبعد سفر طويل عدت إلى بوغال، نقطة انطلاقي حيث ضرب نرجس بكل قواه.
هناك رأيت المنظمات غير الحكومية توزع الأرز وغيره من المستلزمات. كما رأيت الفرق الطبية تقوم بدورياتها في الجزر المجاورة لإجراء الفحوصات وتقديم الإسعافات الأولية للناجين.
وتبقى المشكلة المطروحة هي قدرة الناس على إعادة بناء حياتهم من جديد بعد أن فقدوا أحباءهم وسبل عيشهم.
لا يعتمد مصيرهم فقط على قدرة الحكومة على إصلاح الأضرار التي ألحقها بهم إعصار نرجس ولكن على مدى استعدادهم عندما يهز إعصار جديد حياتهم".
"