المنظمات غير الحكومية تحت وطأة الضغوط في مصر

سلط الحكم بالإدانة الذي صدر في مصر الأسبوع الماضي بحق 43 موظفاً في منظمات غير حكومية بسبب العمل بشكل غير قانوني، الضوء على بيئة عمل هذه المنظمات التي تزداد فيها القيود، بما في ذلك المنظمات التي تعمل في المجال الإنساني.

علاوة على ذلك، من المتوقع أن يشهد الأسبوعان المقبلان الموافقة على مشروع قانون جديد من قِبل جهة التشريع الوحيدة في مصر الآن، وهي مجلس الشورى، وتنقيح القوانين التي تغطي جوانب عمل المنظمات غير الحكومية – وهي خطوة تعرضت لانتقادات واسعة النطاق من قِبل جماعات حقوق الإنسان الدولية والمصرية.

وتشير أرقام الحكومة إلى وجود نحو 43,000 منظمة غير حكومية.

ويقوم مشروع القانون الجديد، الذي اقترحه، في بادئ الأمر، حزب الحرية والعدالة الذي ينتمي إليه الرئيس محمد مرسي وأعلنت عنه الرئاسة في 29 مايو، بإعفاء المنظمات غير الحكومية من الضرائب والجمارك (المادة 11)، ولكنه يشدد سيطرة الحكومة على جزء كبير من أنشطتها، بما في ذلك التمويل والعضوية.

وفي هذا السياق، قالت نهاد أبو القمصان، رئيس المركز المصري لحقوق المرأة، وهي منظمة غير حكومية محلية، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "هذا القانون يهدف أولاً وقبل كل شيء إلى الحد من الحريات القليلة التي تتمتع بها منظمات المجتمع المدني. كما أنه يعطي الحكومة تفويضاً مطلقاً للتدخل في عمل المنظمات غير الحكومية بطرق من شأنها أن تقمع هذا العمل وتخنقه تماماً."

والجدير بالذكر أن القانون الجديد قد صِيغ ليحل محل قانون عام 2002 الذي طُبق في عهد حسني مبارك والذي اعتبرته العديد من المنظمات غير الحكومية في مصر مقيداً.

وقد تم استخدام قانون عام 2002 ، جنباً إلى جنب مع قانون العقوبات لعام 1937، في حكم الإدانة الذي صدر الأسبوع الماضي على العاملين في المنظمات غير الحكومية الدولية والمصرية.

تمويل المنظمات غير الحكومية

وكان أمل العديد من العاملين في المنظمات غير الحكومية أن يخفف القانون الجديد الذي صدر في أعقاب ثورات الربيع العربي بعض قيود قانون 2002، لاسيما فيما يتعلق بالحصول على الموافقة على التمويل الأجنبي.

إلا أن القانون الجديد يكرر هذا الشرط (المادة 13)، وهو ما يعرض المنظمات غير الحكومية عملياً لتأخيرات إدارية طويلة.

وكان طارق نور، المدير التنفيذي لمنظمة تضامن، وهي منظمة غير حكومية محلية تعمل على تعزيز رفاهة اللاجئين الأفارقة المهمشين، يأمل ألا يصبح هذا الشرط جزءاً من القانون الجديد.

وعن ذلك قال: "ليس لدي أي مشكلة في إخطار الحكومة عن التمويل الذي تحصل عليه منظمتي، ولكن لدي مشكلة مع الوقت الذي يستغرقه الأمر للحصول على الموافقة على التمويل ... في معظم الحالات، يستغرق الحصول على الموافقة وقتاً طويلاً جداً، مما يضعف مصداقيتي أمام المانحين."

وفي عام 2010، قامت منظمة تضامن بتصميم برنامج لتوفير اللقاحات المضادة لأنفلونزا الطيور للاجئين الأفارقة، وقد وافقت المنظمة الدولية للهجرة على تمويله، إلا أن الحصول على موافقة الحكومة استغرق أربعة أشهر. وهذا يعني أن البرنامج لم يعد، بعد مرور هذه المدة، قابلاً للتنفيذ لأن فصل الشتاء، الذي يعتبر وقت الذروة لعدوى أنفلونزا الطيور، كان قد انتهى بالفعل.

وبعد مرور عام، لم تتمكن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من تمويل مشروع آخر لمنظمة تضامن يهدف لتقديم الدعم الطبي للاجئين الأفارقة وذلك بسبب الصعوبات المتعلقة بالحصول على الموافقات على التمويل.

وأضاف نور قائلاً: "كنا نأمل أن تجعل الحكومة الأمور أسهل في القانون الجديد، وليس أسوأ."

لجنة التنسيق

ومن الإصلاحات الرئيسية في القانون الجديد تشكيل لجنة تنسيق للإشراف على عمل المنظمات غير الحكومية – بدءاً من عملية تسجيل المنظمة ووصولاً إلى التمويل واللوائح الداخلية والعضوية ونوع الأنشطة.

وتقوم اللجنة مقام الشرط المذكور في قانون 2002 والذي ينص على موافقة (أو عدم موافقة) وزارة الشؤون  الاجتماعية (حالياً وزارة التأمينات والتضامن الاجتماعي) على تمويلات المنظمات غير الحكومية. وتتكون اللجنة من ثمانية أعضاء، بما في ذلك عضو من هيئة الأمن الوطني وآخر من وكالة الاستخبارات، ولكن لا يوجد أي عضو ينتمي لمجتمع المنظمات غير الحكومية.

ويشترط القانون المقترح والمكون من 74 مادة على المنظمات غير الحكومية الحصول على موافقة على طلبات جمع الأموال والتبرعات (المادة 11). 

ليس لدي أي مشكلة في إخطار الحكومة عن التمويل الذي تحصل عليه منظمتي، ولكن لدي مشكلة مع الوقت الذي يستغرقه الأمر للحصول على الموافقة على التمويل  

كما ينكر القانون أيضاً على هذه المنظمات الحق في الدخول في أنشطة مشتركة مع منظمات أجنبية دون إخطار لجنة التنسيق (المادة 12).

التداعيات

وفي أقوى رد فعل على مسودة القانون الجديد على المستوى المحلي حتى الآن، أصدرت 40 منظمة من أكبر منظمات المجتمع المدني في مصر بياناً مشتركاً في 30 مايو، يصف القانون بأنه محاولة من قِبل حزب مرسي "لقمع" المجتمع المدني.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال جمال عيد، الذي يعمل في المنظمة غير الحكومية "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان" وهي من المنظمات الموقعة على البيان: "يقيد هذا القانون عملنا" مضيفاً أن "من وضعوا مسودة هذا القانون كانوا يضعون أمراً واحداً فقط في اعتبارهم: ألا وهو فرض السيطرة الكاملة على منظمات المجتمع المدني."

كما صرحت منظمة غير حكومية أخرى، وهي المنظمة العربية لحقوق الإنسان، أن القانون الجديد يتناقض مع روح الثورة المصرية.

غير أن المؤيدين للرئيس يقولون أن الإصلاحات لا تعيق الحريات، حيث قالت باكينام الشرقاوي، مساعد الرئيس مرسي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "مسودة القانون توسع نطاق عمل المنظمات غير الحكومية."

وأضافت أنه "في حال اعتراض اللجنة على أي شيء فيما يتعلق بعمل المنظمات غير الحكومية، فيجب أن تذكر أسباباً موضوعية لذلك. أنني أدعو الجميع إلى مناقشة هذا القانون بهدوء".

حفظ النظام

وتُعد إحدى متطلبات مسودة القانون الجديد أن تعمل المنظمات غير الحكومية الأجنبية في إطار احتياجات المجتمع المصري والنظام العام والآداب العامة له (المادة 55).

من جهته، يرى جمال أبو جابر، الأمين العام لمنظمة غير حكومية سودانية تدعى شعب السودان The People of Sudan أن "هذا يمكن أن يفتح الطريق أمام حظر أنشطة، أي أنشطة، إذا ما تراءى للحكومة أنها تنتهك النظام العام أو الآداب العامة". وأضاف قائلاً: "عملنا مليء بالأمور التي يمكن أن تصنف بسهولة بأنها انتهاك للنظام العام."

والجدير بالذكر أن المنظمات غير الحكومية تقدم الدعم للاجئين السودانيين الذين يعيشون في مصر. وقال جابر أن اعتبار المساعدة التي يقدمها للاجئين السودانيين انتهاكاً للنظام العام أو الآداب العامة من عدمه يعتمد، في الأساس، على علاقة مصر بالحكومة في الخرطوم.

وأضاف أن" الأمر نفسه ينطبق على الجمعيات الأخرى التي تقدم المساعدة للاجئين القادمين من بلدان مثل الصومال وإريتريا وإثيوبيا .... إذ بإمكان الحكومة إغلاق هذه الجمعيات بسهولة متذرعة بأن أنشطتها تنتهك النظام العام."

وبموجب القوانين الحالية، تحتاج المنظمات غير الحكومية الدولية إلى تقديم طلب رسمي إلى وزارة الشؤون الخارجية عند التخطيط لنشاط ما في مصر، ولكن وفقاً لمنظمة العفو الدولية فإن السلطات لا تستجيب، مما يضع المنظمات غير الحكومية في موقف مبهم.

ae/jj/cb-mez/dvh

"