المرافق الصحية في ريف مصر تعاني من سوء التجهيز

غالباً ما يمثل مجرد الوصول إلى أقرب عيادة أو مستشفى محنة بالنسبة لسكان المناطق الريفية في مصر الذين يسعون للحصول على علاج طبي، وحتى عندما يصلون إليها في نهاية المطاف، فمن المرجح ألا يجدوا المعدات والأدوية اللازمة أو حتى الأطباء لتقديم العلاج لهم.

وربما يكون الربيع العربي قد أحدث تغييرات جذرية في السياسة المصرية، لكن الأطباء يؤكدون أن النظام الصحي الذي يلجأ إليه الفقراء لم يشهد أي تغيير يذكر حيث ما يزال يعاني من نقص في اللوازم الطبية.

وقال أحمد لطفي، وهو عضو بارز في نقابة الأطباء المصرية، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): إن حكومتنا بحاجة إلى إحداث ثورة في الخدمات الصحية، لا سيما في الريف".

وأضاف أن "هناك عدداً قليلاً من المستشفيات والعيادات خارج المدن الكبرى، والمؤسسات الطبية القليلة المتاحة في هذه المناطق لا توفر أي خدمات على الإطلاق للمرضى. فتلك المؤسسات الطبية منفصلة عن كل ما يلزم لخدمة هؤلاء المرضى".

وقال وزير الصحة محمد مصطفى حامد الشهر الماضي أن 20 بالمائة من المستشفيات في المناطق الريفية الجنوبية ليس بها أطباء، وأن نسبة الأدوية الضرورية المتوفرة في المستشفيات والعيادات الحكومية لا تتعدى الـ 40 بالمائة.

وقد قام طلاب كلية الصيدلة بجامعة المنصورة مؤخراً بعلاج 400 مريض خلال رحلة إلى بلدة سمنود، في محافظة الغربية، التي تقع على بعد 126 كيلومتراً شمال القاهرة.

وقال علي كشك، أحد طلاب كلية الصيدلة: "اكتشفنا أن العيادات القليلة الموجودة في تلك المنطقة لا تحتوي سوى على جدران وأبواب، ولا يوجد بها أدوية ولا تقدم أي خدمات على الإطلاق".

وأضاف أن "الأطباء العاملين في تلك العيادات، إن وُجدوا، يطلبون من المرضى إحضار الأدوية معهم، على الرغم من أن معظم المرضى شديدي الفقر".

يقال للمرضى "ابحثوا في مكان آخر"

تهيم الحمير والأبقار على وجوهها أمام بوابات مستشفى أبو النمرس المركزي، الذي يقع على بعد 25 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة، القاهرة.

وعند وصول مراسل شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) إلى هناك، كان أحد الأطباء يصيح طالباً حمالة كتف، لكنها كانت قد نفدت من المستشفى.

وفجأة، توقفت سيارة بيجو فرنسية قديمة خارج المستشفى، وحمل أربعة أشخاص رجلاً مصاباً بطلق ناري في الصدر، لكن أحد الموظفين أخبرهم أن المستشفى يفتقر إلى المعدات اللازمة لإنقاذ حياة الرجل.

واشتاط الرجال غضباً وصاح أحدهم قائلاً: "الله ينتقم منكم". وصاح آخر: "سوف يموت".

وحاول محمد اللبان، مدير المستشفى، الاتصال بمستشفى قصر العيني، وهو أكبر مستشفى تعليمي في القاهرة، لطلب إدخال المريض المصاب بطلق ناري. وكان اللبان يستخدم هاتفه المحمول لإجراء المكالمة؛ لأن مستشفاه غير مزود بخط هاتف أرضي.

وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "الظروف السائدة في مستشفاي مجرد انعكاس للظروف السائدة في مصر ككل. نحن نبذل قصارى جهدنا لخدمة المرضى في غياب كل شيء. ماذا يمكننا أن نفعل غير ذلك؟"

ويستقبل مستشفى أبو النمرس المركزي ما بين 1,000 و3,000 مريض يومياً. ويحاول أطباء المستشفى البالغ عددهم 130 طبيباً جاهدين تعويض النقص في المعدات والأدوية، لكن روحهم المعنوية متدنية نظراً لجسامة أعباء العمل وتدني الأجور.

وقال اللبان: "إن أطبائي يفعلون المعجزات كل يوم".

نقص في الموظفين

ولا يرغب العديد من الأشخاص في العمل في مثل هذه الظروف. وأفادت كوثر محمود، رئيسة إدارة التمريض في وزارة الصحة، أن الوزارة تعاني من نقص في الممرضين يبلغ 40,000 ممرضاً في مستشفيات وعيادات مصر المختلفة. وقالت نقابة الأطباء أن عدد الأطباء المسجلين بها يبلغ 230,000 طبيب، لكن نحو 30,000 منهم هاجروا للعمل في بلدان أخرى.

وأوضح محمد حسن خليل، رئيس مركز الحق في الصحة، وهي منظمة غير حكومية محلية تدافع عن حقوق الأطباء والمرضى في توفير ظروف عمل وخدمات أفضل، أن "هناك هجرة جماعية للأطباء من مصر بسبب نقص المال وظروف العمل الصعبة في المستشفيات في هذا البلد".

وأضاف أن "الطبيب في هذا البلد يكسب نقوداً أقل من الحرفي".

وتبدأ أجور الأطباء في القطاع العام بأقل من 500 جنيه مصري (73 دولاراً) شهرياً. وحتى بعد مضي عقود في الوظيفة، يتقاضى بعض الأطباء أقل من 300 دولار شهرياً.

وقال رشوان شعبان، وهو طبيب قلب في أوائل العقد السادس من عمره، أن مرتب الطبيب المصري لا يكفي لشراء زوج من الأحذية.

وأضاف قائلاً: "لهذا السبب، يضطر الأطباء للقيام بأكثر من وظيفة لاطعام أسرهم. وقد ترك بعضهم مهنة الطب تماماً بسبب هذه الظروف الصعبة".

وقد كانت عواقب النقص في عدد الموظفين وخيمة. فعندما طعنت مجموعة من المتطرفين دينياً شاباً في محافظة السويس في يونيو 2012، تم نقله إلى المستشفى، لكن لم يكن به أطباء.

وقال والد الشاب في حوار مع قناة تلفزيونية خاصة: "كان ابني سيعيش إذا تمكنوا من إنقاذه، ولهذا السبب فإنني أتهم وزارة الصحة بالاشتراك في قتله".

الاستمرار بدونها

وتقوم المستشفيات والعيادات التي تديرها الدولة في مصر بعلاج غالبية المصريين لأنها توفر خدمات أرخص. وتتراوح رسوم دخول المستشفيات العامة بين جنيه واحد وخمسة جنيهات (14-73 سنتاً أمريكياً)، وعادة ما يتم صرف الأدوية دون مقابل، في حال توافرها.

لكن هذه الرعاية المدعومة تنهار في كثير من الأحيان، لاسيما في المناطق الريفية.

عندما عانى محمد رجب، وهو مزارع في أوائل العقد الخامس من عمره، من ألم شديد في الصدر، أسرع إلى مستشفى أبو النمرس المركزي. وهناك، نصحوه بعمل تخطيط كهربائي للقلب، لكن الجهاز كان معطلاً.

وقال رجب: "اضطررت لإجراء تخطيط القلب في عيادة خاصة. لكنني دفعت 70 جنيهاً (10.24 دولاراً) لهذا الغرض. الله وحده يعلم أنني اقترضت هذا المبلغ من أحد الجيران".

وأفاد وزير الصحة حامد هذا الأسبوع أن الحكومة سوف تستثمر في البنية التحتية والمعدات من أجل التصدي لمشاكل المستشفيات المصرية، لكن هذه الاستثمارات ستتم في محافظات القاهرة الكبرى في المقام الأول.

وأضاف الوزير في تصريحات للإعلام المحلي: "الهدف من تنفيذ المشروع داخل القاهرة الكبرى هو توافر العمالة بتلك المحافظات، بدلاً من زيادة عدد الحضانات وأسرة العناية المركزة بمستشفيات لا يوجد بها عمالة بالمحافظات، حتى لا نكرر "مأساة الماضى"، فهناك العديد من المستشفيات بالمحافظات تمتلك إمكانيات لكنها لا تمتلك عمالة تستطيع تشغيلها".

ae/jj/rz-ais/dvh
"