أفغانستان: تفشي الأمراض يتطلب إجراءات فورية

تتخذ أفغانستان خطوات لتحسين تغطيتها للتحصين الروتيني ضد الأمراض بعد أن أدى انخفاض التغطية إلى زيادة حادة في تفشي مرض الحصبة في العام الماضي، مما أسفر عن وفاة أكثر من 300 طفل.

فمنذ بداية فصل الشتاء الماضي في أفغانستان في نوفمبر 2011، تم الإبلاغ عن 9,000 إصابة بالحصبة في جميع الأقاليم تقريباً، مقابل 3,000 حالة خلال الفترة ذاتها من العام السابق. ووصف عمال الإغاثة هذه الزيادة بأنها حالة طوارئ ينبغي أن تدق ناقوس الخطر".

وجاء ذلك نتيجة لتناقص تغطية التطعيم لعدة سنوات بسبب تزايد انعدام الأمن، وانخفاض إمكانية الوصول، وصعوبة التضاريس وقسوة الشتاء الذي قطع الطرق المؤدية إلى آلاف القرى. كما ساهم الجفاف الشديد الذي ضرب البلاد في العام الماضي في إضعاف التغطية.

ومن المفترض أن يغطي التحصين الروتيني أمراض الحصبة وشلل الأطفال والتهاب الكبد (B) والإنفلونزا المستدمية من نوع (B) والدفتيريا والسعال الديكي والكزاز والسل.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، أكدت ماريا لويزا غالير، منسقة مجموعة عمل قطاع الصحة التابعة لمجتمع الإغاثة الدولي في أفغانستان، أن "القضية الرئيسية هي الوصول. ربما ينبغي علينا مراجعة الاستراتيجية وتكييفها لكي تتوافق مع هذا السياق".

وقالت وزارة الصحة العامة في خطة برنامج التحصين الوطني التي تغطي الفترة من 2011 إلى 2015: "بالنظر إلى القيود والتحديات الراهنة في أفغانستان، يعتبر الارتقاء بنسبة تغطية [لقاح الحصبة] إلى 95 بالمائة على المستوى الوطني، وبنسبة لا تقل عن 80 بالمائة في كل منطقة من خلال خدمات التحصين الروتيني، مهمة غير قابلة للتحقيق بسهولة".

وذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن عدد المرافق الصحية التي علقت أعمالها أو غير العاملة في أفغانستان قد زاد بنسبة 40 بالمائة بين عامي 2011 و2012، ليبلغ 540 مرفقاً.

ولا تغطي الحزمة الأساسية من الخدمات الصحية، وهو البرنامج الحكومي المسؤول عن تقديم الرعاية الصحية في المرحلة الأولى، البلاد بأكملها إذ أشار إسلام سعيد، مدير نظام الإنذار المبكر بالأمراض إلى أن هذا البرنامج "يغطي 80 بالمائة على الورق، ولكنه عملياً يغطي حوالي 60 بالمائة". تتولى المنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص تغطية النسبة الباقية، ولكنها تواجه بعض التحديات كذلك.

"ويوماً بعد يوم، يزداد الوضع [الأمني] سوءاً وتصبح فرص وصولنا إلى الناس لتوفير الخدمات الصحية محدودة أكثر،" كما أفاد سيد زبير سادات، المسؤول عن عيادات جمعية الهلال الأحمر الأفغاني في 45 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء البلاد، في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين). وأضاف قائلاً: "لقد واجهنا مشاكل عند القيام ببرنامج التحصين الموسع في المناطق الحدودية والأقاليم التي تشهد صراعات".

"لا يغطيهم أحد"

ويقول خبراء أن ما يقرب من 30 بالمائة من السكان لا يحصلون على أية رعاية صحية أولية، بما في ذلك التحصين ضد الأمراض، أو تعتبر فرص وصولهم إليها سيئة للغاية. وتشير التقديرات إلى ارتفاع هذه النسبة إلى 70 بالمائة في مناطق النزاع في جنوب البلاد. وفي بعض المجتمعات المحلية، يبعد أقرب مرفق صحي 70 كيلومتراً بينما لم يكن للحكومة وجود على الإطلاق في بعض المناطق خلال العام الماضي.

"لدينا الكثير من المناطق الشاسعة ... التي لم تتم تغطيتها من قبل أية جهة - لا مرافق صحية، ولا قطاع خاص، ولا منظمات غير حكومية،" كما أفاد سعيد في تصريحه لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

وحتى في المناطق التي يتم فيها التحصين، يمكن أن تشكل الجودة عقبة أيضاً إذ يعترف المسؤولون الحكوميون بعدم قدرة موظفيهم على إدارة سلاسل التبريد بشكل صحيح، على سبيل المثال.

"لم يحدث الانخفاض في التغطية فقط، بل في جودة التحصين الروتيني كذلك،" كما قالت ايلينا فولو، مسؤولة العلاقات الخارجية في منظمة الصحة العالمية في أفغانستان. وأضافت في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الحزمة الأساسية من الخدمات الصحية، وهي المسؤولة عن إجراء التطعيمات اللازمة، "مثقلة بالعديد من الأنشطة التي يجب عليها تنفيذها بموارد محدودة، وفي ظل صعوبة الوصول".

وفي البرامج ذات الأولوية الوطنية، التي تحدد أولويات الحكومة حتى عام 2015، تعترف الحكومة بأن العديد من القائمين على التطعيم يفتقرون إلى التدريب الأولي، وأن ضعف الميزانية في السنوات الماضية منع الزيارات الإشرافية والمراقبة من قبل فرق الإدارة على مستوى الأقاليم. كما اكتشفت أن هذا هو "السبب الرئيسي" في انخفاض تغطية التحصين.

جودة اللقاحات

وقد أجريت أخر حملة وطنية للتطعيم ضد الحصبة في عام 2009، ولكن شكور وثيقي، الذي كان يدير برنامج التحصين الحكومي في تسعينيات القرن الماضي ولكنه يعمل الآن مع منظمة الصحة العالمية، يقول أن الفئة العمرية المستهدفة كانت محدودة "وجودة الحملة كانت دون المستوى الأمثل".

ونظراً لعدد مرات تفشي الأمراض في العام الماضي، يقول العاملون في مجال الصحة أنه من الواضح أن التطعيم لم يصل إلى 90 بالمائة من الأطفال في كل منطقة - وهو الحد الأدنى المطلوب لمنع تفشي المرض. ووفقاً لنظام الإنذار المبكر بالأمراض، حدثت 285 حالة تفشي أمراض، من بينها 179 حالة تفشي حصبة، حتى الآن في عام 2012. (يتم تعريف التفشي بأنه ظهور أكثر من خمس حالات في منطقة جغرافية محددة خلال فترة حضانة المرض).

"وفي بعض المناطق، تقل نسبة التغطية عن 20 بالمائة وتبلغ صفر بالمائة في مناطق أخرى،" كما أشار سعيد، من نظام الإنذار المبكر بالأمراض.


وثمة مشكلة أخرى هي عدم وجود مرجع لقياس عدد الأطفال الواجب استهدافهم بدقة، إذ لم تجر أفغانستان تعداداً منذ سبعينيات القرن الماضي، ويخشى عمال الإغاثة من أن تكون الأرقام المستخدمة لتحديد الأهداف قديمة، وبالتالي لا يتم إدراج العديد من الأطفال في الإحصاءات الوطنية.

منع تكرار الأزمة

ومع اقتراب فصل الشتاء، تحاول منظمة الصحة العالمية منع تكرار ما حدث في العام الماضي.

ففي يوليو، دشنت المنظمة حملة وطنية للتطعيم ضد الحصبة في حالات الطوارئ شملت تطعيم أكثر من ستة ملايين طفل تتراوح أعمارهم بين تسعة أشهر و10 سنوات في 16 إقليماً. وهي تخطط لمواصلة الحملة في الأقاليم الـ 18 الباقية خلال شهر نوفمبر الحالي.

ورغم أن حالات الحصبة مستمرة في الظهور، إلا أن الأرقام قد انخفضت بشكل حاد بعد المرحلة الأولى من حملة التطعيم ضد الحصبة، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. وفي شهر نوفمبر أيضاً، ستقوم الحكومة ومنظمة الصحة العالمية بتدريب مسؤولي التحصين قبل بدء المرحلة الثانية من حملة التطعيم ضد الحصبة.

ويتخذ مسؤولو الصحة خطوات أخرى لتحسين التحصين. ففي هذا العام، قامت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ووزارة الصحة بالجمع بين حملات التحصين ضد الحصبة وشلل الأطفال، كما قالت فولو، مشيرة إلى أن نموذج "التدشين المزدوج" يستطيع الاستفادة بشكل أفضل من الموارد في المستقبل.

وكجزء من خطة طوارئ الشتاء، بدأ العاملون الصحيون التخزين المسبق للأدوية في المناطق التي ستصبح معزولة في فصل الشتاء، وإقامة مراكز صحية فرعية مؤقتة لخدمة سكان القرى في المناطق النائية خلال هذا الفصل.

فرق صحية متنقلة

وتعترف الحكومة على نحو متزايد بأهمية دور الفرق الصحية المتنقلة، وتقوم في بعض الحالات بنقلهم جواً على متن مروحيات إلى المناطق النائية. ويعد ذلك جزءاً من نهج تطويع استراتيجيات التحصين حسب السياق المحدد لكل منطقة، بدلاً من تطبيق "أسلوب واحد شامل في جميع الأقاليم،" حسبما ذكرت غالير. كما تخطط الحكومة أيضاً لاستخدام المزيد من النساء في برامج التلقيح لزيادة فرص الوصول إلى النساء، وتنقيح نماذج الإبلاغ من أجل تحسين الرصد.

وتهدف فرقة عمل جديدة إلى تنسيق الأنشطة المرتبطة بمراقبة الأمراض والتصدي لها، وهي تضم مسؤولين من مختلف الإدارات الحكومية فضلاً عن منظمة الصحة العالمية، كما أفاد كل من سعيد ووثيقي.

وهناك أيضاً مبادرات رامية إلى دمج مختلف أنظمة مراقبة الأمراض في آلية واحدة وتوحيد جميع المعلومات الصحية تحت إدارة واحدة مسؤولة عن القيام التحليلات اللازمة.

ha/cb-ais/dvh

"