مصر: انعكاس الوضع الأمني على سلامة الأطفال

 يقوم ائتلاف يتكوّن من 100 منظمة للدفاع عن حقوق الطفل المصري بتكثيف ضغوطه على الحكومة لاتخاذ تدابير لمواجهة تزايد عمليات اختطاف الأطفال في جميع أنحاء البلاد، ويهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات حاسمة.

فقد حذّر هاني هلال، الأمين العام للائتلاف المصري لحقوق الطفل، من أن الحكومة لا تولي أهمية كافية للمشاكل التي يعاني منها الأطفال، وهذا يؤدي إلى زيادة الانتهاكات التي يتعرضون لها، ولكن إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات فورية، فسوف يتعين علينا أن نثير هذه المسألة في الأمم المتحدة".

والجدير بالذكر أن ارتفاعاً ملحوظاً في عمليات اختطاف الأطفال قد اجتاح مصر، وأصبحت وسائل الإعلام تنشر أخباراً عن عملية اختطاف طفل جديدة كل يوم - سواء في العاصمة القاهرة أو في المحافظات الأخرى، ما يجعل الأهالي في حالة تأهب مستمر، ويشكّل تحدياً بالنسبة لقوات الشرطة.

وفي حين لم تقدّم وزارة الداخلية أرقاماً دقيقة حول ارتفاع معدّل اختطاف الأطفال، يقول خبراء أمنيون مستقلون أنه قد ازداد بنحو ثلاثة أضعاف منذ أن أطاحت الانتفاضة الشعبية بالرئيس المصري السابق حسني مبارك في فبراير 2011. وكانت عملية التحول السياسي قد جاءت مصحوبةً بانهيار شبه تام في النظام الأمني المصري، وغياب الشرطة عن الشوارع لفترات طويلة.

وفي تصريحٍ لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، أفاد الشرطي السابق والخبير الأمني، ماهر زخاري، أن "اختطاف الأطفال أصبح ظاهرة مقلقة للغاية...فقد جعل الوضع الأمني المتدهور في بلادنا ارتكاب مثل هذه الجريمة أكثر سهولة".

ودعا المجلس القومي للأمومة والطفولة الحكومة إلى التحرّك ضد ما وصفه بأنه "تصاعد لحالات اختطاف الأطفال"، محذراً من العواقب الخطيرة الناجمة عن غض الطرف عن هذه المشكلة. وأطلق المجلس خدمة خط ساخن جديدة يمكن من خلالها تلقي الشكاوى من الأهالي وإحالتها إلى الشرطة، والضغط بشكل أكبر على الحكومة.

ومن جانبه، أشار الائتلاف المصري لحقوق الطفل إلى أن عدد المكالمات المتعلقة بعمليات الاختطاف التي يتلقاها من الأهالي ارتفع بنسبة 300 بالمائة - من مكالمة أو اثنتين يومياً قبل الثورة، إلى ست أو سبع مكالمات في بعض الأيام الآن. ويقول هلال إن معظم الأشخاص الذين يتصلون بائتلافه هم من الفقراء الذين لا يملكون أية اتصالات بالمسؤولين. وتأتي المكالمات من جميع المحافظات، ولكنها غالباً ما تكون من القاهرة ومدينة الاسكندرية الساحلية. وأكّد أن معظم الخاطفين يكونون على معرفة بأسر الأطفال المختطفين.

وأضاف هلال أنه "لدينا صعوبات كبيرة في التعامل مع الحكومة التي لا تنظر إلى الأطفال باعتبارهم مواطنين من الدرجة الأولى مثل أي شخص آخر، ولكن ما أريد أن أقوله للحكومة هو أن صمتها سوف يشجع المجرمين على اختطاف المزيد من الأطفال في المستقبل".

أمّا المؤيّدون لهذه القضية، فيدعون الحكومة إلى اتخاذ اجراءات أكثر صرامةً ضد المجرمين، وزيادة تواجد الشرطة في الشوارع، وسنّ قوانين كفيلة بزيادة العقوبات بحق منتهكي حقوق الطفل. كما يعتقد الكثير من المصريين، وبخاصةٍ الناشطون الذين شاركوا في الثورة، أن الحكومة تتعمّد إهمال سلامة المواطنين وأمنهم لكي تزداد الرغبة في عودة "الأيام الخوالي" إبان حكم مبارك، ولتبرير استمرار حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولى السلطة بعد تنحي مبارك.

الدوافع

تبدو الأدلّة السردية وكأنها تشير إلى دافعين رئيسيين لعمليات الاختطاف، هما الأعضاء البشرية والفدية النقدية. فعندما تركت هيام ربيع، وهي أم لطفلين من قرية دمليج الفقيرة بمحافظة الشرقية الزراعية في دلتا نهر النيل، ابنتها عليا التي تبلغ من العمر عاماً واحداً مع جيرانها في محل لبيع الخضار أثناء قيامها ببعض التسوق، لم يخطر ببالها أنها لن تراها أبداً بعدها، ولكن لدى عودتها بعد ساعة لم تستطع العثور على ابنتها.

كان هذا قبل عام مضى، والآن تقول هيام: "كان لدي أمل في العثور على ابنتي حتى قبل أربعة أشهر، ولكن هذا الأمل تحول إلى مجرد وهم". اكتشفت هيام أن إحدى جاراتها قد اختطفت الفتاة، وخبأتها داخل منزلها لبضعة أيام، ثم قتلتها ووضعت جثتها في كيس وألقت به في قناة للمياه في القرية.

من جانبه، أفاد محمود البدوي، رئيس الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث وحقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومية محلية، بأن ثمة علاقة بين اختطاف الأطفال والاتجار بالأعضاء البشرية في مصر. فعندما اقتحم أقارب وجيران هيام منزل خاطفة ابنتها، وجدوا أكياس دم فارغة وحقن وأنابيب. وقد علق والد الفتاة، عبد العليم الجندي، على ذلك بقوله: "لا أحد يفهم لماذا تحتاج امرأة غير متعلمة إلى هذه الأدوات".

وفي السياق نفسه، وخلال مقابلة مع قناة النهار التلفزيونية الخاصة في شهر فبراير الماضي، أفادت والدة طفل تم اختطافه في الإسكندرية أن ابنها سمع أطفالاً يصرخون ويستغيثون أثناء احتجازه من قبل خاطفيه، وأضافت أن "أحد الخاطفين أخبر ابني أن الأطفال سيباعون لتجار الأعضاء البشرية". وقد تمكن والداه من دفع فدية لاستعادته.

فدية

يقول خبراء أمنيون أن معظم الخاطفين يطلبون من أهالي الأطفال المخطوفين فدية تبدأ من 5000 جنيه مصري (833 دولاراً) وتصل إلى ستة ملايين جنيه (مليون دولار)، إذا كان أهالي الأطفال المخطوفين أغنياء بالقدر الكافي. وكان رجل أعمال بارز في مجال المقاولات قد دفع مليوني جنيه مصري (330,000 دولار) في شهر فبراير الماضي لتأمين الإفراج عن حفيديه.

وحسب الشرطي السابق زخاري، "أصبحت عمليات اختطاف الأطفال وسيلة سهلة يكسب منها المجرمون بعض المال، وهو ما يدل على الوضع الأمني المتدهور في مصر". وينصح زخاري الأهالي بإبلاغ الشرطة عن عمليات الخطف بدلاً من دفع الفدية. ولكن الناشطين في مجال حقوق الطفل يقولون إنه ليس للشرطة سجل جيد في اعتقال الخاطفين أو ملاحقتهم، ولم تنجح في إنقاذ الأطفال سوى في حالات قليلة فقط.

وكانت الشرطة قد ألقت القبض في أبريل 2011 على خمسة من المشتبه بهم في اختطاف ابنة عفت السادات، وهو رجل أعمال وابن شقيق الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وذلك فقط بعدما دفع السادات للخاطفين خمسة ملايين جنيه (833,000 دولار).

كذلك أفاد البدوي، رئيس الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث أن "الأهالي الأكثر فقراً لا يجدون الأموال اللازمة لاستعادة أبنائهم، وهذا هو السبب وراء عدم الإبلاغ عن العديد من عمليات الخطف؛ لأن الأهالي ببساطة لا يملكون أية اتصالات مع مسؤولين كبار".

ae/ha/cb-ais/bb/amz
"