إجراءات غير عملية تعرقل عمل الأونروا على حدود غزة

صعد نزار زارو، وهو سائق شاحنة إسرائيلي، إلى مقصورة شاحنته المحملة بإمدادات الدقيق الطارئة المتجهة إلى مراكز توزيع المواد الغذائية الخاصة بوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في قطاع غزة. ويقوم زارو بهذه الرحلة التي يبلغ طولها 100 كيلومتر من ميناء أشدود الإسرائيلي إلى معبر كيرم شالوم (كرم أبو سالم)- حيث تلتقي حدود غزة وإسرائيل ومصر - خمسة أيام في الأسبوع.

وسيتم تحميل وتفريغ حصص الدقيق المخصصة لحالات الطوارئ ثماني مرات - كجزء من نظام معقد من الإجراءات الأمنية الإسرائيلية – قبل أن تصل إلى الأسر التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة.

ويعد توزيع الأونروا للغذاء على نحو 750,000 لاجئ فلسطيني في جميع أنحاء قطاع غزة عملية واسعة النطاق تتطلب أكثر من 270 طناً من الدقيق يومياً لتلبية الاحتياجات. ووفقاً لتقديرات برنامج الأغذية العالمي، يعاني أكثر من نصف سكان غزة البالغ عددهم 1.5 مليون نسمة من انعدام الأمن الغذائي.

ويعد معبر كيرم شالوم نقطة العبور الوحيدة التي يُسمح فيها بمرور البضائع التجارية والمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، الذي يخضع لحصار إسرائيلي منذ نحو أربع سنوات، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

وقال زارو أثناء انتظاره في طابور من الشاحنات عند المعبر لا يبدو أن هناك نهاية له: كيرم شالوم هو معبر صغير، ودخول 200 شاحنة يومياً يستنفذ أقصى قدرته... يصل حجم معبر كارني (المنطار) إلى ما يقرب من خمسة أضعاف حجم كيرم شالوم، وكنا نعمل حتى منتصف الليل لإدخال 700 شاحنة يومياً". ولكن كانت آخر مرة قاد فيها زارو شاحنته إلى معبر كارني في 2006.

وتساوي الرحلة من أشدود إلى كيرم شالوم ضعف المسافة كما أن كيرم شالوم يُغلق بعد منتصف النهار.

ومعبر كارني (المنطار)، الذي تسيطر عليه إسرائيل، هو المعبر التجاري الوحيد الذي يوفر تسهيلات تسمح بدخول عدد كبير من الشاحنات إلى قطاع غزة، ولكنه مغلق أمام الشاحنات منذ يونيو 2007. وعلى الرغم من الإغلاق استمر تشغيل الحزام الناقل لحبوب القمح إلى أن أعلنت السلطات الإسرائيلية إغلاقه التام في 2 مارس الماضي.

وتفيد الأونروا أن نقل حبوب القمح عبر معبر كيرم شالوم سوف يضيف 20 بالمئة إلى تكاليف الخدمات اللوجستية والنقل.

عملية ملتوية

ويتم شحن حاويات الإمدادات الإنسانية القادمة من البلدان الأجنبية من ميناء أشدود إلى مخازن الأونروا المستأجرة في موقع قريب، ثم يقوم عمال بنقل البضائع على منصات بواسطة رافعة شوكية. وبعد ذلك، يقوم طاقم ثان من العمال بلف البضائع – والتي تكون في الغالب مواد غذائية ومستلزمات طبية – يدوياً بالبلاستيك لتأمينها أثناء الرحلة الطويلة والحارة تحت أشعة الشمس حتى وصولها إلى مراكز توزيع الأونروا الاثني عشر في غزة. وتصف الأونروا الإجراءات الطويلة لجلب الإمدادات الإنسانية الأساسية إلى غزة بأنها معقدة ومكلفة على نحو غير ملائم.

وفي يونيو 2010، قامت إسرائيل بإدخال "تعديلات" على الحصار، الذي أنشأت بموجبه قائمة من "المواد المحظورة" وسمحت من الناحية النظرية بدخول أي منتج غير مدرج على تلك القائمة، ولكن الأونروا لا تزال تناضل لاستيراد كميات كافية من الدقيق ومواد البناء نتيجة لنقص القدرات وعدم كفاية ساعات العمل في المعابر، وفقاً للمنظمة الأممية.

وكانت الأونروا قد حصلت على موافقة على 43 مشروع إعادة إعمار تتطلب مواد بناء محظورة تبلغ قيمتها نحو 11 بالمائة من تكلفة خطة عملها الكلية في قطاع غزة.

ووفقاً للمتحدث باسم الوكالة في القدس كريس غانيس، يتم تحميل حاويات الإمدادات المتجهة إلى الضفة الغربية على شاحنات الأونروا في أشدود وتفريغها في وجهتها النهائية. وعلى هذا النحو يتم تفريغ الإمدادات المتجهة إلى الضفة الغربية مرتين، بينما يتم تحميل وتفريغ الإمدادات المتجهة إلى غزة ثماني مرات قبل أن تصل إلى وجهتها النهائية.

نقل البضائع عبر المنصات مكلف

ويكلف نقل البضائع عبر منصات نقالة الأونروا ضعف تكلفة جلب البضائع عبر حاويات سعة 38 متراً مكعباً كما أن خطر تعرض البضائع للتلف يكون أعلى. بالإضافة إلى ذلك، يتم تحصيل رسوم استيراد مرتفعة، لا تشمل الضرائب، من شركات القطاع الخاص العاملة في كيرم شالوم. وتقدر الأونروا التكاليف الإضافية لنقل المواد الغذائية وغير الغذائية المرصوصة على منصات نقالة إلى غزة، مقابل نقل المواد الغذائية وغير الغذائية في حاويات، بنحو 2.1 مليون دولار في عام 2010، و730,000 دولار في يناير وفبراير 2011.

وأفاد كريس غانيس، المتحدث باسم الأونروا أنه "في الوقت الذي تواجه فيه الأونروا عجزاً في الميزانية يزيد عن 50 مليون دولار، تفإن هذه التكاليف تعتبر ضخمة،" مضيفاً أنه كان يمكن استثمار هذه الأموال في مشاريع تنموية وخلق فرص عمل في قطاع غزة.

وقد دفعت الأونروا حوالي 80,000 دولار لتخزين بضائع في ميناء أشدود منذ 2007 (مثل معدات الأشعة السينية والأدوات الخاصة بمراكز الأونروا للتدريب على إصلاح المركبات) لأن السلطات الإسرائيلية صنفتها على أنها مواد "ذات استخدام مزدوج" ولا تزال تنتظر الموافقة على دخول قطاع غزة.

كارني أقل أمناً؟

وقال غاي انبار، المنسق الإسرائيلي للأنشطة الحكومية في الأراضي [الفلسطينية] لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن كيرم شالوم هو المعبر الأكثر أمناً عند تشغيله بسبب التهديدات الأمنية بالقرب من معبر كارني. وأضاف أن "معظم الهجمات الصاروخية التي شُنت في الشهر الماضي انطلقت من منطقة الشجاعية [شرق مدينة غزة] قرب معبر كارني".

وشرح انبار أن سائقي الشاحنات الإسرائيليين (الذين تتعاقد معهم الأونروا) يفرغون شحناتهم في كيرم شالوم على الجانب الإسرائيلي، ثم ينسق مكتب تنسيق الأنشطة الحكومية دخول البضائع، وبعدها تقوم سلطات الحدود الإسرائيلية، التي تقع تحت إشراف وزارة الدفاع، بفحص البضائع قبل دخولها إلى غزة.

وقال سائق شاحنة الأونروا زارو أن هناك ثلاث غرف مؤمنة عند المعبر لنقل البضائع - تتسع غرفتان منها لحمولة حوالي 32 شاحنة والثالثة لحمولة نحو 12 شاحنة. "ويتم تفريغ المنصات في الغرف، المغلقة من جانب غزة، وبعد التفتيش تُفتح الأبواب على جانب غزة لسائقي الشاحنات الفلسطينية لاستقبال الشحنات".

وأضاف انبار أن "الغرف الثلاث تسمح بنقل البضائع بأمان في مكان واحد، وتوفر منطقة معقمة". ولكن تجار غزة يشبهون هذه العملية بعملية توفير الغذاء للسجناء.

وقد شددت إسرائيل حصارها على قطاع غزة بسبب المخاوف الأمنية، بعد أن سيطرت حماس على القطاع في 2007. ومن خلال إغلاق الحدود لفترة طويلة، فرضت إسرائيل قيوداً على استيراد الوقود والسلع التجارية، فضلاً عن معظم مواد البناء والمواد الخام، وقيدت إلى حد كبير حركة الناس، وفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

ويأتي موظفو شؤون التفتيش التابعون للأونروا إلى كيرم شالوم يومياً لتسهيل دخول شاحنات الوكالة إلى غزة.

سائقو الشاحنات يتزاحمون

ويحتشد العشرات من سائقي الشاحنات الإسرائيليين عند نافذة المقطورة للحصول على موافقة لنقل حمولاتهم من سلطات الحدود الإسرائيلية. وقد حصل زارو بالفعل على ختم الموافقة على شحنة الدقيق، على الرغم من أن طلبات العديد من سائقي الشاحنات ستُرفض بعد الانتظار لساعات طويلة في الخارج. ووفقاً للأونروا، ليس هناك أماكن تخزين باردة في كيرم شالوم، مما يؤدي إلى إتلاف اللوازم الطبية وتقليل العمر الافتراضي للمواد الغذائية التي تتعرض لمناخ صحراوي.

وأفاد غانيس المتحدث باسم الأونروا أنه "إذا توفرت معدات الأمن المناسبة في كيرم شالوم، لأمكن بسهولة نقل حاويات البضائع... هذه المعدات متاحة ومن وجهة نظر لوجستية ستكون أكثر أماناً وسهولة وفعالية من حيث التكلفة عند فحص شاحنة بأكملها".

ولم تستجب وزارة الدفاع الإسرائيلية لطلب شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) للتعليق على سبب ضرورة استخدام منصات نقالة لشحن السلع في كيرم شالوم.

وكانت دراسة حديثة أجرتها رابطة وكالات التنمية الدولية AIDA، التي تمثل أكثر من 80 منظمة غير حكومية تعمل في الأرض الفلسطينية المحتلة، قد توصلت إلى أن التكلفة التي تتحملها المنظمات غير الحكومية الدولية للتعامل مع القيود المفروضة على انتقال الموظفين والبضائع لا تقل عن 4.5 مليون دولار في السنة.

وبعد أيام متتالية من العنف بين الجيش الإسرائيلي والجماعات الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة، تستعد وكالات الإغاثة في المنطقة لعمليات طارئة في حالة حدوث هجوم إسرائيلي كبير آخر على قطاع غزة.

وتجدر الإشارة إلى أن التصعيد الأخير للعنف قد أودى بحياة ستة مدنيين فلسطينيين، بينهم أربعة أطفال، وجرح 24 آخرين في غزة. كما أُصيب ثلاثة مدنيين إسرائيليين بجروح جراء القصف بقذائف الهاون وإطلاق الصواريخ من غزة. كما قتلت قنبلة زرعت في محطة للحافلات في القدس يوم 24 مارس سائحة وتسببت في إصابة أكثر من 30 شخصاً. ولم تعلن أية جهة مسؤوليتها عن التفجير حتى الآن.

وذكرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، أنه قد تم إطلاق نحو 63 قذيفة هاون وأربعة صواريخ من قطاع غزة على جنوب إسرائيل خلال الأسبوع قبل الماضي، وهو أكبر عدد منذ نهاية عملية الرصاص المصبوب الإسرائيلية في يناير 2009. وتعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل سترد.

وفي الأول من أبريل قتل ثلاثة من القادة الميدانيين لكتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس في غارة جوية شنتها إسرائيل على سيارة جنوب قطاع غزة. وبينما توعدت كتائب القسام بالرد، قالت إسرائيل أن الغارة استهدفت ناشطين من حماس كانوا يعدون لهجمات ضد سياح إسرائيليين في صحراء سيناء بمناسبة عيد الفصح اليهودي.

es/cb-ais/dvh

"