المعونة الغذائية التي تعطيك اثنين بثمن واحد

يمكن للمعونة الغذائية الجيدة أن توفر مليارات الدولارات التي كان من الممكن أن تنفق على إنقاذ الأرواح، وفقاً لتقرير هام أصدره البنك الدولي، وهو واحد من دراستين جديدتين كشفتا بعض الحقائق المقلقة حول المعونات الغذائية وسوء التغذية.

فوفقاً للتقرير الصادر بعنوان رفع مستوى التدخل: ماذا سيكلف؟" يمكن أن يوفر إنفاق 200 دولار لعلاج طفل مصاب بسوء التغذية الحاد 1,351 دولاراً من تكلفة علاج الأمراض المتعلقة بالتغذية. ويرى التقرير أن "تكلفة عدم التدخل أعلى بكثير، فالفائدة التي تعود من دعم السلع الضرورية بالحديد وإضافة اليود إلى الملح وحدها تقدر بنحو 7.2 مليار دولار سنوياً".

وقد أحيت أزمة أسعار المواد الغذائية التي حدثت عامي 2007/2008، وتلتها واحدة من أسوأ حالات الركود الاقتصادي في الآونة الأخيرة، اهتمام عالم المساعدات الإنسانية بسوء التغذية، لا سيما جودة المعونة الغذائية التي يتم تقديمها.

ويتفق التقرير الآخر، الذي أصدرته المنظمة الخيرية الطبية الدولية "أطباء بلا حدود" بعنوان "سوء التغذية: ما هو حجم الإنفاق؟" مع النتيجة التي توصل إليها البنك الدولي وهي أن المعونة الغذائية فشلت فشلاً ذريعاً في تلبية احتياجات التغذية.

ولا تركز المعونة الغذائية بالضرورة على "الفرصة المتاحة" من فترة الحمل إلى أن يبلغ الطفل عامه الثاني، وهي الفترة التي يكون فيها الأطفال والنساء أكثر ضعفاً، كما قالت ميرا شيكار، وهي خبيرة رائدة في مجال الصحة والتغذية بالبنك الدولي، وشاركت في تأليف التقرير.

وقال ستيفان دويون، أحد مؤلفي تقرير منظمة أطباء بلا حدود أنه "نادراً ما تستهدف المعونات الغذائية الفئات الأكثر ضعفاً؛ وهم الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل والمرضعات".

ولا تنفق الجهات المانحة سوى القليل جداً على التغذية. فعلى سبيل المثال لم تتعد نسبة المعونات الغذائية والتنموية الطارئة التي كانت موجهة لمعالجة سوء التغذية بين عامي 2004 و 2007 الـ 1.7 بالمائة، وفقاً لمنظمة أطباء بلا حدود.

وقال دويون أن تحليلهم اقترح على الدول المانحة تعظيم قيمة التمويل عن طريق وقف الهبات العينية وتوفير مبالغ نقدية بدلاً منها حتى يتسنى لوكالات المعونة البحث عن غذاء أرخص أو أكثر ملائمة في المنطقة أو البلد المستفيد. بيد أن الدول المانحة الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وكندا، والتي كانت قد قررت مؤخراً توفير مبالغ نقدية، لم تنفق أموالاً كافية على التغذية.

وأشار تقرير البنك الدولي إلى أن التصدي لسوء التغذية في 36 بلداً يعيش فيها 90 بالمائة من أكثر أطفال العالم معاناة من سوء التغذية سيكون رخيصاً نسبياً - بحيث لا يزيد عن 11.8 مليار دولار وذلك لزيادة نسب التغطية الحالية في 13 مشروع تغذية إلى 100 بالمائة من السكان المستهدفين.

ويمكن لتوسيع نطاق هذه البرامج، التي تشمل توفير الأغذية المدعمة بالمعادن والفيتامينات وأقراص التخلص من الديدان وتشجيع الرضاعة الطبيعية، أن ينقذ حياة أكثر من 1.1 مليون طفل تقل أعمارهم عن خمس سنوات في هذه البلدان، التي يموت فيها حوالي ثمانية ملايين طفل لأسباب ذات صلة بسوء التغذية كل عام.

ويلقي تقرير البنك الدولي نظرة شاملة على الأركان الأساسية لبرامج التغذية مثل توفير الأطعمة المدعمة بالمغذيات الدقيقة، ويوفر تفاصيل ليس فقط حول مقدار الزيادة المطلوبة في كل برنامج، ولكن حول أثرها من حيث القيمة النقدية كذلك.

وقد أصبح الأطفال الذين أخذوا أغذية تكميلية مدعمة بالمعادن والفيتامينات قبل أن يبلغوا عامهم الثالث أكثر إنتاجاً من الناحية الاقتصادية، كما قالت دراسة للبنك الدولي، نقلاً عن التحقيق الذي قاده جون هودينوت، الباحث البارز في المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، والذي نُشر في المجلة الطبية البريطانية "ذا لانسيت" في عام 2008.

وأخبر هودينوت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن دراسة البنك الدولي مثلت "محاولة متأنية لتقييم الموارد اللازمة للحد من انتشار سوء التغذية في جميع أنحاء العالم... والميزة المدهشة في هذه التقديرات هي، في الواقع، صغر قيمة هذه المتطلبات المالية".

وأضاف أنه "مقابل جزء بسيط من الأموال التي تنفق على إنقاذ المؤسسات المالية، يمكن للحكومات في مختلف أنحاء العالم تقليل حالات نقص المغذيات الدقيقة بشكل ملحوظ والحد بشكل كبير من حالات وقف النمو".

وقد دفع التباطؤ الاقتصادي العالمي، جنباً إلى جنب مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية، نحو 100 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم إلى خانة الجوع والفقر المزمنين في عام 2008، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو).

ويموت ما بين 3.5 مليون و5 ملايين طفل تحت سن الخامسة سنوياً بسبب الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، وهو ما يمثل 11 بالمائة من العبء العالمي للأمراض، وفقاً للتقارير.

وقد أفادت دراسة منظمة أطباء بلا حدود أن نحو 40 بالمائة من تدفقات تمويل التغذية خصصت لدول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث شملت البلدان الرئيسية المنتفعة السودان وإثيوبيا والصومال والنيجر وكينيا وزيمبابوي وجمهورية الكونغو الديمقراطية. كما ذهب ما يقرب من 18 بالمائة من الأموال إلى جنوب ووسط آسيا، أما النسبة الباقية فكانت "غير محددة".

الأركان الأساسية

ويمكن أن تسهم الأسر الأكثر ثراءً في البلدان المستفيدة بمبلغ 1.5 مليار دولار من إجمالي 11.8 مليار دولار يقول البنك الدولي أنها ضرورية لمعالجة سوء التغذية في 36 بلداً من خلال شراء الملح المعالج باليود والمواد الغذائية الأساسية المدعمة بالمعادن والفيتامينات، مثل الدقيق، والتي كانت متوفرة محلياً.

وقد وجدت دراسة البنك الدولي أن معدلات سوء التغذية كانت مرتفعة بشكل مدهش حتى في أوساط السكان الأكثر ثراءً. "فعلى سبيل المثال، في الهند وبنجلاديش وإثيوبيا يعاني 20 و30 و37 بالمائة من الأطفال على التوالي الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات في أعلى الفئات دخلاً من نقص الوزن".

ويمكن استخدام المبلغ المتبقي وقدره 10.3 مليار دولار لشراء مكملات فيتامين (أ) وأقراص الحديد وحامض الفوليك والأغذية الأساسية المدعمة بالحديد، من بين أشياء أخرى، لعدة ملايين من الأطفال والأمهات.

وبالإضافة إلى إنقاذ الأرواح، يمكن لهذه البرامج إنقاذ حوالي 30 مليون سنة ضائعة بسبب الوفاة المبكرة والعجز، فضلاً عن توفير الأموال اللازمة لعلاج المرضى وتقديم خدمات الرعاية الصحية.

كما يمكن تقليل معدلات سوء التغذية الحاد إلى نصف المستوى الحالي البالغ 19 مليون نسمة؛ أي يمكن تجنب حوالي 138,000 من بين 276,000 حالة وفاة سنوياً من خلال اتخاذ تدابير وقائية؛ كما يمكن تفادي 50,000 حالة وفاة إضافية عن طريق معالجة سوء التغذية الحاد.

وقد أوصت دراسة البنك الدولي بزيادة البرامج في مرحلتين: توسيع نطاق توزيع المغذيات الدقيقة، وتوعية الناس بأهمية تناول طعام صحي في المرحلة الأولى، وتوفير الأغذية التكميلية أو العلاجية لمنع وعلاج سوء التغذية المتوسط الحدة لدى الأطفال الذين تقل أعمارهم عن عامين، والإنفاق على البرامج كثيفة الموارد لعلاج سوء التغذية الحاد في المرحلة الثانية.

ومع ذلك، أشار دويون من منظمة أطباء بلا حدود إلى ضرورة تقديم الوقاية والعلاج في آن واحد، متسائلاً "ما جدوى توعية الناس ببرامج المغذيات الدقيقة عندما يكون عليهم الانتظار للحصول عليها؟"

ماذا عن المال؟


الصورة: OECD DAC
المساعدات التنموية الرسمية في مجال التغذية والمساعدات الغذائية الطارئة للفترة بين 1995 و2007

وقد ألمحت دراسة البنك الدولي إلى أن تخصيص الأموال في البلدان المستفيدة سيصبح أكثر كفاءة من خلال سد الفجوات في الاستراتيجيات الوطنية المقدرة تكاليفها والمتفق عليها، وأشارت إلى أن هذا التصور يزداد قوة يوماً بعد يوم.

وفي خطوة تكميلية، وضعت العديد من البلدان المتقدمة، بما في ذلك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي "استراتيجيات تغذية جديدة أو أوراق عمل تعكس موقفها بشأن الأمن الغذائي، أو تبدو على وشك القيام بذلك".

وقال دويون أن "هذا يتعلق بتغيير العقلية من تقديم المعونة الغذائية إلى المساعدة والحرص على تلبية احتياجات الناس".

وكان مؤلفو تقرير البنك الدولي متفائلين بشأن الإعلان الذي صدر مؤخراً من قبل مجموعة الدول الصناعية الثمانية في لاكويلا بإيطاليا، حول تخصيص مبلغ إضافي قدره 20 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات ينفق على الأمن الغذائي.

ومن المحتمل أيضاً أن تتبع كندا هذه الأجندة خلال الاجتماع القادم لمجموعة الثمانية في عام 2010، عن طريق الانتقال "من الأمن الغذائي إلى الأمن التغذوي"، مما سيوفر "فرصة أخرى لتمويل الزيادة في برامج التغذية".

jk/he-ais/dvh

"