مصر: يبيعون كلاهم لتأمين لقمة العيش

في أزقة حي شبرا، أحد أكبر أحياء القاهرة، يتجول تجار الأعضاء البشرية بحثاً عن شباب مصريين معوزين ويحاولون إقناعهم ببيع كلاهم بأقل من 3,000 دولار.

وكان أحد ضحاياهم عامل مصري فقير يدعى إدريس، 33 عاماً، قام ببيع كليته قبل سبعة أشهر لسائح عربي لم يسبق له أن التقى به مقابل 12,000 جنيه مصري (حوالي 2,225 دولار). وعن تلك الصفقة قال إدريس: قال لي الوسيط أن العملية تخلو من المخاطر بينما كان يحاول إقناعي ببيع كليتي مقابل مبلغ لا بأس به من مال يمكنني الحصول عليه بسرعة".

غير أن حياة إدريس تغيرت كثيراً منذ أن تخلى عن كليته حيث أخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في القاهرة قائلاً: "لقد أصبحت أشعر بالتعب بسرعة ولا أستطيع العمل كثيراً كالسابق. كما أنفقت جميع الأموال التي حصلت عليها في هذه الصفقة".

وحال إدريس حال الكثيرين من أمثاله الذي باعوا كلاهم ليجدوا أنفسهم في حالة صحية سيئة ووضع مادي أصعب مما كانوا عليه قبل إجراء العملية.

ووفقاً لدراسة أعدها تحالف مكافحة تجارة الأعضاء Coalition for Organ Failure Solutions ،يعاني 78 بالمائة من المصريين الذين يتبرعون بأعضائهم من تدهور في وضعهم الصحي بعد الجراحة بينما يعاني 73 بالمائة منهم من ضعف في قدرتهم على أداء الأعمال التي تتطلب مجهوداً بدنياً.

ولا تتوفر أية إحصائيات رسمية في البلاد حول العدد الحقيقي للأشخاص الذين يتبرعون بأعضائهم ولكن عمر مصطفى، العضو في تحالف مكافحة تجارة الأعضاء أفاد أن عددهم يقدر بالآلاف وأنه من الصعب تعقبهم بسبب وصمة العار التي يشعرون بها.

وأضاف مصطفى قائلاً: "هذا بالتحديد ما دعانا إلى التحالف مع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لمحاولة الوصول إلى ضحايا الاتجار بالأعضاء البشرية".

ولكن تبقى الصعوبات التي تعيق وصول مصطفى وغيره من العاملين في مكافحة هذه الأعمال غير الشرعية إلى الضحايا السرية التي تكتنف نشاط الاتجار بالأعضاء.

وقال الدكتور محمد غنيم، الجراح المصري المعروف في زراعة الكلى في منطقة الشرق الأوسط: "لا أحد يرغب بالحديث عن تجارة الأعضاء البشرية في مصر لأنها مصدر هائل للثراء".

ويوافقه الرأي كبير كريم من تحالف مكافحة تجارة الأعضاء الذي قال: "لقد أصبح الاتجار بالأعضاء تجارة مربحة للغاية يتعاون فيها الأطباء مع الوسطاء لتحقيق الأرباح. وبالطبع من ينجح في تحقيق الأرباح يود أن يستمر الوضع على حاله. ولذلك لا بد من التركيز على أخلاقيات المهنة".

حملات مداهمة

وحملات المداهمة التي بدأتها الحكومة المصرية في منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني لملاحقة تجار الأعضاء والمتبرعين والمراكز الطبية التي تجرى فيها العمليات الجراحية في مختلف أحياء القاهرة قد ألقت الضوء على هذه القضية في مصر، التي تصنف الثالثة عالمياً من حيث انتشار تجارة الأعضاء غير المشروعة، كما ذكر وكيل وزارة الصحة سعد المغربي.

بدوره، قال عبد الرحمن شاهين، الناطق باسم وزارة الصحة أن الوزارة بدأت عمليات تفتيش بالتعاون مع إدارة العلاج الحر، الجهة الوحيدة التابعة للوزارة التي تملك السلطة القانونية للاعتقال الفوري لمن يشتبه بتورطه بتجارة الأعضاء البشرية أو عمليات نقل الأعضاء غير المشروعة.

وقال شاهين: "تتألف الإدارة من فريق مهمته تعقب الوسطاء والمتبرعين ومداهمة العيادات والمستشفيات التي تسمح بإجراء مثل هذه العمليات دون الحصول على تراخيص".


الصورة: COFS
يشاع أن تجار الأعضاء يعملون الآن في مدن الصفيح في ضواحي القاهرة على الرغم من وجود قوانين تنظم عمليات زرع الأعضاء في مصر

وأضاف قائلاً: "ترسل الإدارة فرقاً إلى المقاهي التي يرتادها الوسطاء بحثاً عن متبرعين محتملين وحيث تعقد الصفقات. كما أنهم يزورون المستشفيات للتأكد من أن جميع عمليات زرع الأعضاء التي أجريت فيها حاصلة على تراخيص من الوزارة".

خرق القانون

ويشاع أن تجار الأعضاء يعملون الآن في مدن الصفيح في ضواحي القاهرة على الرغم من وجود قوانين تنظم عملية زرع الأعضاء في مصر.

وأوضح شاهين قائلاً: "تسمح القوانين السارية بالقيام بعمليات زرع الأعضاء في المستشفيات الحكومية والخاصة والمراكز الطبية. ولكن بما أن الطلب على زراعة الأعضاء يفوق العرض، فقد شهدنا تحولاً كبيراً دفع تجار الأعضاء والأطباء والفنيين لخرق القانون في المستشفيات الحكومية والمراكز الطبية الخاصة على حد سواء".

كما يوجد تعديل مقترح على القانون يمنع العيادات والمراكز الطبية الخاصة من القيام بعمليات زرع الأعضاء.

ولكن شاهين قال: "طالما تجرى عمليات زرع الأعضاء في المراكز الخاصة فهذا يعني أنها ليست ممارسة طبية وإنما تجارية. وهذا أمر غير أخلاقي".

ووفقاً لكريم من تحالف مكافحة الاتجار بالأعضاء، تمتد هذه القضية لأبعد من تعديل القانون، حيث قال: "التحالف يؤيد التعديل الجديد بكل تأكيد... ولكننا إذا أردنا أن نخاطب المشكلة من جذورها ونجد حلولاً أخلاقية لقضية الاتجار بالأعضاء، لا بد لنا من أخذ إجراءات أخرى في الاعتبار".

ويقول الخبراء أنه ربما يكون حل المعضلة هو التبرع بالأعضاء بعد الوفاة. ولكن كريم قال أنها مسألة ينظر إليها البعض أيضاً بأنها لا أخلاقية "فالتبرع بأعضاء أحبائك بعد الوفاة أمر في غاية الصعوبة لأسباب دينية وثقافية".

"