الصحة: مخاوف من تأثير تغير المناخ على أمراض المناطق المدارية المهملة

على الرغم من أن التبرع المرموق الذي قدمته مؤسسة بيل وميليندا غيتس سلط الضوء على أمراض المناطق المدارية المهملة في وقت سابق من هذا العام، إلا أن الكثيرين يخشون من أن يفسد تغير المناخ التقدم نحو القضاء على بعض هذه الأمراض.

وأمراض المناطق المدارية المهملة هي مجموعة من حالات الإعاقة المزمنة - التي تتراوح بين الالتهابات البكتيرية والطفيلية ولدغات الأفاعي - التي تؤثر على أكثر من مليار شخص في جميع أنحاء العالم. وتسهم هذه الأمراض في الدخول في دوامة الفقر والمعاناة من وصمة العار المستمرة، ويصبح العديد من المصابين بها غير قادرين على العمل أو الذهاب إلى المدرسة. كما تعتبر السيطرة على أمراض المناطق المدارية المهملة أمراً مهماً بالنسبة للوضع الصحي والنمو الاقتصادي للبلدان النامية المعرضة أيضاً لتغير المناخ على نحو غير متناسب.

وقال مارك بوث، نائب مدير معهد بحوث وولفسون للصحة والرفاه الاجتماعي، أن "هناك قدر كبير من عدم اليقين. فنحن لسنا متأكدين من مقدار تأثير تغير المناخ على معدلات انتقال الأمراض. ولسنا متأكدين أيضاً من تأثيره على البيئة أو كيفية تأقلم الناس والحكومات معه".

رأي منقسم

ويشعر العديد من الباحثين بالقلق من أن تؤدي التغييرات في أنماط سقوط الأمطار إلى فقدان "الاستقرار المستوطن" للأمراض المنقولة عن طريق البعوض والقراد والعوائل الأخرى، ومن أن تصبح الظروف البيئية مواتية لانتقال الأمراض.

وقد أُلقي اللوم بالفعل على ارتفاع متوسط درجات الحرارة السنوية الذي أدى إلى تزايد أعداد البعوض الناقل للملاريا في المناطق المرتفعة في تنزانيا وكينيا. كما تم الإبلاغ عن أعداد متزايدة من حالات الملاريا في مرتفعات مدغشقر ورواندا وإثيوبيا. وفي حين لا تعتبر الملاريا من أمراض المناطق المدارية المهملة، يُخشى من ظهور أنماط مماثلة من انتشار أمراض المناطق المدارية الأخرى التي يحملها البعوض والذباب. كما يمكن أن تؤثر درجات الحرارة المرتفعة وهطول الأمطار وجريان المياه على تزايد الأمراض الميكروبية وانتشارها.

ولكن العديد من الباحثين يعتقدون أن المعلومات المتوفرة لا تكفي لتبرير هذا الإنذار. وقد انقسم المتحدثون في مؤتمر الجمعية الدولية لأمراض المناطق المدارية المهملة الذي عقد في لندن في شهر أكتوبر الماضي، بشأن مدى التأثير الفعلي لتغير المناخ على جهود السيطرة على أمراض المناطق المدارية المهملة، وما إذا كان ينبغي اعطاؤه أولوية دون غيره من العوامل المحفزة للأمراض.

وقال كبير علماء منظمة الصحة العالمية دياميد كامبل لندرم: "للأسف، أعتقد أن المناقشة تحولت إلى جدل غير بناء ويتسم بالاستقطاب. فهناك مجموعة تلوم تغير المناخ على جميع التغيرات في أمراض المناطق المدارية المهملة - وهو سيناريو الكارثة - ومجموعة أخرى تعتقد أن تغير المناخ ليس له علاقة على الإطلاق بهذه التغيرات".

وتابع قائلاً: "أعتقد أن تغير المناخ يجب أن يضاف إلى مزيج من الأشياء التي نحتاج إلى أخذها بعين الاعتبار. لا يعارض أحد فكرة أن بعض الأمراض حساسة بشكل واضح تجاه المناخ، لذلك سيكون استبعاد تغير المناخ أمراً غير منطقي".

ضرورة إجراء بحوث

ويدعو بوث إلى إجراء المزيد من البحث في هذه القضية، قائلاً: "أشعر أن علاقة تغير المناخ بمكافحة أمراض المناطق المدارية المهملة لا تحظى بالاهتمام الكافي". كما يعتقد أن تغير المناخ "من التعقيد بمكان لا يمكن علماء من تخصص واحد - علماء الوبائيات أو علماء البيئة أو علماء المناخ - فهمه".

وأشار بوث إلى "ندرة" المعلومات، مؤكداً على ضرورة زيادة العمل الميداني لدراسة التغيرات البيئية، وإنشاء نظام أفضل لمراقبة أمراض المناطق المدارية المهملة.

وتوافقه الرأي كورتني موردوك، الباحثة في جامعة ولاية بنسلفانيا، قائلة: "إننا نفتقر إلى الفهم الكافي للبيئة الأساسية للبعوض وطفيلياته، فنحن ما زلنا لا نعرف الكثير عن كيفية تفاعلها مع البيئة وكيفية تأثير تغيرات المناخ المحلي على وظائف أعضائها، وتطور يرقاتها، ونطاق لدغها، وما إلى ذلك. وقد تم بالفعل إنجاز بعض هذه الأعمال في المختبرات، ولكننا بحاجة لتطبيقها بشكل ميداني".

عوامل بشرية أخرى

ومن المتوقع أن يكون لتغير المناخ، الناجم عن إطلاق غازات الاحتباس الحراري التي ينتجها الإنسان في الغلاف الجوي، آثار واسعة المدى في وقت قصير نسبياً، ولكن هناك عوامل بشرية أخرى من المؤكد أن يكون لها تأثير على انتشار أمراض المناطق المدارية المهملة أيضاً. فقد أفاد ألان فينويك، أستاذ علم طفيليات المناطق المدارية في كلية امبريال كوليدج في لندن، أن كل من يعمل في مجاله "على علم بتغير المناخ"، ولكن "في رأيي، معظم العوامل التي نراها الآن والتي تؤثر على هذه الأمراض هي من صنع الإنسان. لذا فإننا نتحدث عن التغيرات في توزيع المياه وشبكات الري، على سبيل المثال ... ونحن نرى أيضاً زيادة التحضر، مع انتقال عدد أكبر من الناس إلى المدن".

ويعتقد جوليان انتويسل، من شركة زينيكس المتخصصة في استشارات مكافحة الآفات، أن هناك أدلة تفند فكرة أن يؤدي تغير المناخ إلى الانتشار السريع لبعض الأمراض المدارية المهملة، مضيفاً أنه ينبغي اعتبار حركة البضائع من بين أهم أسباب انتشار الأمراض المنقولة بالنواقل.

وتسهل التجارة الدولية في إطارات السيارات، على سبيل المثال، انتشار البعوض الذي ينقل حمى الضنك، وهي من أمراض المناطق المدارية المهملة، وغيرها من الأمراض. كما أن المياه التي تتراكم في الإطارات تخلق أرضاً خصبة لتكاثر الحشرات. وأوضح انتويسل أنه يمكن الحد من انتشار هذه الأمراض من خلال تنظيم استيراد الاطارات والإبلاغ عن مواقع تخزين الإطارات وتفتيشها.

بالإضافة إلى ذلك، ترتبط العديد من أمراض المناطق المدارية المهملة بسوء الصرف الصحي، وهذا يعني أن تحسين مستويات المعيشة يمكن أن يحد من انتشارها. "نحن نعلم أن الانتقال إلى مناطق الثراء النسبي - التي تحتوي على خدمات المياه والصرف الصحي - يمكن أن يوقف انتشار أمراض المناطق المدارية المهملة، ولكن إذا انتقل [الناس] إلى أحياء فقيرة مكتظة، سيكون التأثير عكسياً،" كما أكد فينويك.

لكن في معظم الحالات، تكون العواقب المترتبة على النشاط البشري ببساطة غير معروفة. وهنا أيضاً يعتبر تحسين شبكات البحوث ومراقبة الأمراض أمراً أساسياً.

وأشار كامبل لندرم من منظمة الصحة العالمية إلى أنه "على الرغم من أن الجدل الدائر حول المحددات مثير للاهتمام من الناحية العلمية، إلا أن ما نحتاج إليه حقاً هو تمويل برنامج أكثر قوة لمكافحة الأمراض يكون بمثابة استجابة أكثر صلابة لزيادة المخاطر".

ah/rz-ais/dvh
"