اللاجئون من جمهورية أفريقيا الوسطى يغمرون الكاميرون

فر ما يقرب من 130,000 لاجئ من جمهورية أفريقيا الوسطى إلى الكاميرون، وأصيب الكثير منهم بجراح خلال الهجمات أو بالجفاف أو بصدمات نفسية، بحسب المسؤولين المحليين وعمال الإغاثة الذين يكافحون للتكيف مع سرعة التدفق.

وقد دخل أكثر من 20,000 لاجئ من جمهورية أفريقيا الوسطى إلى الكاميرون خلال أسبوعين فقط من شهر فبراير. وبصفة عامة، أصبح واحد من كل خمسة من سكان جمهورية أفريقيا الوسطى نازحاً، سواء داخلياً أو في البلدان المجاورة.

ولا يوجد سوى عدد قليل جداً من وكالات المعونة التي تستجيب لاحتياجات النازحين، ولم يتلق العديد من الوافدين أي لوازم للمأوى، أو مواد غير غذائية، أو طعام، أو غيرها من المساعدات.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال يان ليليفرييه، الممثل التشغيلي لغرب أفريقيا في منظمة أطباء بلا حدود (MSF)، أن المشكلة تكمن في عدم تأهب وكالات المعونة في الكاميرون، فضلاً عن تأخر وبطء الاستجابة على الأرض. وأضاف أن "مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي ينبغي أن تتولي المسؤولية، استغرقت وقتاً طويلاً لتعبئة مواردها وتنسيق الاستجابة. وعلى أية حال، هناك نقص في الشركاء المنفذين". ونتيجة لذلك اضطرت منظمة أطباء بلا حدود لتغطية أنشطة أكثر من المتوقع، وتلبية احتياجات النازحين جزئياً في معسكرين وبعض المستوطنات المحيطة بهما.

وتشير التقديرات إلى أن حوالي 30,000 لاجئ وعائد قد فروا إلى المنطقة الشرقية، حيث يقيمون في البلدات الحدودية التالية: غاروا-بولاي، وكينزو، ويوكادوما، ويعيشون في ظروف بائسة وينامون تحت الأشجار والشاحنات والخيام، التي قدمت بعضها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والبعض الآخر صنعه اللاجئون. وتتم استضافة الآخرين في منازل السكان المحليين، الذين يرتبط بعضهم بصلة قرابة باللاجئين، على عكس البعض الآخر.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت عمدة البلدة، استير يافو ندوي أن"غاروا-بولاي وقعت تحت ضغط شديد من قبل مجموعات مختلفة من اللاجئين، والوضع بدأ يخرج عن السيطرة. إن أعداد اللاجئين تفوق قدرة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والصليب الأحمر ومنظمة أطباء بلا حدود، والمستشفى الحكومي الوحيد يعج بالمرضى".

وتجدر الإشارة إلى أن جميع اللاجئين تقريباً - 90 بالمائة، وفقاً لتقديرات المفوضية - من المسلمين الفارين من الهجمات التي تشنها جماعات مكافحة البالاكا التي تواصل ترويع المجتمعات المسلمة في جمهورية أفريقيا الوسطى. ومكافحة بالاكا، التي يعني اسمها تقريباً "المضاد للمنجل"، هي ميليشيات تعارض مقاتلي السيليكا السابقين الذين يشكل المسلمون غالبيتهم، والذين كانوا ينتمون إلى تحالف سيليكا الذي استولى على السلطة في مارس 2013.

وتقوم المفوضية والصليب الأحمر الكاميروني بتسجيل اللاجئين تمهيداً لنقلهم إلى مخيم في مبورغوين، التي تبعد 50 كيلومتراً عن غاروا-بولاي، ولكن هذا الموقع يخلو تقريباً من الخدمات الأساسية. لا يوجد به سوى بئرين فقط ومدرسة واحدة، وهي لا تعمل. وتقع أقرب عيادة صحية على بعد 27 كيلومتراً من المخيم، وسوف يتطلب بدء تشغيلها الكثير من العمل.

من جانبه، بدأ برنامج الأغذية العالمي بتوفير الغذاء لـ27,000 لاجئ يعيشون في المخيمات التي أقيمت في مبورغوين ولولو. كما يدعم العيادات الصحية الحكومية لعلاج الأطفال المصابين بسوء التغذية. واعترف فابيان بومبي، المتحدث باسم برنامج الأغذية العالمي بالحاجة إلى المزيد من المساعدة، لاسيما بالنسبة لأولئك اللاجئين الذين لا يعيشون في مخيمات، وأكد أن برنامج الأغذية العالمي سيقوم بتوسيع نطاق استجابته لتوفير الغذاء لنحو 70,000 لاجئ خلال الفترة من يونيو إلى ديسمبر 2014.

من ناحية أخرى، يروي الرجال والنساء في غاروا-بولاي قصصاً متشابهة عن أفراد أسرهم الذين قُتلوا على أيدي ميليشيات مكافحة البالاكا. وقال جون ايروين، رئيس منظمة أطباء بلا حدود في الكاميرون: "لقد تغيرت حياتهم كلياً أو دُمرت من جراء ما يحدث في جمهورية أفريقيا الوسطى، وهم مصابون بصدمة نفسية".

وصل سالي أبو بكر، الذي يبلغ من العمر 35 عاماً، وهو مواطن من قرية يالوكا في جمهورية أفريقيا الوسطى، إلى غاروا-بولاي في 19 فبراير داخل شاحنة حاوية. وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قائلاً: "لقد قتلت ميليشيات مكافحة البالاكا ابني شادو وأخي في يالوكا. وهربت أنا مع زوجتيّ وأطفالي العشرة".

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال شايبو البالغ من العمر 35 عاماً، وهو أيضاً أب لعشرة أطفال: "لقد فقدت والدي وكل متعلقاتي ومتجري عندما جاءت ميليشيات مكافحة البالاكا وضربوا الناس ونهبوا جميع المنازل. وأثناء هروبنا على الطريق، أوقفنا المزيد من الرجال وأخذوا كل الأموال التي تبقت معنا".

وقالت فاديماتو، التي تبلغ من العمر 23 عاماً، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "توفي زوجي خلال مشاجرة عندما حاول منع ميليشيات مكافحة البالاكا من طردنا من المنزل. طعنه رجلان بالسكاكين في صدره، وهربت مع أطفالي".

وروت حواء، التي تبلغ من العمر 70 عاماً، أن حفيدتها تعرضت للاغتصاب من قبل رجلين في قرية بارو. ومنذ ذلك الحين، أصبحت فاترة الهمة. "وصلنا إلى هنا منذ أسبوع، ولكنها تنام كل يوم،" كما ذكرت حواء لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) وهي تبكي.

وقال مامادو ذو الـ13 ربيعاً لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "جئت إلى هنا مع أبي وأمي وأخواتي. ننام في خيمة بناها والدي". وأضاف أنه عندما يشعر بالجوع، يتسول الطعام في القرية ويجلب ما يستطيع جمعه لوالديه وشقيقاته.

كما أخبر اللاجئون شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والصليب الأحمر الكاميروني يقومان بتوزيع المواد الغذائية على الأسر، ولكن الكميات الموزعة لا تكفي الجميع.

"ليس لدينا ما يكفي من الطعام ولا نملك مالاً. أعطونا الخيام والحصير والمواد الغذائية، ولكنها لا تكفي الجميع،" كما أفاد شايبو خلال حواره مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

الاحتياجات الصحية


وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال محمد هاشم، مدير مستشفى منطقة غاروا-بولاي، الذي يستقبل أكثر من 150 لاجئاً يومياً منذ يناير الماضي، أن العديد منهم كانوا مصابين بجروح ناجمة عن الاشتباكات مع ميليشيات مكافحة البالاكا عندما وصلوا. ويشعر معظمهم بالإجهاد. وأضاف أن "كثيرين منهم لا يأكلون جيداً، ولا ينامون كثيراً، ولا يحصلون على قسط كاف من الراحة".

"إننا نعالج حالات سوء التغذية، وأمراض الجهاز التنفسي، والاسهال، ومشاكل الجهاز الهضمي، والتقيؤ والملاريا. ولقد أجريت عمليات جراحية لمرضى مصابين بجروح سببتها بنادق ومناجل، ونساء يعانين من مضاعفات الحمل،" كما أكد هاشم خلال حواره مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

من جانبه، أشار ديريجي تيريف من الهيئة الطبية الدولية إلى أن الكوليرا والتهاب السحايا من المخاطر التي ينبغي الاحتراس منها. "يعيش اللاجئون والسكان المحليون الآن في بيئة متربة وجافة، وذات كثافة سكانية عالية وظروف مناخية قاسية،" كما أوضح، مؤكداً أن كلاً من الكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى تقعان في حزام التهاب السحايا الأفريقي.

وفي السياق نفسه، تتولى منظمة أطباء بلا حدود مساعدة المنطقة الصحية المحلية عن طريق تشغيل العيادات المتنقلة التي تقدم المساعدة الطبية الطارئة في المدن والقرى على طول الحدود. وتعالج حوالي 70 شخصاً في اليوم الواحد.

ومن الجدير بالذكر أنه لا يوجد في مستشفى المقاطعة سوى سبع ممرضات، وهاشم هو الطبيب الوحيد.

وأكد هاشم قائلاً: "قدرتنا على التصدي للمشاكل الصحية المتزايدة في هذا المجتمع ضئيلة جداً... في شهر فبراير وحده، استقبلنا 3,600 مريض. إن وكالات الإغاثة تأتي، ولكنها لا تصل دائماً في الوقت المناسب، وهياكلها مؤقتة فقط".

الأمن

وتتمركز قوات من فرنسا وبعثة الدعم الدولية بقيادة أفريقية في جمهورية أفريقيا الوسطى (MISCA) على الحدود مع الكاميرون لمنع هجمات الميليشيات، بما في ذلك الهجوم على الجماعات التي تحاول الفرار.

كما أمنت الطريق من بانغي عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى إلى الكاميرون، ويقول البعض أن هذا سوف يشجع على المزيد من تحركات اللاجئين في الأسابيع المقبلة.

وقال ملازم في الجيش الفرنسي في جمهورية أفريقيا الوسطى أن "الأمن يتحسن، ولكن التنقل داخل البلاد لا يزال خطيراً".

واشتكت بعض مجموعات النازحين في الكاميرون من أن القوات لا تفعل ما يكفي لحمايتهم أو لتضييق الخناق على مكافحة البالاكا.

وأفاد أحد اللاجئين في غاروا-بولاي أن "قوات بعثة الدعم الدولية بقيادة أفريقية في جمهورية أفريقيا الوسطى ترى ميليشيات مكافحة البالاكا توقف السيارات وتعتدي على الناس، لكنها لا تفعل شيئاً. اصطحب قوات بعثة الدعم الدولية بقيادة أفريقية في جمهورية أفريقيا الوسطى والجيش الأبيض سيارتنا، ومع ذلك تم إيقافها وأخذ أموالنا منا".

وفي سياق متصل، يشعر المسؤولون الأمنيون في الكاميرون بالقلق إزاء التدفق غير المنضبط للاجئين من جمهورية أفريقيا الوسطى. وقال نغوتا كويكي قائد السرية 123 مشاة الكاميرونية في غاروا-بولاي أن تحديد وتسجيل اللاجئين قبل تسليمهم إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين "لا يزال يشكل تحدياً كبيراً للسلطات".

وأضاف في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نحن نفتش كل شاحنة وجميع الأشخاص الذين يعبرون الحدود لضمان عدم تهريب أسلحة نارية إلى الكاميرون، ولكن هذا ليس سهلاً بسبب عدم وجود خط حدود واضح بين الكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى".

والجدير بالذكر أن العديد من اللاجئين القادمين إلى الكاميرون ينتمون إلى أفراد عرقية مبورورو الأصليين من بلدات بوشامبيلي وبوار ويالوكا في غرب وشمال جمهورية أفريقيا الوسطى، والذين كانوا مستهدفين نظراً لامتلاكهم الثروات والماشية.

وقال شايبو، الذي ينتمي إلى مجتمع مبورورو، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إننا نشعر بقدر أكبر من الأمان في الكاميرون، على الرغم من أننا أتينا إلى هنا خاليي الوفاض".

mk/aj/rz-ais/dvh