النازحون في جنوب السودان يجدون ملاذاً على ضفاف النيل

وصل تشور البالغ من العمر 22 عاماً إلى مينكامن، البلدة الصغيرة التي تقع على ضفاف نهر النيل الأبيض في جنوب السودان، وهو يشعر بالجوع ويعاني من الجفاف بعد السفر على متن قارب لمدة ثماني ساعات، وقد زاد من عناء رحلته وجود رصاصة استقرت في أسفل ظهره.

ففي 31 ديسمبر، اجتاحت قوات المتمردين بلدته بور - التي تبعد حوالي 20 كيلومتراً إلى الشمال - وأطلقت النار بصورة عشوائية على المدنيين.

اختبأ تشور بجانب شقيقه الأكبر تحت سرير في منزل العائلة. وقد كانا هناك لأنهما عادا إلى لجمع بعض المتعلقات، بينما انتظر باقي أفراد الأسرة بجوار النهر خارج البلدة.

أصابت الرصاصات التي أطلقها الجنود المتمردون شقيقه في صدره وتشور في أسفل ظهره. توفي شقيقه، لكن تشور نجا وقطع الرحلة إلى مينكامن، حيث يسعى إلى الحصول على عناية طبية.

ومن الجدير بالذكر أن مدينة بور قد سقطت في أيدي المتمردين بعد أسبوعين من تحول الصراع على السلطة السياسية بين الرئيس سلفا كير ونائبه رياك مشار، الذي كان قد أقاله في يوليو 2013، إلى أعمال عنف في جوبا. وسرعان ما انتشرت الاضطرابات في أجزاء كثيرة من أحدث دولة في العالم.

وقد أدى النزاع إلى مقتل حوالي 10,000 شخص حتى الآن، وفقاً لمجموعة الأزمات الدولية. وكان من بين الضحايا العديد من المدنيين المستهدفين بناءً على انتماءاتهم العرقية (ينتمي كير إلى قبيلة الدينكا، بينما ينتمي مشار إلى قبيلة النوير).

وقد وفر ما يقرب من 400,000 شخص من ديارهم، وذهب 10 بالمائة منهم إلى البلدان المجاورة، مثل السودان وأوغندا وإثيوبيا وكينيا، حسبما ذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

وقد أدت أحداث العنف الأخيرة إلى تضاعف عدد سكان مينكامن ثماني مرات ليصل إلى حوالي 80,000 نسمة، بعد فرار أعداد كبيرة من الناس إلى هناك نظراً لتمتعها بالأمن النسبي والوجود المتزايد للوكالات الإنسانية هناك. ويفتقر العديد من الوافدين الجدد إلى المأوى الملائم أو مصادر منتظمة من المياه النظيفة والمواد الغذائية.

"معاناة إنسانية حادة"


ويوجد عدد قليل من الأشجار في المنطقة، التي تعتبر ذات قيمة كبيرة نظراً لاستظلال السكان بها من الحرارة الحارقة وإمكانية استخدام فروعها لتعليق الناموسيات.

يحتشد الناس تحت كل شجرة على مرمى البصر بينما يقول أعضاء المجتمع المضيف أنهم يقعون تحت ضغوط تفوق طاقتهم. وأصبحت معظم الهياكل الدائمة إما محاطة بالنازحين أو تمت مصادرتها لاستخدامها من قبل فرق الاستجابة للطوارئ المحلية. وحذرت منظمة بلان غير الحكومية من أن الوضع على وشك الوصول إلى "نقطة تحول جوهرية". كما تضاعف عدد سكان المقاطعة ثلاث مرات تقريباً، من 47,000 إلى أكثر من 130,000 نسمة، وفقاً للسلطات المحلية.

مع ذلك، لم يتوقف تدفق النازحين بعد. وبحلول 11 يناير، كان أكثر من ألف شخص ما زالوا يصلون كل يوم عن طريق القوارب من بور والمناطق التي تقع إلى الشمال منها، ويدفع الفرد الواحد منهم حوالي 150 جنيهاً جنوب سوداني (30 دولاراً) نظير قطع هذه الرحلة.

لقد قتلوا الكثير من الناس، وطردوا الناس من ديارهم، وأحرقوا منازلهم، وأخذوا الطعام وغيره من اللوازم


وتصل القوارب الخشبية الطويلة إلى الميناء الصغير كل صباح، حاملة على متنها عائلات منهكة وممتلكاتها. ولكن بعضهم لم يحضر شيئاً لأنهم فروا من العنف في عجلة من أمرهم، في حين يسير آخرون بصعوبة في مياه النيل حاملين الفرش وقماش الاستظلال فوق رؤوسهم. وينتظر سكان المخيم بفارغ الصبر على ضفة النهر محملقين في الحشود الوافدة بحثاً عن الأصدقاء والأقارب المفقودين.

ويقول عدد من أولئك الوافدين إلى مينكامن أنهم فروا مؤخراً من بارياك، وهي بلدة تقع جنوب بور، ويصفون في شهاداتهم أعمال النهب وإطلاق النار على يد رجال يرتدي معظمهم زياً عسكرياً.

وأفاد دانيال بايديت، الذي سافر لمدة يومين للوصول إلى هنا، أنهم "بدؤوا يوم الأحد [5 يناير] وقتلوا الكثير من الناس، وطردوا الناس من ديارهم، وأحرقوا منازلهم، وأخذوا الطعام وغيره من اللوازم".
 
من جانبها، أكدت هيزل نياثى، القائمة بأعمال المدير الإقليمي لمنظمة بلان، أن "هناك معاناة إنسانية حادة في البلاد، يتحمل فيها الأطفال والنساء العبء الأكبر الناجم عن القتال".

وفي مينكامن، يختلط رجال مسلحون يرتدون ملابس مدنية بالنازحين داخلياً. وقال أحدهم وهو يحمل بندقية من طراز AK47 إلى جانبه: "إنهم يقتلون النساء والأطفال، وأنا أحتاج إليها لحماية نفسي وعائلتي".

وتجدر الإشارة إلى أن معظم المسلحين هم جنود في الجيش الشعبي لتحرير السودان (SPLA) - الجيش الوطني الذي أصبح منقسماً الآن - ولا بد أن يعودوا للقتال من أجل تحرير بور. وتفيد تقارير غير مؤكدة بانتشار التجنيد القسري في المخيم، لكن المقاتلين الذين تحدثت إليهم شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قالوا أنهم اختاروا الانضمام إلى الجيش بمحض إرادتهم. ولم تبلغ الوكالات الإنسانية عن أي خروقات أمنية كبيرة، ويقول مصدر في الأمم المتحدة أن وجود الجيش الشعبي لتحرير السودان ليس مصدر قلق كبير حتى الآن.

وعلى الرغم من أن الشباب يعودون إلى منازلهم عبر النهر في ولاية جونقلي لرعاية ماشيتهم وحراسة منازلهم أو جلب ممتلكاتهم، يشعر معظم النازحين بأن هذه الرحلة محفوفة بالمخاطر، ويتذكر سكان مينكامن ضعفهم عندما يسمعون صوت الصواريخ والمحركات النفاثة في بور، حيث تستعد القوات الموالية للنظام لمحاولة استعادة السيطرة عليها.

"لقد بدأ القتال يستهدف أي شخص،" كما حذر أحد عمال الإغاثة الإنسانية في مينكامن.

الاستجابة الإنسانية

وقد عالج المسعفون نساء مسنات وأطفالاً لا تتجاوز أعمارهم أربع سنوات من إصابات بأعيرة نارية.

وعندما تدفق النازحون إلى مينكامن في نهاية ديسمبر، "ذهب 90 بالمائة منهم إلى النهر وشربوا من مياه النيل،" كما أفاد أحد العاملين في منظمة أطباء بلا حدود، مضيفاً أن "الغذاء لا يزال مصدر قلق كبير، والجو شديد البرودة أثناء الليل".

كما ازدادت المخاوف من تفشي وباء الكوليرا بسبب سوء حالة الصرف الصحي. ويجري الآن تطهير مياه النيل بالكلور، وهناك عيادات خارجية وداخلية تعالج المرضى. وقد أرسلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قافلة كبيرة من الشاحنات المحملة بإمدادات من جوبا، التي تبعد حوالي 140 كيلومتراً إلى الجنوب، رغم سوء حالة الطريق.

كما استأنفت الخدمات الجوية الإنسانية التابعة للأمم المتحدة رحلاتها بطائرات الهليكوبتر، وبدأت بعض المنظمات غير الحكومية التي كانت قد رحلت في العودة.

وقال أحد عمال الإغاثة أن "الموارد أصبحت شحيحة في مكان كان يعاني من نقص الموارد منذ البداية".

مخاوف على المدى الطويل


ويعتبر الوضع أفضل قليلاً في العاصمة جوبا، حيث يعيش 17,000 شخص داخل قاعدة عسكرية لقوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، على مساحة تكفي فقط لاستيعاب أقل من ربع هذا العدد.

من جهته، أوضح توبي لانزر منسق الشؤون الإنسانية في جنوب السودان: "عندما تكافح لمواجهة الحرارة والكميات غير الكافية من المياه والمراحيض، تصبح هذه وصفة لانتشار الأمراض والتوتر. إنهم ينامون متلاصقين كل ليلة".

وفي سياق متصل، تستعد الأمم المتحدة بالفعل لنقل هؤلاء الناس إلى مساحة أكثر ملاءمة، إذا استمر وجودهم هناك عندما يبدأ موسم الأمطار في شهر أبريل. وأضاف لانزر قائلاً: "إذا وصلنا إلى شهر أبريل، سيصبح الوضع خطيراً للغاية. سينتشر الماء والطين في كل مكان، وإذا كان لدينا عشرات الآلاف من الناس هناك في موسم الأمطار، فسيصبح الوضع غير مستدام".

كما شكل شهر من العنف تهديداً للأمن الغذائي في معظم أنحاء البلاد، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو).

وأفادت سو لوتز، ممثلة منظمة الأغذية والزراعة في جنوب السودان في بيان لها أنه "من الضروري أن يعود الأمن والاستقرار إلى جنوب السودان على الفور حتى يتمكن النازحون من العودة إلى منازلهم وحقولهم وقطعانهم ومناطق صيدهم. إن التوقيت هو كل شيء؛ هناك أسماك في الأنهار الآن، ويحاول الرعاة حماية قطعانهم، وموسم زراعة الذرة والفول السوداني والذرة الرفيعة يبدأ في مارس".

أما دومينيك برجون، مدير قسم الطوارئ وإعادة التأهيل في منظمة الفاو، فأوضح أنه "حتى قبل اندلاع القتال الأخير... كانت التقديرات تشير بالفعل إلى أن حوالي 4.4 مليون نسمة سيواجهون انعدام الأمن الغذائي في جنوب السودان في عام 2014، ومن بين هؤلاء، 830,000 يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد".

jh/am/rz-ais/dvh