الفطريات ...هل تحل محل التعديل الوراثي؟

في الوقت الذي ترتفع فيه درجات الحرارة ويزداد تواتر الجفاف، يعمل العلماء في جميع أنحاء العالم على التوصل إلى محاصيل غذائية تتحمل درجات الحرارة القصوى، وهي عملية مكلفة وشاقة في الكثير من الأحيان. لكن بحوث جديدة تشير إلى أن بديلاً أرخص وأسرع يلوح في الأفق.

فقد تمكّن الفطريات والميكروبات الأخرى محاصيل غذائية مثل القمح والذرة والأرز من النمو في درجات حرارة عالية وتربة مالحة، وتجعلها تقاوم ظروفاً قاسية كعدم انتظام هطول الأمطار، حسبما ذكر علماء الأحياء المجهرية، الذين بدأوا يدرسون العلاقة بين النباتات والكائنات الحية الدقيقة بحثاً عن أدلة على بقاء كل منها على قيد الحياة منذ آلاف السنين على الرغم من تغير المناخ.

نتيجة لذلك قد يصبح إنتاج محاصيل غذائية تتحمل ضغوطاً مناخية أمراً بسيطاً كوضع طبقة من الكائنات الحية الدقيقة على البذور كي تمنحها الصفات المرغوبة.

مسألة ملحة

وقال خبراء من 15 مركزاً بحثياً يعملون في برنامج البحوث المتعلقة بتغير المناخ والزراعة والأمن الغذائي التابع للمجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية (CGIAR) أن مساعدة المحاصيل الغذائية على تحمل تغير المناخ مسألة ملحة. وكانت الأمم المتحدة قد طلبت من البرنامج تلخيص آثار تغير المناخ على 22 من أهم المحاصيل الزراعية، من الحبوب الأساسية إلى البطاطس والعدس ومحاصيل الفاكهة التجارية مثل الموز.

ويعد الوقت عاملاً جوهرياً لأن الجفاف أصبح بالفعل أكثر تواتراً في الوقت الذي يتزايد فيه تذبذب سقوط الأمطار في أجزاء مختلفة من العالم. فبحلول عام 2050، قد يتسبب تغير المناخ في انخفاض محاصيل القمح المروية في البلدان النامية بنسبة 13 بالمائة، وفقاً للدراسة التي أجراها فيليب ثورنتون، كبير علماء المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية. كما يمكن أن ينخفض محصول الأرز المروي بنسبة تصل إلى 15 بالمائة، ويفقد العديد من مزارعي الذرة في أفريقيا 10 إلى 20 بالمائة من غلة محاصيلهم.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض المحاصيل الجديدة التي تتحمل درجات الحرارة العالية قد بدأت زراعتها بالفعل في قارة آسيا، وتم تطويرها عن طريق إخضاع الحبوب لضغوط مثل الجفاف ثم عزل جينات من النباتات التي تظل على قيد الحياة. ولكن هذا النوع من التربية التقليدية يعتبر عملية طويلة تستغرق غالباً ما بين 10 و15 سنة وذلك لتطوير محاصيل بديلة ناجحة. مع ذلك، تُستخدم هذه الطريقة على نطاق واسع لأن العديد من البلدان الآسيوية والأفريقية لا تقبل المنتجات المعدلة وراثياً. غير أن الكائنات الدقيقة يمكن أن توفر خياراً أسرع.

مجتمعات الميكروبات قد تكون الحل

وقال رستي رودريغيز، وهو عالم في مجال الأحياء الدقيقة في جامعة واشنطن أنشأ مؤخراً منظمة خاصة غير ربحية تسمى Symbiogenics لإجراء المزيد من البحوث عن تعايش النباتات والميكروبات: "كنا نظن دائماً أن النباتات قد تعلمت كيفية التكيف مع الضغوط المناخية مثل ارتفاع درجات الحرارة والجفاف، ولكننا الآن نجد أن مجتمعات الميكروبات أو الـ microbiomes المتواجدة في النباتات تمنحها سمات تجعلها قادرة على الصمود في وجه هذه الضغوط".

وتتشابك حياة الإنسان والنبات مع حياة الكائنات الدقيقة؛ فعدد البكتيريا في جسم الإنسان أكبر من عدد الخلايا البشرية، وفي العديد من الدراسات التي نشرت هذا العام، ذكر أعضاء مشروع المايكروبيوم البشري أن الميكروبات "تساهم بعدد أكبر من الجينات المسؤولة عن بقاء الإنسان" مما يساهم به البشر أنفسهم.

كما تبين الدراسات النباتية الجديدة أن مجتمعات الميكروبات لها نفس القدر من الأهمية في عالم النباتات.

وذكرت المجلة العلمية الأمريكية في عام 2010 أن ماري لوسيرو، عالمة الأحياء الجزيئية في وزارة الزراعة الأميركية، وجدت أن الفطريات يمكن أن تساعد النباتات على اقتناص المزيد من النيتروجين من الغلاف الجوي، مما يقلل من الحاجة إلى استخدام الأسمدة الكيماوية.

وفي الآونة الأخيرة، أظهر رودريغيز وفريقه كيف يمكن لفطر بعينه، عند إضافته إلى بذور الذرة والقمح والطماطم والبطيخ وغيرها من النباتات، أن يجعل تلك النباتات قادرة على تحمل درجات حرارة تزيد عن 50 درجة مئوية.

"النتائج في غضون عام واحد"

وأفاد رودريغيز أنه أخذ الفطريات من نباتات بالقرب من الينابيع الحارة في حديقة يلوستون الوطنية الأمريكية. ولا توجد صفات تحمّل الضغوط إلا في الميكروبات التي تعيش في تلك الظروف، أما الفطريات المعزولة من ظروف غير قاسية فلا تملك مثل هذه الصفات. كما قامت الفرق التابعة له ببعثات لجمع الفطريات من الظروف القاسية في القطب الجنوبي وجبل ايفرست في سلسلة جبال الهيمالايا وصحراء الحوض العظيم في الولايات المتحدة.

وأضاف رودريغيز أنه وفريقه قد يجدون ميكروبات مماثلة في أي جزء من العالم - كمنطقة الساحل على سبيل المثال - وإجراء تجارب داخل تلك المنطقة لعزل الميكروبات المفيدة، مشيراً إلى أنه "يمكن أن نحصل على نتائج في غضون عام واحد".

وقد أجرى رودريغيز بالفعل تجارب في الولايات المتحدة على الذرة والأرز، ووجد أن الغلة يمكن أن تزيد بنسبة تصل إلى 10 بالمائة في حالة الأرز في درجات الحرارة الباردة، وتصل إلى 80 بالمائة في حالة الذرة في درجات الحرارة العالية. وجدير بالذكر أن الفريق ينتظر الآن نتائج تجربة زراعة الذرة خلال أسوأ موجة جفاف تضرب الولايات المتحدة منذ عقود. كما قام الفريق أيضاً بعزل فيروس في الفطريات يجعل النباتات أكثر قدرة على تحمل الحرارة.

وتهدف الخطة إلى جعل تكاليف توفير هذه التكنولوجيا للمزارعين منخفضة جداً. وقال رودريغيز أن "الذرة تباع في الولايات المتحدة في أكياس زنة 42 رطلاً [حوالي 20 كيلوغراماً]، ونحن نريد أن نجعل تكلفة تغطية البذور بالميكروبات أقل من 20 دولاراً [للكيس الواحد]".

وقد أظهرت دراسة أخرى أن بعض الفطريات يمكنها أن تجعل نباتات الأرز أكثر تحملاً للجفاف والملح وحتى البرد، فضلاً عن الحد من استهلاك المياه بنسبة تتراوح بين 20 و30 بالمائة. ومن المعروف أن القدرة على تحمل الملح هي سمة تلقى رواجاً كبيراً في المناطق المتضررة من ارتفاع مستويات سطح البحر والعواصف التي تسبب تسرب المياه المالحة، مثل مناطق زراعة الأرز في بنجلاديش وفيتنام.

بحوث للعالم النامي

وأفاد رودريغيز أنه وغيره من العلماء يبحثون عن فرص وتمويل لإجراء تجارب في أفريقيا، حيث توجد حاجة ماسة إلى هذه التكنولوجيا.


اقرأ أيضاً

 تغير الآفات مع تغير المناخ

 الغذاء: الاستيلاء على الأراضي مرتبط بالمجاعة

 هدر المواد الغذائية في جنوب شرق آسيا

كما أثار ثورنتون من المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية هذه النقطة في ورقة بحثية أعدها بعنوان "إعادة ضبط إنتاج الغذاء في العالم النامي: الاحترار العالمي سيغير أكثر من مجرد المناخ". يستكشف هذا البحث تعقيدات تأثير تغير المناخ على المحاصيل. قد تكون بعض المحاصيل قادرة على تحمل درجات الحرارة العالية، ولكنها قد تتأثر بالتغيرات من حيث معدل هطول الأمطار أيضاً. "كما يمكن لمحاصيل أخرى أن تتحمل الفيضانات الموسمية ولكنها عرضة لمستويات جديدة أو زائدة من الآفات والأمراض الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة".

وقال ثورنتون في رسالة بالبريد الإلكتروني لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن مجموعة متنوعة من التغييرات يجب أن تتم، بما في ذلك تغييرات على مزيج من المحاصيل التي تجري زراعتها في الوقت الحالي. وأضاف أن البحوث يمكن أن تساعد من خلال "تعليم المزارعين ليس فقط كيفية زراعة محاصيل جديدة، ولكن كيفية الاستفادة منها بطرق مختلفة كذلك (كطرق مختلفة لإعداد وطهي الكسافا على سبيل المثال). وقد يصعب التعامل مع الجوانب الاجتماعية والثقافية، ولكن من خلال مزيج من قوى السوق (التغيرات في الأسعار النسبية للمواد الغذائية الأساسية) والوقت، قد يتغير النظام الغذائي ببطء".

التحايل على الجدل؟

في الوقت نفسه، يستكشف باحثون آخرون طرق استخدام التعديل الوراثي لزيادة قدرة المحاصيل على التحمل، ولكن سلامة المحاصيل المعدلة وراثياً لا تزال محل جدل محتدم في الوقت الذي يدعو فيه العديد من النشطاء والحكومات والهيئات التنظيمية إلى وضع ملصقات خاصة على المنتجات التي تحتوي على مكونات معدلة وراثياً.

وقد اعترضت الجمعية الأميركية لتقدم العلوم في الآونة الأخيرة على متطلبات وضع الملصقات قائلة أن "هذه الجهود ليست قائمة على أدلة تؤكد أن الأغذية المعدلة وراثياً تشكل خطراً فعلياً. واقع الأمر أن العلم واضح تماماً: فتحسين المحاصيل باستخدام التقنيات الجزيئية الحديثة للتكنولوجيا الحيوية آمن".

وقد توفر الدراسات عن مجتمع الميكروبات وسيلة للتحايل على هذا الجدل عن طريق تقديم حلول أسرع وأرخص دون وصمة "العلم المجنون" التي غالباً ما تنسب للمنتجات المعدلة وراثياً. وذكرت مجلة "نيو ساينتست" هذا العام أنه على عكس الهندسة الوراثية التي تأخذ سنوات لدفع النباتات إلى تبديل المسارات الأيضية المختلفة لكي تصبح أكثر تحملاً للجفاف، يمكن للفطريات أن تنشط "جميع تلك المسارات دفعة واحدة".

jk/rz-ais/dvh

"