ليبيا: ظروف قاسية تواجه المهاجرين المحتجزين

 يمضي سليمان منصور*، شاب صومالي من مقديشو، أيامه مسجوناً مع 15 مهاجراً آخرين في إحدى الغرف العديدة التي يُحتجز فيها المعتقلون في مركز اعتقال قنفودة ببنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية. تجدهم مستلقين على فرش تستند إلى جدران نُقشت عليها أسماء وشعارات، من بينها أحب الصومال". وفي لقاء مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال منصور: "أنا هنا منذ أربعة أشهر. غادرت مقديشو في أغسطس من العام الماضي وألقي القبض علي في الكفرة قبل أن يأتوا بي إلى هنا". والكفرة هي بلدة صحراوية تقع عند التقاء حدود مصر وتشاد والسودان. ويضيف: "بعضنا يملك وثائق، ولكنها ما زالت في الكفرة". وفي غرفة أخرى، هناك 36 رجلاً، معظمهم من المصريين، يعيشون في غرفة واحدة. فيقول أحدهم، كان يعمل طاهياً في بنغازي قبل اعتقاله: "كنا في ليبيا قبل الثورة، ولكن بعد ذلك، تم اعتقال الجميع، سواء كانت لديهم وثائق أم لا."

فقد كانت مدينة بنغازي معقلاً رئيسياً لقوى المعارضة التي أطاحت بنظام معمر القذافي في عام 2011. وخلال الانتفاضة الليبية اتُهم عدد من المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء بالعمل كمرتزقة لدى القذافي. لذا، وفي غياب أي نظام قضائي رسمي، وفي ظل سيطرة الميليشيات على مناطق واسعة من البلاد، وانتشار الشعور السائد بالعداء تجاه الأفارقة في ليبيا، تعرض العديد منهم للضرب والاعتقال. فتقول السلطات في قنفودة أن المهاجرين المحتجزين حالياً غير متهمين بأنهم مرتزقة، ولكن تم حبسهم لعدم وجود وثائق خاصة بهم، أو لأن أوراقهم منتهية الصلاحية وتأشيراتهم مزورة. هناك نحو 400 شخص في مركز الاعتقال، من بينهم 150 صومالياً، و 100 بنغالي وآخرين من السودان ومصر وسوريا ونيجيريا وغانا وإثيوبيا وإريتريا.

في الواقع، إن الظروف قاسية والقمامة منتشرة في أروقة أحد المباني، والمعتقلون يأكلون وينامون ويستخدمون المرحاض في الغرفة نفسها. أمّا طعامهم، الذي تقول السلطات أنها توفره ثلاث مرات في اليوم، فهو عبارة من صحن واحد كبير من السباغيتي تتقاسمه مجموعة من خمسة أشخاص. وذكرت يولاندا ديتويغ، رئيسة المكتب الفرعي للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مدينة بنغازي، "إن السياسة التي يتبعونها هي اعتقال الناس واحتجازهم، سواء هنا في بنغازي أو في الكفرة، فيصل أحياناً عدد المحتجزين إلى 1,800 شخص، علماً أن المركز لا يستطيع التعامل مع هذا العدد. عندما تحتجز الناس، فإنك تخلق أزمة إنسانية إذا كنت لا تملك الأموال اللازمة لرعايتهم. هناك دول عديدة تحتجز المهاجرين، ولكن هنا لا توجد مرافق لتوفير الغذاء والصرف الصحي وفقاً للمعايير المتعارف عليها". وفقاً لصموئيل تشونغ، مسؤول الحماية في المفوضية، كان عدد مراكز الاحتجاز يتراوح بين 18 و 24 قبل الانتفاضة، أما الأرقام الحالية فهي غير معروفة. وتشكو السلطات في قنفودة من أن الحكومة لا تقدم أي مساعدة. فيؤكد أحمد منصور شيكي، وهو حارس في المركز "لسنا نتلقى أي دعم، وقد أحضرت هذه الحواسيب من بيتي، ولم أحصل على راتب منذ شهر أكتوبر 2011، ولكنني أفعل ذلك كمتطوع لأنني أحب ليبيا".

من جهتها، تقول السلطات أنها تقدم الطعام للمعتقلين ثلاث مرات يومياً، ولكنه عبارة عن صحن واحد فقط من السباغيتي يتقاسمه خمسة أفراد. ويكمن جزء من المشكلة في أن وزارة الداخلية لا تستطيع السيطرة على هذه المراكز التي تديرها مجموعات من الأفراد الذين نجهل ولاءهم في كثير من الأحيان. ووفقاً للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، تغيرت إدارة قنفودة أربع مرات في الأشهر الستة الماضية، وهي لا تتبع أي وحدة حكومية معينة.

عدم وجود إطار قانوني

ويبدو أيضاً أن مركز الاحتجاز قد أصبح بمثابة مكتب عمل محلي، حيث يُسمح لبعض المهاجرين بالخروج للعمل، رغم أنه بموجب المادة 3 من القانون الليبي للهجرة غير الشرعية الذي صدر قبل الانتفاضة، يتم معاقبة أي شخص يستأجر مهاجراً غير قانوني بغرامة قدرها 1,000 دينار (800 دولار أمريكي). وأفاد حسن* وهو أحد المهاجرين المصريين في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية أن "بعض الناس يطلبون منا أحياناً العمل في مزارعهم، ونحن نفعل ذلك لبضعة أشهر، ولكن بعد ذلك يعيدوننا إلى مركز الاعتقال. لقد أُخذت للعمل كعامل زراعي مقابل حوالى 300 دينار شهرياً (240 دولاراً). فإن كنا نخرج للعمل، لماذا لا يتم الإفراج عنا إذاً؟ لماذا يتعين علينا العودة مرة أخرى إلى المركز؟ من جانبه، قال مهاجر صومالي يُدعى عبد المحمود* أيضاً أنه نُقل إلى العمل في موقع بناء، ثم أُعيد إلى المركز. وقال آخر أنه كان يعمل في مزرعة مقابل 200 دينار شهرياً (160 دولاراً).

وفي هذا الصدد، قال تشونغ: "نحن قلقون بالتأكيد بشأن استغلالهم في العمل وسوء معاملتهم. فهناك بعض التقارير غير المؤكدة عن أن المهاجرين لا يتلقون رواتبهم، أو أن أجورهم تستخدم لصيانة المركز. ولكن في بعض الأحيان، تفرج مراكز الاحتجاز عن المعتقلين بغرض العمل وتمنحهم الفرصة للإقامة بشكل نظامي". وكانت ليبيا في التسعينات قد شجعت الهجرة من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى لسد الحاجة إلى العمالة غير الماهرة في البلاد. ولكن السنوات اللاحقة شهدت زيادة في المشاعر المعادية للمهاجرين، ما أدى إلى هجمات واسعة النطاق على المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء والإعادة القسرية المتقطعة إلى بلدانهم الأصلية. كذلك ازداد التعاون مع الاتحاد الأوروبي في عهد القذافي لوقف الهجرة إلى أوروبا.

أما اليوم، فما من إطار قانوني للتمييز بين المهاجرين لأسباب اقتصادية وطالبي اللجوء، وحيث أن البلاد تكافح لتعزيز الهيكل الحكومة الرسمي، يبدو أنه ما من خطة واضحة للتعامل مع قضية المهاجرين. وأشارت ديتويغ إلى أنه "ليس هناك إطار للجوء، أو نظام قانوني للتعامل مع هذه المشكلة. إذا تم اعتقال شخص ما، تحتاج إلى تحديد ما إذا كان مهاجراً أو طالب لجوء. وإذا ثبت أنه لاجئ، فمن الأفضل منحه وثائق والإفراج عنه. وإذا لم يكن لاجئاً، عليك أن تقرر ما إذا كنت تريد منحه تصريح عمل أو ترحيله". هذا ويقول العاملون في مركز قنفودة أن الهدف الرئيسي من احتجاز المهاجرين هو منعهم من عبور البحر إلى أوروبا. ففي حين تُعتبر ليبيا طريقاً للعبور إلى أوروبا، لطالما كانت وجهة للمهاجرين لأسباب اقتصادية، بينما يؤكد كثيرون في قنفودة أنهم يريدون البقاء في ليبيا بغرض العمل. وقال فيفر أوكورو، أحد المحتجزين النيجيريين في لقاء مع شبكة الأنباء الإنسانية: "دفعت 300 دولار للسفر عبر صحراء النيجر، وتوفي كثيرون في الطريق من العطش. والآن أريد البقاء هنا وممارسة مهنتي كعامل لحام، فثمة فرص كثيرة للعمل هنا".


الصورة: زهرة مولو / إيرين
تقول السلطات أنها توفر الطعام ثلاث مرات يومياً للمعتقلين، ولكنه عبارة عن صحن واحد من السباغيتي يتقاسمه خمسة أفراد

ومع ذلك، لا يعتقد المسؤولون الحكوميون أن المهاجرين غير الشرعيين يأتون إلى ليبيا بغرض العمل. فيقول الجنرال عيسى حماد، رئيس قسم الأمن والهجرة في وزارة الداخلية، في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية: "نحن نريدهم أن يعملوا، ولكنهم لا يريدون ذلك. فهم لا يريدون سوى فرصة للوصول إلى أوروبا. حتى الغانيون والنيجيريون يبقون هنا في كثير من الأحيان لبعض الوقت، ولكنهم في نهاية المطاف يريدون الذهاب إلى أوروبا".
أما المهاجرون الذين يبحثون عن مأوى من الاضطرابات السياسية، فيعتقد حماد أنه يجب إيجاد الحلول في بلدانهم الأصلية. "بالنسبة لجنسيات مثل الصوماليين، لا بد من إيجاد حل حتى يتمكنوا من البقاء في بلدانهم، وإلا فإن الحل الأفضل هو احتجازهم في هذه المراكز. وإذا لم نفعل ذلك، فسيكون علينا أن نستمر في إنقاذهم من الغرق في البحر". بدا وكأنه يجهل أنه يتم تشغيل المهاجرين في قنفودة محلياً، وعلق على ذلك قائلاً: "هذا غير قانوني. فبموجب القوانين الليبية، لا تستطيع إبرام عقود مع من يتم اعتقالهم. لا بدّ أنهم يقبلون العمل بأجور متدنية فقط للخروج من المركز، ومن ثم الهرب".

في جميع مدن ليبيا الكبرى، يعمل المهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وبنجلاديش ومصر وبلدان أخرى كعمال نظافة، وفي مجالات البناء والزراعة والخدمات المنزلية، وهي مهن لا يرغب الليبيون بالقيام بها. وقد أجبرت أعمال العنف والاضطرابات الناجمة عن انتفاضة 2011 نحو 790,000 مهاجر على العودة إلى ديارهم، وهو ما وصفته المنظمة الدولية للهجرة بأنه "من أكبر أزمات الهجرة في التاريخ الحديث". وتجدر الإشارة إلى أن تقريراً صدر مؤخراً عن المنظمة الدولية للهجرة خلص إلى أن "ليبيا قد تواجه مشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة إذا لم تتمكن من جذب المهاجرين الذين يتمتعون بمهارات عالية أو محدودة على حد سواء للمساعدة في إعادة إعمار البلاد". وأكد تشونغ أن ليبيا تمر بمرحلة "إعادة تعريف نفسها، وما زالت الحكومة الجديدة تدرس قواعد سوق العمل الخاصة بها. وسيتم إدخال بعض التعديلات بالتأكيد على سياسة الهجرة".

* ليست أسماءهم الحقيقية

zm/eo/oa-ais/bb

"