البحر الأبيض المتوسط: جزء واحد فقط من رحلة الهجرة المحفوفة بالمخاطر

كريستي سيغفريد

محررة شؤون الهجرة

كلما انقلب قارب يحمل مهاجرين في طريقه إلى أوروبا، يتم تقدير عدد القتلى من قبل المنظمات الإنسانية وتتناقل هذا العدد وسائل الإعلام، ولكن ماذا عن هذا العدد الآخر؟ ماذا عن كل الذين يموتون قبل أن تطأ أقدامهم القارب؟ قد يكون هذا الرقم أعلى من الأول بكثير.

فقد لقي نحو 1,600 مهاجر حتفهم أو أصبحوا في عداد المفقودين بعد محاولتهم عبور البحر الأبيض المتوسط هذا العام، بما في ذلك ما يقرب من 800 لقوا حتفهم في مأساة عطلة نهاية الأسبوع الماضي قبالة سواحل ليبيا، وهي الأسوأ على الإطلاق.

والمخاطر التي تحملها هؤلاء المهاجرون عند الصعود على متن قوارب المهربين على أمل الوصول إلى أوروبا معروفة جيداً، ولكنها مرحلة واحدة فقط من العديد من المراحل المحفوفة بالمخاطر في رحلة ستنتهي قبل الوصول إلى شواطئ شمال أفريقيا بالنسبة للكثيرين منهم.

"إن عبور البحر هو مجرد الجزء الأخير الصغير،" كما أشارت ميرون اسطافانوس، وهي صحفية وناشطة حقوقية إريترية تستمع بانتظام لروايات مؤلمة من طالبي اللجوء الإريتريين في مراحل مختلفة من رحلاتهم الطويلة.

في عام 2014، أصبح الإريتريون الفارون من القمع والخدمة العسكرية غير المحددة المدة في بلادهم ثاني أكبر جنسية تصل إلى جنوب أوروبا بعد السوريين، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة. ولكن قبل الوصول إلى سواحل ليبيا، من حيث تغادر غالبية القوارب، يتعرض الكثيرون منهم للخطف والاحتجاز والاغتصاب والتعذيب أثناء الرحلة.

إنها رحلة محفوفة بالمخاطر منذ بدايتها.

وكما هو موثق في تقرير صدر في عام 2014 عن أمانة الهجرة المختلطة الإقليمية (RMMS) التي تتخذ من نيروبي مقراً لها، يغادر معظمهم إريتريا دون الحصول على التصريح المطلوب، والذي نادراً ما يُمنح للأشخاص دون سن الخمسين. وإذا أُلقي القبض عليهم، قد يواجهون عقوبة السجن لفترات طويلة، ولكن المعروف عن السلطات الإريترية أيضاً تطبيقها لسياسة إطلاق النار بغرض قتل الأشخاص الذين يتواجدون في مناطق حدودية معينة.

وبعد وصولهم إلى شرق السودان، يقوم بعضهم بتسجيل أسمائهم في مخيمات اللاجئين بالقرب من مدينة كسلا، في حين يتوجه الآخرون مباشرة إلى العاصمة الخرطوم، حيث ينضمون إلى مهاجرين آخرين، بما في ذلك الإثيوبيون والصوماليون، على أمل التواصل مع مهربين يستطيعون نقلهم عبر الصحراء الكبرى إلى ليبيا.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت اسطافانوس، التي تقدم برنامجاً إذاعياً في راديو إيرينا، الذي يُبث من السويد إلى إريتريا: "إن أسوأ جزء هو عبور الصحراء الكبرى. يموت الكثير من الناس من العطش، ويسقط بعضهم من السيارات [لكن المهربين] لا يتوقفون لمساعدتهم".

ولا أحد يعرف عدد المهاجرين الذين يلقون حتفهم في الصحراء. ونادراً ما يتم الإبلاغ عن وفاتهم أو انتشال جثثهم.

وبالإضافة إلى مخاطر عبور الصحراء، هناك خطر التعرض للخطف. ففي بعض الحالات، يختطف المتجرون بالبشر الإريتريين من كسلا وينقلونهم إلى معسكرات التعذيب حيث يجبرونهم على الاتصال بأقاربهم لمناشدتهم دفع فدية مالية. وحتى وقت قريب، كان الكثير من المهاجرين يُباعون لمصريين يتاجرون بالبشر في شبه جزيرة سيناء، حيث يعانون من المزيد من التعذيب حتى يتمكن أقاربهم من جمع المال لدفع فدية أكبر.

وبحسب تقديرات بعض الباحثين، وقع ما لا يقل عن 30,000 شخص ضحية للاتجار والتعذيب في شبه جزيرة سيناء بين عامي 2009 و2013، ولم ينج ما بين 5,000 و10,000 منهم من تلك المحنة.

وقد دمرت العمليات العسكرية المصرية في سيناء العديد من معسكرات التعذيب خلال العام الماضي، ولكن اسطافانوس تؤكد أن خطر التعرض للاختطاف في السودان لا يزال مرتفعاً. وقد يوقف المهربون الرحلة أيضاً خلال عبور الصحراء الكبرى لابتزاز المزيد من المال من المهاجرين أثناء احتجازهم.

وأضافت قائلة: "إنها حالة مماثلة لسيناء. يحرمونهم من الغذاء والماء ويغتصبون النساء. وقد ارتفعت قيمة الفدية من حوالي 3,000 دولار قبل عام إلى 10,000 دولار".

وبالإضافة إلى التهديد الحالي باحتجازهم رهائن من قبل المهربين، ظهر تهديد جديد باختطافهم من قبل مسلحي ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية. ويدعي مقطع فيديو حديث صادر عن تنظيم الدولة الإسلامية إظهار 30 رجلاً على الأقل، يُقال أنهم من المسيحيين الإثيوبيين، أثناء إعدامهم على شاطئ ليبي. 

وتجدر الإشارة إلى أن المهاجرين في ليبيا يضطرون إما للمخاطرة بالتعامل مع المهربين أو لاحتمال اعتقالهم واحتجازهم لعدة أشهر في مراكز اعتقال مكتظة، حيث أبلغت منظمة هيومن رايتس ووتش عن ظروف معيشية قاسية وانتهاكات من قبل الحراس.

ونظراً للصراع الدائر في البلاد، ينعم المهربون والمتجرون بالإفلات النسبي من العقاب، ويحتجزون المهاجرين في بيوت حتى يتيسر وضعهم على متن القوارب.

"لا يسمح لهم بالحديث. ويقرر [المهربون] مواعيد تناول الطعام والمغادرة حتى لو كان الطقس سيئاً،" كما أفادت اسطافانوس.

وفي الأسبوع الماضي، ذكرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن قارباً يحمل مهاجرين تم إنقاذه قبالة سواحل جزيرة لامبيدوسا جنوب إيطاليا وكان يضم عدداً من ضحايا الحروق. وبحسب روايات الناجين، انفجرت اسطوانة غاز في أحد منازل الانتظار، مما أسفر عن مقتل عدة أشخاص وإصابة آخرين بجروح. وبدلاً من توفير مساعدة طبية، قام المهربون بتحميل المصابين على زورق مطاطي.

وذكرت اسطافانوس أن زورقاً ثانياً يحمل ضحايا الحروق تم إيقافه من قبل الجنود قبل مغادرته، ويجري الآن احتجاز 87 مهاجراً في مكان مجهول على الساحل حتى يتمكنوا من دفع 600 دولار لتأمين الإفراج عنهم.

وأخبرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "هذه الحروق شديدة جداً ولم يتلقوا أي علاج. إنهم يهاتفونني ليلاً ولكن بطاريات هواتفهم توشك على النفاد، كما أن أسرهم يتصلون بي".

وتصر اسطافانوس على أن طالبي اللجوء الإريتريين يعرفون المخاطر عند اتخاذ قرار الشروع في رحلة إلى أوروبا، ولكنهم يعتبرون البديل - البقاء في إريتريا - أسوأ.

"في إريتريا أنت على قيد الحياة، لكنك مثل الميت. تقرر الحكومة مسار حياتك، وتظل جندياً في الجيش حتى تبلغ الخمسين من عمرك، وأي شيء تقوله يمكن أن يزج بك في السجن، وهناك الكثير من المخبرين. لا توجد حرية تنقل أو تعبير أو حرية دينية. لا يمكنك حتى أن تقرر ما تريد دراسته،" كما أوضحت.



ولا تزال جهود الباحثين لتعقب ومراقبة الطرق والمخاطر التي يتحملها المهاجرون من القرن الأفريقي إلى شواطئ ليبيا بشكل أفضل في مرحلة مبكرة.

وقد دشنت أمانة الهجرة المختلطة الإقليمية منذ حوالي 10 أشهر مشروعاً أطلقت عليه اسم Mi4، وهو يتولى تدرب المخبرين المحليين في النقاط الساخنة على طول طرق الهجرة لتوفير بيانات عن أنشطة التهريب والمخاطر التي يتحملها المهاجرون.

وفي هذا الصدد، قال كريستوفر هوروود، الذي يتولى تنسيق مشروع أمانة الهجرة المختلطة الإقليمية: "كان تجميع المخبرين بطيئاً ولم يخلُ من المتاعب. لدينا معلومات متفرقة من بعض الأماكن، ولكنها ليست تغطية متسقة للطرق من البداية الى النهاية".

وأشار أحد مخبري المشروع في مصر، وهو بلد عبور آخر يشهد إقبالاً كبيراً، إلى أن "المهاجرين يواجهون الكثير من المشاكل أثناء الرحلة. ومنذ أن يأتي بهم المهربون، يكون من الصعب جداً عليهم حتى التنفس كما يحلو لهم. ويطلب [المهربون] أموالاً إضافية بعد الوصول إلى الصحراء. وإذا لم يدفعوا، تحدث لهم أشياء كثيرة مثل الاغتصاب والتعذيب".

ks/ag-ais/dvh