لندن، 21 أكتوبر 2021
شارلوت بيلي

Freelance journalist based in Brussels writing on development, humanitarian aid, human rights and conflict.

ملاحظة من الكاتب

Image of a white flagBeyond the bang-bang: Reporting from the front lines of peace. This article is part of our peacebuilding coverage, reporting on how atrocities can be prevented, how societies can be made more resilient, and how peace can be sustainably built.

من المتوقّع أن يتلو قاضٍ ألمانيّ الحكم خلال الاسابيع المقبلة في محاكمة تاريخيّة هي الأولى الّتي تسعى لإدانة أعضاء من  حكومة الرّئيس السّوري بشّار الأسد بارتكاب جرائم حرب. لكن العديد من المراقبين لن يكتفوا بسماع كلمة "مذنب" أو "غير مذنب"، اذ هم يرغبون في معرفة ما إذا كانت الكلمات تُترجم إلى العربيّة لكي يتسنّى لملايين السّوريّين المتأثّرين بالنّزاع، أو حتى القلّة الموجود ة في قاعة المحكمة، ان يستوعبوا وقع تلك اللّحظة.

يسعى النّاشطون والمحامون والصّحفيّون ومُعِدّو البودكاست  الفرع 251، والذي ينشر اخباراً وتحليلات باللّغتين الإنجليزيّة والعربّية عن المحاكمة منذ انطلاقها في أبريل 2020، يسعون من خلال التركيز على مسألة اللّغة إلى تسليط الضّوء على  مشكلة لطالما رافقت المحاكمات حول العالم. فعندما تاخذ العدالة مجراها بعيداً عن مكان ارتكاب الجريمة أو بلغة غير اللّغة التي يتحدّث بها الضّحايا كما حصل في بعض محاكمات المحكمة الجنائيّة الدّوليّة (ICC) أو المحاكم المخصصة في أماكن مثل رواندا ويوغوسلافيا السابقة، غالباً ما تُخفق هذه العدالة في إشراك الأشخاص المفترض إنصافهم.

"الفجوة في التّواصل" هو المصطلح القانوني لهذه المشكلة وهو لا يقتصر على مفهوم مجرّد في قضايا مثل قضيّة أنور رسلان ضابط الأمن السّوري السّابق الّذي تجري محاكمته بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيّة في محكمة إقليميّة صغيرة في بلدة كوبلنز جنوب غرب ألمانيا. في الحقيقة، يقول الخبراء إنّ الفجوة الكبيرة جدّاً يمكن أن يكون لها عواقب خطيرة على أرض الواقع، حيث يمكن أن تمنع الشّهود الرّئيسيّين أو المدّعين من الإدلاء بأقوالهم، وبالتّالي قد يؤدّي نقص المعلومات إلى انتشار معلومات خاطئة أو حتى إلى تضليل متعمَّد، وهي سمة تلازم الحرب السّوريّة بصورة شبه دائمة.

ولهذا السّبب بدأت بعض المحاكم، بما في ذلك المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، بالعمل على تعزيز التّواصل في عمليّاتها، من خلال التّرجمة والبيانات الصّحفيّة والقصص المصوّرة والمسرح والعمل مع الصّحفيّين المحليّين. يقول مؤيّدو هذا النّهج بأنه عندما يتم اتّباعه بشكل جيّد، فهو يدمج ملاحظات المجتمع في عمل المحاكم، ويمنح شعوراً للمتضرّرين بأنّهم جزء من العمليّة.

ومع ذلك، غالباً ما تُترك مهمّة نقل المعلومات إلى الجماهير المتأثّرة بشكل مباشر بالمحاكمات لمجموعات المجتمع المدني. يشمل هذا في قضيّة كوبلنز مُعِدّي الفرع 251،  وهو البودكاست المسمّى على اسم مركز الاعتقال ذي السّمعة السّيّئة، والذي اتُّهم رسلان بإدارته خلال عامي 2011-2012.

يشير الاتّهام إلى تعرّض 4,000 شخص "للتّعذيب المنهجي والوحشي" في الفرع 251 قبل انضمام رسلان إلى المعارضة وهروبه لاحقاً إلى ألمانيا. وكان المتّهم الثّاني إياد الغريب قد أُدين بمساعدة رسلان، وتمّ الحكم عليه بالسّجن أربع سنوات ونصف.

لم يتسنّ إجراء المحاكمة غير المسبوقة إلّا في كوبلنز – وليس في المحكمة الجنائيّة الدّولية في لاهاي أو في محكمة إقليميّة في الشّرق الأوسط – وذلك لأنّ ألمانيا تتبع مبدأً قانونيّاً يُسمّى الولاية القضائيّة العالميّة. ينص هذا المبدأ على أنّ بعض الجرائم الجسيمة تبلغ بخطورتها مبلغ جرائم ضد الإنسانيّة، وبالتّالي يمكن من النّاحية النّظريّة أن تتم اجراءات المحاكمة الخاصّة بها في أي مكان. يتمثّل الاستخدام الأوّل (والأكثر شهرة حتّى الآن) للولاية القضائيّة العالميّة بحادثة إلقاء القبض على الدّيكتاتور التشيلي أوغستو بينوشيه عام 1998 في لندن، حيث اتّهمته محكمة إسبانيّة بارتكاب انتهاكات في بلده الأم.


+ ما هي الولاية القضائيّة العالميّة؟

باتت الولاية القضائيّة العالميّة السّلاح المفضّل الذي يدعم الجهود المبذولة لتحقيق العدالة في الجرائم المُرتكبة في سوريا، وذلك لأنّ إنشاء محكمة مخصّصة على غرار المحكمة الجنائيّة الدّوليّة لرواندا والمحكمة الجنائيّة الدّوليّة ليوغوسلافيا السّابقة يتطلب قراراً من مجلس الأمن الدّولي. وبما أنّ سوريا ليست من الدّول الأطراف في المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، فإنّ الإحالة إلى لاهاي يجب أن تكون عن طريق مجلس الأمن ايضاً. كلا المسارين غير مُجديان اذ انّ روسيا حليفة الأسد عضوٌ دائمٌ  في مجلس الأمن.

رغم أنّ بينوشيه لم يُحاكم أبداً، فقد مثّل اعتقاله الاستخدام الأشهر لهذا المبدأ. وفي الآونة الأخيرة، وتحديداً في يونيو من هذا العام، حكمت محكمة سويسريّة على قائد المتمرّدين اللّيبيري أليو كوسياه بالسّجن 20 عاماً بعد أن أدانته بارتكاب جرائم حرب خلال تسعينيّات القرن الماضي. وكان كوسياه قد فرّ إلى سويسرا قبل اعتقاله عام 2014. وفي العام 2011، سنّت البلاد قانوناً جديداً يتيح محاكمة المتورّطين في جرائم الحرب المرتكبة في أيّ مكان.

يقوم تعاونٌ الآن بين شبكة من النّاشطين السّوريّين وجماعات حقوقيّة دوليّة ومدّعين عامّين محليّين في جميع أنحاء أوروبّا، بما في ذلك فرنسا وألمانيا وهولّندا والنّرويج وإسبانيا وسويسرا، للاستفادة من الولاية القضائيّة العالميّة في محاكمة أخطر المجرمين في النّزاع السّوري.


توفّر الولاية القضائيّة العالميّة طريقةً للتّعامل مع الإفلات من العقاب في الجرائم الخطيرة في حال لم تقم المحاكم الأخرى بذلك أو عجزت عنه، وقد بدأ الضّغط من أجل استخدامها ضد الجرائم المرتكبة في سوريا يكتسب زخماً، ولا سيّما في المحاكم الأوروبيّة. ففي يوليو، اتهم مدّعيٌ عامٌّ فيدراليٌّ ألماني طبيباً عسكريّاً سوريّاً يعيش الآن في ألمانيا بتعذيب معارضي الأسد،

ممّا يؤكّد ضرورة بذل الجهود من أجل الوصول إلى السّوريّين وإشراكهم في تحقيق العدالة لبلادهم. يرى مُعِدّو بودكاست الفرع 251 بأنّهم لا ينشرون المعلومات فحسب، بل هم أيضاً يغيّرون تغييراً فعليّاً الإجابة على السّؤال الّذي يبرز باستمرار أثناء المناقشات حول إيصال المعلومات (أو عدمه) في المُحاكمات الدّولية، والّتي يكون لها ميزانيّات كبيرة أحياناً وتُذاع باللّغة الإنجليزيّة في الغالب، ألا وهو، لمن العدالة في الواقع؟

تأمل نور حمادة، وهي واحدة من منتجي بودكاست الفرع 251 وتعيش في الولايات المتّحدة ولديها عائلة في سوريا، بأن يعطي البودكاست السّوريّين بعض الشّعور بالمشاركة في محاكمة تخصّ بلادهم، حتّى وإن كانت تُقام في محكمة أوروبيّة صغيرة وبلغة أجنبيّة في الغالب.

وقالت لوكالة (ذا نيو هيومانيتاريان) (The New Humanitarian): "إنّ المحكمة نفسها ألمانيّة لأبعد الحدود. إذ لا تأخذ المحاكمة بعين الاعتبار أنّها جزء من السّياق الأكبر [للحرب السّورية]." لكنّها تابعت: "المحاكمة ضد المسؤولين السّوريّين، ولها تأثير أكبر بكثير خارج ألمانيا... ويبدو أنّ المحكمة لا تستوعب ذلك حقّاً. وكنتيجة لذلك، قد لا يشعر الكثير من السّوريين بأنّ المحاكمة تخصّهم."

أهميّة التّرجمة

مع أنّ النّاشطين أشادوا منذ فترة طويلة بمحاكمة كوبلنز باعتبارها علامة فارقة في تاريخ النّضال من أجل السّوريّين المُتضرّرين من الحرب، لكنّها لم تكن بالضّرورة ذات تأثير قوي في سوريا أو بين 6.6 مليون سوري من اللّاجئين أو طالبي اللّجوء.

وهي المشكلة الّتي أشار إليها منذ البداية آسر خطّاب، وهو صحفي سوري مقيم في باريس حيث فرّ من بلاده في السّنوات الأولى من الحرب واستضاف النّسخة العربيّة من الفرع 251 بموسمه الثّاني.

فقد قال لوكالة (ذا نيو هيومانيتاريان): "ما أدهشني هو أنّه كلّما تحدّثت إلى أحد داخل البلاد، وغالباً إلى سوريّين خارج البلاد، لم يكن أيّ منهم تقريباً على دراية بمحاكمة تجري في كوبلنز."

وهذه الفجوة بالتّحديد هي الّتي حثّته على أن يشارك في البودكاست. عندما سمع عن البودكاست، قال في نفسه: "عظيم! إنّه مجّاني، ومن السّهل الوصول إليه، كما أنّه باللّغة العربيّة."

ليس سوريّاً  مَن أسّس بودكاست الفرع 251 ، بل من قام بذلك هو فريتز ستريف، وهو محامٍ متخصّص بحقوق الإنسان مقيم في باريس ومولعٌ بالبودكاست، وقد أدرك أهميّة المحاكمة منذ البداية وشعر أنّه من المهم أن يعرف مزيد من النّاس عنها.

كان الموسم الأوّل باللّغة الإنجليزيّة فقط، محدود الموارد، ومموّلاً من متبرّعين من القطاع الخاص. بحلول الموسم الثّاني، حصل البودكاست على تمويل من وزارة الخارجيّة الألمانيّة، الّتي منحت المال الكافي لتوظيف أشخاص مثل حمادة وخطّاب ولإنشاء نسخة منفصلة باللّغة العربيّة. أمّا الموسم الثّالث، فقد بدأ في أواخر أغسطس.

لكنّ البودكاست، والّذي شهد ما يقارب 70,000 عمليّة تنزيل من بينها ما يكاد يصل إلى 200 من داخل سوريا على حد علم المنتجين، لا يمكنه القيام بأكثر من ذلك، في حين تعرّضت محكمة كوبلنز لانتقادات بسبب عدم إيصال معلوماتها إلى المجتمعات السّوريّة، وإخفاقها في تقديم ترجمة عربيّة منتظمة على وجه الخصوص. قال المؤسّس ستريف: "ظننّا أنّنا سنكون جزءاً من عمليّة إيصال المعلومات، وليس عمليّة إيصال المعلومات بأكملها بمفردنا."

عندما بدأت المحاكمة باللّغة الألمانيّة، كانت التّرجمات الفوريّة إلى اللّغة العربيّة متاحة عبر سمّاعات للمتّهَمين والمدّعين فقط، وكانوا جميعهم سوريّين. لكن بعد مطالبات من مجموعات مختلفة، تسمح المحكمة الآن لبعض الصّحفيّين المعتمدين مسبقاً بتلقّي ترجمات فوريّة، لكن عمليّة الاعتماد كانت قد أُغلقت قبل بدء المحاكمة، لذلك لم يقم بالانضمام إلّا عدد قليل من الصّحفيّين النّاطقين باللّغة العربيّة.

من النّاحية النّظريّة، يجب أن يكون الزّائرون النّاطقون باللّغة العربيّة والمتواجدون في الرّواق العام قادرين على الأقل على فهم الشّهادات باللّغة العربيّة. لكنّهم يشتكون من صعوبة السّماع دون الوصول إلى نظام التّرجمة الفوريّة، خاصّةً عندما يتحدّث الشّهود بصوت منخفض أو غير واضح.

عندما تكون الشّهادات باللّغة العربيّة، تتم ترجمتها بشكل تعاقبي إلى اللّغة الألمانيّة عبر مكبّرات الصّوت لكل من هم في قاعة المحكمة.

البيانات الصّحفيّة الرّسميّة الصّادرة عن المحكمة هي باللّغة الألمانيّة أيضاً، وفي حين أنّ منظّمتين غير حكوميّتين على الأقل (المركز السّوري للعدالة والمساءلة "SJAC" والمركز الأوروبّي للحقوق الدّستورية وحقوق الإنسان "ECCHR") تقدّمان تقارير متعدّدة اللّغات لرصد الأحداث الجارية في المحاكمة، لكنّ هذا لا يعني بالضّرورة أنّهما سعيدتان بتحمّل عبء إيصال المعلومات الأساسيّة حول المحاكمة إلى المتحدّثين باللّغة العربيّة.

قال باتريك كروكر محامي حقوق الإنسان في المركز الأوروبّي للحقوق الدّستوريّة وحقوق الإنسان: "يسعدنا أن نؤدّي دورنا، لكن توفير المعلومات في المحكمة هو واجب عامّ." نشرت مجموعة ثالثة، متمثّلة بالمركز السّوري للإعلام وحريّة التّعبير، ملخّصات باللّغة العربيّة للسّنة الأولى تقريباً من المحاكمة، لكنّها توقّفت بعد ذلك. قالت بلقيس جرّاح المديرة المساعدة لبرنامج العدالة الدّوليّة في هيومن رايتس ووتش: "لقد قام المجتمع المدني بالكثير. وعلى السّلطات الآن أن تتّخذ خطوة إلى الأمام."

وكما يبدو للمحامي "كروكر"، وهو أحد المحامين الّذين يمثّلون الضّحايا في المحاكمة، فإنّ روح العالميّة الّتي أُشيد بها على نطاق واسع في ألمانيا فيما يتعلّق بمقاضاة جرائم الحرب السّوريّة لم تُترجم (غالباً بالمعنى الحرفي) إلى العمليّات اليوميّة في كوبلنز. وقال: "المشكلة هنا هي أنّ لدينا محاكمة تستند إلى مبدأ الولاية القضائيّة العالميّة، والّتي تقوم على فكرة أنّ بعض الجرائم هي جرائم ضد الإنسانيّة بأكملها، لكن يتم التّعاطي معها مثل أي محاكمة جنائيّة أخرى في ألمانيا."

وقد تجلّى ذلك بوضوح خلال الحكم على الغريب، وهو المتّهَم الشّريك لرسلان، في فبراير 2021. عند النّطق بالحكم، أومأ القاضي لبثّ ترجمة عربيّة عبر مكبّر الصّوت.

كانت النّاشطة والكاتبة السّورية أمينة صوّان في المحكمة ذلك اليوم، إذ أنّها وصلت إلى ألمانيا عام 2015 بعد فرارها من الحرب وكانت تحضر جلسات الاستماع منذ البداية وتتابع بعض حلقات الفرع 251. شعرت بالدّهشة والسّعادة حين سمعت لغتها في لحظة هامّة كهذه أثناء المحاكمة، كما أحسّت للمرّة الأولى بإشراكها في العمليّة.

وقالت لوكالة (ذا نيو هيومانيتاريان): "إنّ ذلك يعني الكثير. لقد أحدث فرقاً كبيراً. لم يكن ليتملّكني الشّعور ذاته لو كنت هناك أستمع إلى شخص يقرأ الحكم لمدّة ثلاث ساعات باللّغة الألمانيّة. في الحقيقة، لقد دوّنتُ ملاحظاتي الخاصّة. كتبتُ 16 صفحة باللّغة العربيّة حول ما كان يقال. لقد كنت فخورة جدّاً بأنّ لدي ملاحظاتي الخاصّة حول هذه الجلسة المميّزة للغاية فيما يخص هذا الحكم."

لكن بعد صدور الحكم، تمّت متابعة الإجراءات باللّغة الألمانيّة.

سجل سابق ضعيف

إدراكاً لحقيقة أنّ سجل العدالة الدّوليّة السّابق كان ضعيفاً من حيث تمكّنه من جعل النّاس يشعرون بأنّهم معنيّون بالمحاكمات التي تخصّ مجتمعاتهم، كان ينبغي أن يبدو الوضع في كوبلنز أقل إثارة للدّهشة.

في عام 1993، حين تأسّست المحكمة الجنائيّة الدّوليّة ليوغوسلافيا السّابقة (ICTY) للتّعامل مع الجرائم المرتكبة في البلقان حديثاً، كانت تلك أوّل محكمة جرائم حرب أنشأتها الأمم المتّحدة، وكان التّركيز فقط على تدبير الأمور والإدارة.

لكنّ المحكمة لم تؤسّس برنامج إيصال المعلومات إلى أن حلّ عام 1999، من أجل شرح كيفيّة عمل المحكمة للنّاس المتضرّرين في يوغوسلافيا السّابقة والرّد على ملاحظاتهم.

ولكن بحلول ذلك الوقت، ربّما كان الأوان قد فات لتجنّب انتشار ما اسماه نائب المدّعي العام للمحكمة الجنائيّة الدّولية ليوغوسلافيا السّابقة ديفيد تولبرت "التّحريف الجسيم والمعلومات المضلّلة" حول المحكمة في المنطقة، حيث كان السّياسيّون يستخدمون عملها كـ "كرة قدم سياسيّة".

قاعة المحكمة في كوبلنز، المانيا، حيث يُحاكم مسؤولَين في الأجهزة الأمنيّة التّابعة للرّئيس السّوري بشّار الأسد في تُهمة ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة.
Thomas Lohnes/Pool via Reuters
قاعة المحكمة في كوبلنز، المانيا، حيث يُحاكم مسؤولَين في الأجهزة الأمنيّة التّابعة للرّئيس السّوري بشّار الأسد في تُهمة ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة.

قالت أليسون سميث المستشارة القانونيّة ومديرة برنامج العدالة الجنائيّة الدوليّة في منظمة لا سلام بلا عدالة، وهي منظّمة غير ربحيّة مقرّها في إيطاليا، إنّه بحلول الوقت الّذي بدأت فيه المحكمة بعمل شيء حيال إيصال المعلومات، "فإنّها كانت تواجه مهمّةً شاقّةً حقّاً، لأنّ ذلك لم يُؤخذ بعين الاعتبار منذ البداية".

ولفترة من الوقت، كان يبدو أنّ هذه الدّروس قد تمّت الاستفادة منها. لقد عادت تجربة المحكمة الجنائيّة الدّوليّة ليوغوسلافيا السّابقة بالفائدة المباشرة على عمل المحكمة الخاصّة لسيراليون. فعندما افتُتحت عام 2002، تمّ بناء جسور إيصال المعلومات منذ البداية، حيث كانت جلسات الاستماع تُبث في جميع أنحاء البلاد، وكانت الكتيّبات والأفلام والبرامج الإذاعيّة المتعلّقة بعمل المحكمة تُنشر على نطاق واسع، من أجل شرح ما كان يحدث بعبارات بسيطة.

كما أنّ مراجعةً لمحكمة سيراليون، والّتي جاءت بتكليف من الأمم المتّحدة، وصفت هذا البرنامج بأنه "فعّال للغاية" و"جوهرة التّاج" للمحكمة، وأوصت بأن يتم اتّخاذه كنموذج تحتذيه المحاكم الدّوليّة المستقبليّة.

قال سميث: "أود أن أقول إنّ [سيراليون] قد أنبأت بكل ما حدث بعد ذلك فيما يتعلّق بإيصال المعلومات." لكنّها لم تكن نقطة التّحوّل الّتي علّق عليها الكثيرون آمالهم.

على سبيل المثال، كانت المحكمة الجنائيّة الدّوليّة الّتي تتّخذ من لاهاي مقرّاً لها قد بدأت العمل عام 2002، لكنّها لم تشكّل وحدة إيصال معلومات مخصّصة ذات ميزانيّة منفصلة حتى عام 2007، وذلك إثر ضغوط من منظمات غير حكوميّة، وما زال كثير من النّاس يقولون إنّ التّمويل غير كاف بعد، الأمر الذي يحدّ من عملها.


+ لماذا يعدّ الوصول ذو التّوقيت المناسب أمراً هامّاً: قضيّة جورجيا

في بداية عمل المحكمة الجنائيّة الدّولية، كانت إحدى الحجج الرّئيسيّة المناهِضة لإيصال المعلومات هي أنّها ستتعارض مع نهج عدم الظّهور الّذي يفضّله مكتب المدّعي العام. كان على المحكمة أن تعتمد على الشّرطة الوطنيّة وقوّات الأمن للحصول على المساعدة في الماضي، ولم تكن تريد القيام بكل ما يزيد من حدّة الشّعور بالتحيّز.

لكن سميث قال إنّ سبباً آخر لمحدوديّة إيصال المعلومات من جانب المحكمة الجنائيّة الدّوليّة هو أنّه ما زال لا يُعتبر "أمراً بالغ الأهميّة" في بعض الأوساط. "فهو يُعدّ نوعاً من التّرف، ليس من منظور الجميع، ولكن من منظور بعض الأشخاص في المحكمة."

وأضاف سميث أنّ الاعتراض على إيصال المعلومات من جانب المحكمة الجنائيّة الدّوليّة يأتي بشكل رئيسي من المُدّعين العامّين ذوي الخبرة في أنظمة المحاكم الوطنيّة، والّذين يعتقدون أنّ العمل على تحقيق العدالة يتحدث عن نفسه.

تأتي الموارد المحدودة كسبب آخر لسياسة المحكمة الجنائيّة الدّوليّة بتجنّب الوصول إلى المُجتمعات إلّا عند بدء ما تسمّيه "مرحلة التّحقيق"، وحينها يكون مسؤولو المحكمة قد أقاموا في بلد ما، وبدأوا بالنّظر فيما إذا كانت هناك قضيّة يتعيّن رفعها حول جرائم خطيرة.

حتّى عندما يتم فتح تحقيق في النّهاية، غالباً ما يكون هناك تأخير في بدء إيصال المعلومات.

يحذّر المحلّلون من هذا التّاخير المتمادي ، إذ يجب أن تباشر المحاكم في ايصال المعلومات على الفور كي لا تؤدّي ندرة المعلومات إلى انتشار الدّعايات.

على سبيل المثال، قال نيكا جيراناشفيلي، وهو ناشط في حقوق الانسان من جورجيا ومدير في منظّمة العدل الدّولية في لاهاي، إنّه كان يكافح بمفرده لشرح ما تفعله المحكمة الجنائيّة الدّوليّة للأشخاص المتضرّرين من نزاع أوسيتيا الجنوبيّة في أغسطس 2008. كما اشتكى من  عدم تلقّيه "أي دعم على الإطلاق" منذ أن فتحت المحكمة تحقيقاً في الجرائم الّتي ارتُكبت هناك قبل خمس سنوات.

خلال الانتخابات الرّئاسيّة في جورجيا عام 2018، اتّهم السّياسيّون المحكمة الجنائيّة الدّوليّة بالمحابّاة والانحياز في الانتخابات. قال جيراناشفيلي لوكالة (ذا نيو هيومانيتاريان): "بدأت طبقات النّخبة من جورجيا باستغلال الجهل المنتشر حول إجراءات المحكمة الجنائيّة الدّوليّة وباستخدامه لصالحها السّياسي." لم تكن المحكمة الجنائيّة الدّوليّة معرّضة لخطر نزع الشّرعيّة فحسب، بل تمّ استخدامها أيضاً لتهديد استقرار البلد ككل. وقال: "كان الوضع متوتّراً لدرجة لا تُصدّق."

قال جيراناشفيلي، الّذي عمل ليلاً ونهاراً لمحاولة شرح عمل المحكمة الجنائيّة الدوليّة لوسائل الإعلام والمجتمع المدني، أنّ الأمر يتجاوز نطاق ما يمكن أن يفعله بمفرده: "كنّا ننتظر أن تأتي المحكمة وتقدّم بعض المعلومات المحايدة والحديثة حول عملها؛ لكنّها لم تأتِ قط."


وردّاً على الانتقادات الموّجهة لبرامج إيصال المعلومات الخاصّة بالمحكمة الجنائيّة الدّوليّة، فإن متحدّثاً باسمها أخبر وكالة (ذا نيو هيومانيتاريان) عبر البريد الإلكتروني: "لطالما أعطت المحكمة الجنائيّة الدّوليّة أولويّة إيصال المعلومات إلى حالات القضايا النّشطة وركّزت على المجتمعات الأكثر تضرّراً."

أزمة كوبلنز

على الرّغم من كل الانتقادات الموجّهة لعمل المحكمة الجنائيّة الدّولية، فإنّها تقر الآن بأنّ إيصال المعلومات جزء هام من مهمّتها. لكنّ هذا الأمر لا ينطبق على محكمة كوبلنز، الّتي تحاجج بأنّ طريقة إدارتها يجب أن تكون مثل أي محاكمة جنائيّة خطيرة أخرى في ألمانيا.

كما أنّ متحدّثاً باسم المحكمة أخبر وكالة (ذا نيو هيومانيتاريان) عبر البريد الإلكتروني: "ينص قانون الإجراءات الألماني على أنّ المفاوضات في التّقاضي، بما في ذلك الإجراءات الجنائيّة، يجب أن تتم باللّغة الألمانيّة،" شارحا سبب اقتصار التّرجمة إلى اللّغة العربيّة على الحد الأدنى.

لكنّ هذا ليس كافياً بالنّسبة للبعض. وقال ستريف، مؤسّس الفرع 251، إنّ المحكمة تقوم "بتفسير القانون المعمول به بطريقة حَرفيّة للغاية كي تتّخذ من عمليّات التّحقّق القانونيّة وسيلةً للدّفاع عن استخدامها للّغة الألمانيّة حصراً."

ما يثير قلق ستريف وآخرين هو أنّ المحاكمات غير المسبوقة، كتلك المقامة في كوبلنز، تجري في الوقت الّذي يعيش فيه العديد من ضحايا الجرائم وعائلاتهم بعيداً، ودون فهمٍ كافٍ لما يحدث.

يتعاطف البعض مع الموقف الّذي وُضعت فيه محكمة كوبلنز.

قال فرانك بيتي، وهو محرّر في موقع (JusticeInfo.net) والرّئيس السّابق لبرنامج إيصال المعلومات في الغرف الأفريقيّة الاستثنائيّة في السّنغال الّذي يعتبره الكثيرون طريقةً نموذجيّةً لإيصال المعلومات، بأنّ الأمر كان سيبدو غريباً لو قامت محكمة صغيرة في ألمانيا لها نفس التّمويل المخصّص لأي محاكمة جنائيّة أخرى بالاتّصال بأشخاص في سوريا بنفس الطّريقة المتوقّعة من المحكمة الجنائيّة الدّوليّة.

وقال بيتي لوكالة (ذا نيو هيومانيتاريان): "حتّى في المحاكم الدّوليّة، [إيصال المعلومات] هو آخر ما يفكّرون به. لكنّهم يُقرّون أنّ عليهم تحقيقه. ما يمكننا قوله هو أنّهم دائماً ما يفكّرون بالأمر، على عكس المحاكم الوطنيّة."

قال بيتي إنّ الاهتمام بغير المواطنين وباللّاجئين أكثر من المواطنين الألمان يمكن أن يخلق توتّراً، لذا فإنّ العمل في محاكمة كتلك الّتي جرت في كوبلنز سيُترك في معظمه للأفراد ووسائل الإعلام المحلّيّة والمنظّمات غير الحكوميّة لا محالة.

أين يمكن أن تكون المشكلة

تتطرّق حلقة مبكرة من الفرع 251 إلى الطّريقة الّتي ينظر فيها السّوريّون في كل من أوروبا وسوريا إلى المحاكمة. إنّها مجموعة متنوّعة، حيث يأمل البعض في إمكانيّة مساءلة مزيد من الأشخاص يوماً ما عن الفظائع، ويعتقد آخرون أنّها قضيّة خاسرة.

تعتقد صوّان، وهي ناشطة وكاتبة سوريّة تتابع المحاكمة عن كثب، أنّ معظم السّوريّين غير منتبهين، لكن هذا لا يعني أنّهم غير مهتمّين. تتحدّث صوّان الألمانيّة بطلاقة إلى حد ما، ولكن قد يكون من الصّعب عليها فهم لغة قانونيّة معقّدة.

تمّ احتجاز شقيق صوّان وعمّها في مراكز الاحتجاز في سوريا. ومع أنّهم لم يكونوا محتجَزين في الفرع 251 نفسه، فإنّ مجرّد إجراء محاكمة لنظام الاعتقال والتّعذيب في سوريا يعني الكثير بالنّسبة لها.

لقد قالت لوكالة (ذا نيو هيومانيتاريان): "يتم إخبار السّوريّين أنّ هذه محاكمة مهمّة، لكنّهم لا يفهمون السّبب. فكل ما يرونه هو خضوع شخصين ذو

رتبة متدنيّة نسبيّاً للمحاكمة، واستمرار الفظائع في سوريا. ولا يعرفون حتّى معنى الولاية القضائيّة العالميّة."

ما يثير القلق هو الخطر المتمثّل في أنّ أصحاب الشّأن، أي السّوريّين مثل صوّان وعائلتها، سيتمّ إهمالهم أو سيشعرون بأنّهم مستبعدون من العمليّة. لكن هناك قلقاً أكبر، فمع تزايد اصدار القرارات الاتّهاميّة المتعلّقة بسوريا في جميع أنحاء أوروبا دون إيصال معلومات استباقي من المحاكم، يشعر البعض بالقلق من أنّ المحاكمات ستخضع لحملات تضليل نشطة.

وأشار ستيف كوستاس، وهو محامِ كبير لدى مبادرة عدالة المجتمع المفتوح الّتي ساعدت في رفع قضيّة ضد المتّهمين في كوبلنز، إلى أنّه تمّ تداول معلومات كاذبة حول محاكمة رسلان والغريب. ولكن نظراً لمعرفة العديد من السّوريّين عن المحاكمة من خلال شبكات غير رسميّة مثل مجموعات واتساب وفيسبوك، فإنّ بعضاً من هذا يشكّل "ارتباكاً مفهوماً تماماً وأسئلة مشروعة" وليس تضليلاً متعمّداً، حسبما صرّح لوكالة (ذا نيو هيومانيتاريان).

ومع ذلك، قال إيريك ويت، وهو محامِ كبير لدى مبادرة عدالة المجتمع المفتوح، إنّ الدّعاية أو "الأخبار الكاذبة" المتعمّدة قد تصبح مشكلة أكبر في قضايا الولاية القضائيّة العالميّة في المستقبل.

قامت منظّمة ويت بالإضافة إلى ضحايا سوريّين وجماعات سوريّة بتقديم عدّة شكاوى ضد حكومة الأسد لاستخدامها أسلحة كيماويّة ضدّ المدنيّين. لم يصلوا إلى أي نتيجة حتى الآن، لكنه قلق حيال حساسيّة هذا الموضوع وحقيقة أنّ أطراف النّزاع المختلفة حاولت التّلاعب بالأخبار أثناء الهجمات وبعدها. وقال: "إذا تمّ تقديم هذه الملفّات إلى المحاكمة، فسنرى استهدافاً نشطاً للغاية [للمعلومات المضلّلة]."

وهذه ليست الطّريقة الوحيدة الّتي يستخدمها الخبراء للقول بأنّ عدم إيصال المعلومات قد يعرقل جهود إحقاق العدالة. قال سميث، وهو من منظّمة لا سلام بدون عدالة، بأنّه عندما لا يفهم الشّهود المحتملون إجراءات العدالة، فمن غير المرجّح أن يدلوا بشهادتهم.

خلص تقرير هيومن رايتس ووتش إلى أنّ اللّاجئين السّوريّين في ألمانيا، وقد يكون بعضهم شهوداً محتملين في هذه المحاكمة والمحاكمات المستقبليّة، كانوا متحفّظين على مشاركة المعلومات الّتي قد تكون مفيدة في قاعات المحاكم لأنّهم خافوا من احتماليّة انتقام حكومة الأسد من أقاربهم في الوطن.

ليس هناك أيضاً ما يضمن أنّ أولئك الّذين يستمعون إلى مبادرات مثل الفرع 251 آمنون في منازلهم، وهو القلق الّذي لا يفارق المنتجة حمادة. وقالت عن المتابعين من داخل سوريا: "إنّ الأمر الّذي أتساءل عنه كثيراً هو ما إذا كان مسؤولي النّظام يستمعون لمتابعة آخر تطوّرات الموضوع... أو إذا كان المستمعون هم من السّوريّين العاديّين. أتساءل عمّا إذا كان الاستماع يعرّضهم للخطر. لو كنتُ في سوريا، فإنّني فد أخشى حتّى الاعتراف بوجود البودكاست."

ما الّذي يتعيّن تركه للمجتمع المدني؟

إنّ عدم وجود اتّصال مجتمعي بإشراف  المحكمة من كوبلنز قد فاجأ فريق الفرع 251، وحمّلهم دوراً ضخماً (ومسؤوليّةُ) في نشر المعلومات لم يكونوا يتوقّعونها.

لكنّ الخبراء يقولون إنّه من الشّائع للمنظّمات غير الحكوميّة المحليّة وللنّاشطين ، أو في هذه الحالة للبودكاست، أن يكونوا مُثقلين بمهمّة شرح إجراءات المحكمة المعقّدة، على الرّغم من عدم وجود المال أو الموظّفين أو الوقت للقيام بها كما ينبغي.

وعندما تنفّذ مهامها بشكل صحيح، تثبت هذه المنظّمات انّها شريكة ممتازة للمحاكم. اذ تمكّنت المحكمة من الاتّصال بالأشخاص الّذين تحتاج إلى الوصول إليهم، وتمّ نشر رسائل مهمّة عبر العمل المشترك بين الطّرفين.

لقد اعتمد برنامج إيصال المعلومات الّذي يديره بيتي في الغرف الأفريقيّة الاستثنائيّة في السّنغال اعتماداً كبيراً على المجتمع المدني المحلّي للتّأكّد من أن السّكان المتضرّرين من الجرائم فهموا العمليّة.

تمّ تأسيس الغرف الأفريقيّة الاستثنائيّة (EAC) بموجب اتّفاق بين الاتّحاد الأفريقي والسّنغال من أجل محاكمة المتورّطين في الجرائم الدّوليّة الّتي ارتُكبت عندما كان حسين حبري هو الرئيس. بدأت المحاكمة في يوليو 2015 وفي مايو 2016 أُدين حبري بارتكاب جرائم الاغتصاب والاستعباد الجنسي والأمر بقتل 40 ألف شخص خلال فترة ولايته، وحكم عليه بالسّجن المؤبّد.

استفاد بيتي وآخرون في فريقه من ميزة المحاكمة السّريعة الّتي جرت

قي مكان قريب نسبيّاً لمكان ارتكاب الجرائم، ومن الأموال الّتي كانت مخصّصة لإيصال المعلومات منذ البداية.

تمّ تخصيص جزء كبير من الميزانيّة إلى المنظّمات غير الحكوميّة الّتي تتوجّه الى وسائل الإعلام المحلّيّة، والّتي شرحت عمليّة المحاكمة واستجابت لردود فعل الأشخاص الّذين تأثّروا بالعنف الّذي تعرّضوا له خلال فترة حكم حبري. أشار بيتي إلى أنّه لم يكن من المتوقّع أن تؤدّي مجموعات المجتمع المدني هذه دور العلاقات العامّة للمحكمة، ممّا منحها هامشا مكّنها من التّعامل بطريقة أكثر انفتاحاً وصدقاً مع الأشخاص الّذين طرحوا أسئلة حول هذا الموضوع.

و قد قامت المحكمة الجنائيّة الدّولية بهذه المهمّة  بصورة جيّدة في بعض الأحيان أيضاً، حيث أشار العديد من الخبراء إلى برنامج إيصال المعلومات في أوغندا الّذي تديره ماريا مابينتي كامارا، والّتي كان لها الفضل أيضاً في إيصال المعلومات لدى المحكمة الخاصّة في سيراليون.

عملت كامارا مع مجموعات الضّحايا، والزّعماء الدّينيّين والثّقافيّين، ووسائل الإعلام، وممثّلي الأوساط الأكاديميّة والقانونيّة، بالإضافة إلى عامّة النّاس في شمال أوغندا. إجمالاً، درّبت المحكمة الجنائيّة الدّوليّة 200 من المُيسّرين المحليّين لمساعدة النّاس على فهم ما كان يحدث في لاهاي أثناء مقاضاتها قادة جيش الرّب للمقاومة، واّلذي يديره جوزيف كوني.

قالت كامارا إنّ محكمة دوليّة كبيرة مثل المحكمة الجنائيّة الدّوليّة لا يمكنها أن تحل مكان  السّكّان المحليّين في فهم  البيئة الّتي يعيشون ويعملون فيها، كما أنّ المجموعات المحليّة لن تتمكّن من الحصول على موارد كتلك الّتي تملكها  المحكمة الجنائيّة الدّولية. يكمن الحل في العمل معاً.

تُوّج عمل كامارا في محاكمة أوغندا والّتي وصفتها بأنّها أهم محطّة في حياتها المهنيّة حتى الآن.

قامت المحكمة الجنائيّة الدّوليّة  ببث البيانات الختاميّة مباشرة على الهواء في مدينة غولو شمال أوغندا في مارس من العام الماضي.

وما أن نادى ضابط قاعة المحكمة في لاهاي، على بعد حوالي 9000 كيلومتر، بعبارة "ليقف الجميع"،  حتّى أذيعت التّرجمة إلى لغة الأشولي المحلّيّة عبر مكبّرات الصّوت ممّا جعل جميع المشاركين في بث  غولو، والبالغ عددهم 400 شخص، يقفون بجدّية وهم منغمسون في التّجربة. وقالت كامارا لوكالة (ذا نيو هيومانيتاريان): "لقد كان ذلك أسطوريّاً. بات بإمكاني  حينها أن أحزم حقائبي وأعود إلى المنزل! أردت لهذه العمليّة أن تكون ذات أهميّة ومغزى، وقد ختم هذا المشهد كل شيء بالنسبة لي."

كيف يمكن للأخبار المحلّيّة أن تساعد

إنّ هذه النّماذج من المحاكم الّتي تتعاون مع مجموعات محلّيّة يمكن، أو يجب كما يقول الخبراء، أن توضح كيف لعدالة الولاية القضائيّة الدّوليّة أن تحقّق إيصال المعلومات من الآن فصاعداً، ولا سيّما عندما يتعلّق الأمر بالعمل مع وسائل الإعلام المحلّيّة.

من الواضح أنّ إتاحة التّغطية الإعلاميّة للصّحفيّين المحليّين يساعد في نشر الخبر. على سبيل المثال، أرسلت منظّمة (نيو ناراتيفز) (New Narratives) الإخباريّة غير الهادفة للرّبح مؤخّراً ثلاثة صحفيّين ليبيريّين مشهورين ورسّاماً لتغطية محاكمة قائد المتمرّدين اللّيبيري السّابق أليو كوسياه، الّذي أدين بارتكاب جرائم حرب في يونيو 2021 في محكمة سويسريّة تستخدم الولاية القضائيّة العالميّة.

كان الصّحفيّون (أنتوني ستيفنز، وجيمس هاردينغ جياهيو، ورودني سيه) والرسّام (ليزلي لوميه) معروفين وموثوقين، ونُشرت تقاريرهم في

الصّحف الرّئيسيّة في ليبيريا وسيراليون، وبثّتها أكثر من 30 محطّة تلفزيونيّة وإذاعيّة ليبريّة. كما قام ستيفنز بالبث عبر فيسبوك لايف.

Civitas Maxima/Kalonji Art
مُقتطف من رسم كاريكاتوري يؤرّخ سعي فتاة صغيرة لتحقيق العدالة في ليبيريا، وهو جزء من مشروع يهدف إلى ضمان إطلاع المُواطنين على مُحاكمات مجرمي الحرب اللّيبيريّين المزعومين.

قال برو كلارك، مؤسّس منظّمة (نيو ناراتيفز)، والّتي تركّز على بناء الصّحافة في الجزء الجنوبي من الكرة الأرضيّة: "كان يمكن للمحكمة أن تساعد أكثر." كما هي الحال في كوبلنز، فإنّ التّرجمات من اللّغة الفرنسيّة إلى لغة الصّحفيّين الأم، ألا وهي الإنجليزيّة، لم تكن متوفّرة في محاكمة كوسياه. ممّا يعني أنّ الصّحفيّين اعتمدوا على ملخّصات الإجراءات الّتي أعدّتها منظّمة غير حكوميّة.

لكن تمّ السّماح للمراسلين بالوصول إلى النّيابة ومحامي الدّفاع خلال المحاكمة، وتمكّنوا من سماع وفهم شهادة المتّهم كوسياه والمدّعين النّاطقين باللّغة الإنجليزيّة.

يقول كلارك إنّ نموذجهم في الاستثمار في الصّحافة المحلّيّة حول العدالة "يمكن ويجب تكراره في مكان آخر."

تساعد منظّمة (نيو ناراتيفز) اللّيبيريّين في تغطية محاكمة أخرى أيضاً، وهي محاكمة تتحدّى فرضيّة انّ إجراءات الولاية القضائيّة العالميّة دائماً ما  تكابد الصّعاب في التّواصل مع المجتمعات الّتي تركّز عليها. في تلك الحالة، تحاكم فنلندا قائد المتمرّدين السّابق جبريل إيلوجيما ماساكوي والمشتبه  بارتكابه جرائم حرب خلال الحرب الأهليّة في ليبيريا.

من الملفت أنّ المراسلين اللّيبيريّين ليسوا مضطرّين للسّفر لمسافات طويلة للإبلاغ عن الإجراءات، فقد انتقلت المحكمة بالفعل إلى ليبيريا للاستماع إلى شهادات 80 شاهداً وزيارة المواقع الّتي يُزعم حدوث فظائع فيها بموجب أوامر ماساكوي. سيبقى ماساكوي في فنلندا. لقد أثار الإبداع الاستباقي للمحكمة الفنلنديّة إعجاب المشاهدين. قال ويت من مبادرة عدالة المجتمع المفتوح (OSJI): "إنّه أمر استثنائي للغاية."

لكن في العديد من الحالات، بما في ذلك محاكمة كوبلنز، فإنّ الانتقال ليس خياراً، فسوريا ما تزال منطقة نزاع والحكومة المتّهمة ما تزال في السّلطة. قالت صوّان والّتي كانت تحضر الإجراءات كلما استطاعت، إنّ هذا يعني أنّ أي شيء يمكن للمحكمة القيام به لإشراك السّوريّين في العمليّة سيكون موضع تقدير كبير.

إنّ إشراك أشخاص مثل صوّان أمر مهم لأنّ هذه القضيّة والقضايا المستقبليّة تشمل أكثر من مجرّد الأفراد قيد المحاكمة. بعد أن تعرّض أفراد عائلتها للتّعذيب، قالت إنّ سماع الحكم الأوّل بصوت عالٍ وباللّغة العربيّة كان له معنى كبير لها وللتّاريخ. وقالت صوّان: "كان معنى ذلك أنّ التّعذيب على يد الدّولة والفظائع الّتي ارتكبها النّظام السّوري تُقرأ بصوت عالٍ في محكمة ألمانيّة عادلة. إنّ الأمر يتعلّق بحفظ السّرديّة."

وفي الوقت نفسه، يتمنّى منتجو الفرع 251 أن يتم إشراك المزيد من النّاس.

قال ستريف، مؤسّس البودكاست، إنّ عملهم "يُظهر أن هناك طرقاً إبداعيّة لمحاولة إيصال معلومات المسائل القانونيّة المعقّدة والتّقنيّة للمستمعين المهتمّين، بما يتعدّى الطّرق التّقليديّة... أعتقد أنّ هناك الكثير من الإمكانات، ليس في البودكاست كأداة فحسب، بل أيضاً في أشكال التّواصل الحديث الأخرى مثل وسائل التّواصل الاجتماعي."

حتّى لو كان عدد المستمعين الرّسميّين داخل سوريا منخفضاً، فإنّ الفرع 251 يعتقد أنّه يصل إلى السّورييّن في جميع أنحاء أوروبّا والشّرق الأوسط، إذ أنّ هناك الكثير من ردود الفعل الإيجابيّة.

وبينما لا تزال حمادة تشعر بالقلق حول سلامة كل من يقوم بتنزيل الحلقات من داخل سوريا، فإنّها تشعر بشكل عام أنّ الوصول إليهم يستحقّ العناء. وقالت: "إنّي سعيدة لأنّهم يستمعون. إنّه نوع من المصادقة." "إنّ ما نقوم به أمرٌ مهم، وهو يصل إلى الجماهير المعنيّة. أرى [باستماعهم] شجاعة كبيرة."

تحرير Annie Slemrod.