ما وراء التحويلات والمغتربين والتنمية

يلعب المغتربون والمهاجرون الأفارقة منذ سنوات دوراً فعالاً في مساعدة أفراد عائلاتهم وأصدقائهم في أوطانهم على تدبر أمورهم، كما توضح تدفقات التحويلات النقدية السنوية الضخمة، ولكن مساهماتهم التي تتجاوز التحويلات المالية يمكن أن يكون لها عظيم الأثر على التنمية، إذا تمت الاستفادة منها.

وتبلغ مدخرات المغتربين الأفارقة 53 مليار دولار أمريكي سنوياً، وفقاً للبنك الدولي، وهو رقم يتجاوز التحويلات النقدية السنوية إلى هذه القارة ويستثمر معظمه خارجها.

"إذا أمكن إقناع واحد من كل 10 مغتربين باستثمار 1,000 دولار في بلده أو بلدها الأصلي، ستسطيع أفريقيا جمع 3 مليارات دولار سنوياً لتمويل جهود التنمية،" كما أوضح ديليب راثا وسونيا بلازا في تقرير البنك الدولي لعام 2011، الذي جاء بعنوان المغتربون من أجل التنمية في أفريقيا.

ويشعر العديد من الأفارقة الذين يعيشون في الخارج بصلة قوية ببلادهم ويرغبون في المساهمة في جهود التنمية في أوطانهم. ويؤكد الدكتور جيرما تيفيرا، رئيس مجموعة الأطباء الإثيوبيين الأمريكيين في الولايات المتحدة (EADG)، وجود رغبة حقيقية في أوساط المهنيين المغتربين لاستخدام خبراتهم ومهاراتهم لإحداث فرق في بلدانهم.

وقال تيفيرا: "إن الدافع الأساسي للعديد من زملائي هو رد الجميل للمجتمع بشكل عام في وطننا،" في إشارة إلى 171 طبيباً إثيوبياً في الولايات المتحدة تعهدوا بتخصيص المال والوقت لمشروع مجموعة الأطباء الإثيوبيين الأمريكيين لبناء مستشفى عصري في أديس أبابا.

من جانبه، قال غايتان غاتيتي، رئيس شبكة المغتربين الروانديين في الولايات المتحدة الأمريكية، أنهم يدرسون ما يمكنهم تقديمه، ولكن أيضاً ما يمكنهم الحصول عليه في المقابل. وأضاف غاتيتي في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نحن نفكر في كيفية استثمار أموالنا، وكيف يمكننا أن نصبح الصلة التجارية بين هذا المكان ووطننا".

ومن خلال روح المبادرة وتبادل المهارات والتكنولوجيا، وزيادة الروابط التجارية، والمؤسسات الخيرية، والاستثمار، وروابط التراث والسياحة، يرد المغتربون كمجموعات وأفراد وشبكات الجميل لأوطانهم بطرق مختلفة.

الحكومات لا تفعل ما يكفي

وحتى مع ذلك، لم يتمكن سوى عدد قليل من الحكومات الأفريقة إشراك المغتربين بنجاح في جهود الحد من الفقر وتحقيق التنمية. ويقول موجز سياسات صدر في الأونة الأخيرة عن معهد سياسات الهجرة (MPI)، وهو مركز بحثي مقره الولايات المتحدة يدرس حركة الناس حول العالم، أنه يتعين على الحكومات أن تكون استباقية أكثر إذا ما أرادت أن تجني فوائد ملموسة من المغتربين.

من جانبها، ترى كاثلين نيولاند، أخصائية الهجرة والتنمية في معهد سياسات الهجرة، أن على الحكومات الأفريقية أن تعرف المزيد عن مجموعات المغتربين وتبني علاقات متينة معهم لتنفيذ سياسات متماسكة لضمان مشاركتهم، بدلاً من التعامل معهم بوصفهم إما أجانب أو محليين.

وأضافت نيولاند أن "التسويق الاجتماعي ليس شيئاً يتقنه العديد من البلدان، وهناك بضعة بلدان فقط حققت اتصالات جيدة مع مغتربيها بشكل منتظم".

ومن الجدير بالذكر أن ما لا يقل عن 32 دولة أفريقية أنشأت الآن وحدات أو وزارات متخصصة للتعامل مع المغتربين، ولكنها غالباً ما تعاني من نقص الموظفين أو التمويل. وقالت نيولاند أنه نتيجة لذلك، "لا يعرف الكثير من المغتربين شيئاً عن مبادرات الحكومات".

وفي سياق متصل، أفاد تشوكو-اميكا تشيكيزي، مدير منظمة أب – أفريقيا! المحدودة Up!-Africa Limited، وهي شركة استشارية تعمل مع المغتربين في القطاع الخاص، أن حكومات الأوطان لا يمكنها أن تعتمد فقط على الروابط العاطفية لإقناع المغتربين بالمشاركة في تنمية الوطن. وأضاف تشيكيزي أن "مكتب شؤون المغتربين موجود، ولكن هل تمكنوا بالفعل من دمجه في أجندة التنمية الخاصة بهم؟ هنا يكمن التقصير".

إثيوبيا ورواندا

وقد حققت بلدان قليلة بعض التقدم، لاسيما إثيوبيا ورواندا، اللتان تمدان أيديهما للمغتربين من خلال الحملات التي تسعى إلى جذب الاستثمار في مشاريع التنمية في البلد الأم، وسياسات المغتربين الرسمية، والجنسية المزدوجة للمغتربين، ودعم شبكات المغتربين العالمية لتكوين صلات قوية مع مواطنيهما المولودين في الخارج.


إذا أمكن إقناع واحد من كل 10 مغتربين باستثمار 1,000 دولار في بلده أو بلدها الأصلي، ستسطيع أفريقيا جمع 3 مليارات دولار سنوياً لتمويل جهود التنمية

وتجدر الإشارة إلى أن مديرية المغتربين الإثيوبية، التي أُنشئت في عام 2002، لديها الآن موقع على الإنترنت يقدم معلومات للمغتربين عن فرص الاستثمار والتجارة في إثيوبيا، ومشاريع التنمية، وسياسة المغتربين التي تتبعها الحكومة، وخدمات الدعم المتاحة في إثيوبيا.

ويمكن للإثيوبيين المولودين في الخارج التقدم بطلب للحصول على "البطاقة الصفراء"، التي تسمح لهم بالحصول على حقوق وامتيازات مماثلة لتلك التي يحصل عليها المواطنون المقيمون في الوطن. يمكن لحاملي البطاقة الصفراء دخول البلاد بدون تأشيرة، والعمل من دون تصريح، والتمتع بأنظمة التقاعد التي تديرها الدولة.

وقد أسست وزارة الصحة في إثيوبيا وحدة المغتربين للعمل بشكل وثيق مع مشروع مستشفى مجموعة الأطباء الإثيوبيين الأمريكيين الذي ذكره تيفيرا. كما تقوم الوزارة بدور نشط في تبادل المهارات، لجلب المهنيين الأجانب في المجال الطبي للعمل في القطاع الصحي، الأمر الذي أدى إلى تدشين أول برنامج استجابة لحالات الطوارئ للأطباء المقيمين بالمستشفيات في البلاد.

وفي أغسطس 2012، أسست حكومة رواندا صندوق أغاسيرو، وهو "صندوق تضامن" يهدف إلى وقف اعتماد رواندا على المساعدات الخارجية وتطوير التمويل الذاتي. وكان من المقرر إغلاق الصندوق، الذي تديره وزارة المالية، في نهاية عام 2013، ووفقاً لموقعه على شبكة الانترنت، وصلت المساهمات إلى 20.4 مليار فرنك رواندي (30.3 مليون دولار).

وأفاد فيديليس ميرونكو، مسؤل الاتصال والتنسيق مع المغتربين في السفارة الرواندية في واشنطن، أن المغتربين يتوقون للمساهمة ولكن الحكومة لم تقرر بعد كيف سيتم استخدام هذه الأموال.

سندات المغتربين

من جهة أخرى، نجحت السندات التي تستهدف المغتربين في دول نامية أخرى من بينها الهند. وقد أصدرت بعض الدول الأفريقية - إثيوبيا ورواندا وكينيا - هذه السندات لتمويل مشاريع محددة في مجالات البنية التحتية والتنمية، ولكن دون نجاح يذكر.

والسندات هي الكمبيالة (IOU) التي تصدرها الحكومة، أو الإقرار بالدين، لدعم الإنفاق الحكومي، وهي تعد بدفع الفائدة الدورية للمشتري، فضلاً عن رد القيمة الإسمية في تاريخ الاستحقاق. وتستهدف سندات المغتربين أعضاء الجالية الخاصة ببلد ما في الخارج، على افتراض أن العلاقات العاطفية والثقافية والعائلية ستجذبهم للاستثمار في ما قد يحجم عن تمويله المستثمر الأجنبي العادي.

وعادة ما يتم طرح سندات المغتربين بمبالغ بسيطة وتسويقها في مجتمعات المغتربين، الذين غالباً ما تجعلهم علاقاتهم الطويلة الأجل والعاطفية بأوطانهم يقبلون عوائد أقل أو مقترحات ذات مخاطر أعلى من التي يقدم عليها المستثمر الأجنبي العادي.

ويعتقد ديلي ميجي فاتونلا، وهو كاتب نيجيري-بريطاني يعمل في الجمعية الأفريقية الملكية في بريطانيا، أن النجاح المحدود الذي حققته سندات المغتربين الأفارقة يرجع إلى الشكوك حول قدرة الحكومات على الوفاء بوعودها، وضعف التسويق. وأضاف قائلاً: "بصفتي أفريقي مغترب، لم أر حقاً أي معلومات مستهدفة يمكن أن تدفعني ... للاستثمار في سندات المغتربين. يجب إجراء تسويق أكثر تركيزاً وتشجيعاً على الاستثمار".

وإذا أتاحت الحكومات الأفريقية حقوق التصويت للمغتربين، سيكون هذا حافزاً إضافياً. "إنك بالتأكيد ستستثمر أكثر إذا كانت لديك القدرة على التصويت. وسيكون من المرجح أن تستثمر بعد أن تصبح جزءاً من عملية اختيار الحكومة وتشارك في العملية السياسية،" كما أشار فاتونلا.

ولكن نيولاند من معهد سياسات الهجرة ترى أن منح حقوق التصويت للمغتربين أمر معقد لأنهم سيشكلون جزءاً كبيراً من الناخبين، ولكنهم لن يتأثروا بالضرورة بعواقب تصويتهم.

الجهات المانحة والمغتربون

ويخضع العديد من مجموعات المغتربين، الذين يتطلعون إلى المساهمة في تنمية أوطانهم، لقيادة متطوعين لديهم وظائف بدوام كامل، وغالباً ما يؤدي ذلك إلى ضعف التنظيم والرقابة، وبرامج أقل استراتيجية واستدامة.

بصفتي أفريقي مغترب، لم أر حقاً أي معلومات مستهدفة يمكن أن تدفعني ... للاستثمار في سندات المغتربين. يجب إجراء تسويق أكثر تركيزاً وتشجيعاً على الاستثمار

ولهذه الأسباب، كانت الجهات المانحة الغربية حذرة من التعامل مع جماعات المغتربين في الماضي، على الرغم من أنها تهتم بشكل متزايد بالاستفادة من الوضع الفريد للمغتربين الذي يمكنهم من المساعدة في تحقيق أهداف التنمية.

ويقول رومي بهاتيا، مستشار شراكات المغتربين في مكتب الابتكار والتحالفات التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أن أحد أكبر التحديات التي تعوق الاستفادة من موارد المغتربين هو نقص القدرات. وأضاف في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "[منظمات] المغتربين ترغب في كثير من الأحيان في العمل مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ولكن هناك فجوة في القدرات. نحن نريدها أن تتحول إلى منظمة غير حكومية مسجلة، وأكثر قدرة في مجال عملها حتى نتمكن من الدخول في شراكة معها".

وتعمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مع شركة الاستشارات الإدارية، أكسنتشر، لتوفير التدريب على المهارات لمنظمات المغتربين غير الربحية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها والتي تتطلع إلى العمل في بلدانها الأصلية.

من جهته، قال تشيكيزي، الذي شارك أيضاً في تأسيس المؤسسة الأفريقية للتنمية (AFFORD)، وهي منظمة غير هادفة للربح تستفيد من خبرة المغتربين لتنفيذ مشاريع خيرية واستثمارات في أفريقيا، أن الحل يكمن في خلق شراكات تجمع بين المغتربين والمعرفة المحلية. وأضاف أن "الأمثلة الناجحة التي رأيتها هي عندما يكون لديك مزيج من المغتربين ذوي القدرات والتفكير خارج الصندوق، وسياق الفهم المحلي القوي".

لكنه حذر أيضاً من الاعتقاد بأن المغتربين هم الحل الناجع لمشكلات أفريقيا، وحث الحكومات على إدراج المغتربين في السياسات الإنمائية السليمة.

ومن الجدير بالذكر أن معظم العمال المغتربين والمهاجرين الأفارقة يعيشون ويعملون في مناطق أخرى في نفس القارة. وبحسب كتاب حقائق الهجرة والتحويلات النقدية الذي أصدره البنك الدولي في عام 2011، يبلغ عدد الأفارقة الذين يعيشون خارج بلادهم في قارة أفريقيا أكثر من 14 مليون نسمة، أي ما يقرب من نصف جميع المغتربين الأفارقة. وقد استقبلت ساحل العاج وجنوب أفريقيا معاً أكثر من 2.3 مليون عامل مهاجر في عام 2013.

وفي حين يركز الكثير من البحوث والعمل السياسي ووسائل الإعلام على المغتربين الأفارقة في الغرب، أفاد تشيكيزي أن هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهد لتحديد كمية مساهمات المغتربين الأفارقة داخل أفريقيا.

ft/aj/he-ais/dvh