28 يوليو 2022
Zainab Chamoun

Lebanese freelance journalist and researcher based in Beirut. Her work focuses on community-led development, religion and politics, and interfaith issues.

آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

استغرق إنشاء مشروع واتساب لبنان؟ ستّة أشهر من التفكير والتخطيط وإعداد التقارير. وهو عبارة عن جدول زمني عرضته وكالة "ذا نيو هيومانيتاريان" يتناول انهيار لبنان من خلال محادثات خمسة أشخاص. 

لقد مضى عامان على انفجار مرفأ بيروت في ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠، إلّا أنّ اقتصاد لبنان كان يتدهور قبل تلك الكارثة بوقت طويل. كانت نشرات الأخبار تذكر الأزمة أحيانًا، مثل عند حدوث الانفجار أو عندما سجّلت العملة انخفاضًا كبيرًا. طال الفقر نسبة ٨٠ في المئة من الشعب اللبناني نتيجة الأزمة، وواجه الصحافيون/ات والصحافة صعوبات في محاولتهم/نّ تغطية ما كان يحدث مع ملايين الأشخاص على الصعيد الشخصي. 

لذلك، وجدنا أنّ الرسائل المتبادلة على تطبيق واتساب هي أداة إبلاغ جديدة ومناسبة جدًا، باعتبار أنّ المحادثات تشكّل وسيلة للتعرّف على لحظات لا يراها الصحافيون/ات أو يسمعون بها. إلّا أنّ الطلب من الناس الإفصاح عن محادثاتهم/نّ أمر صعب أيضًا.

رئيسة التحرير في الشرق الأوسط، آني سليمرود، ومنسقّة مشروع واتساب لبنان؟ زينب شمعون جلسن للحديث عن المشروع وما تعلّموه من خلاله، بما في ذلك سبب رغبتهم في التركيز على الناس وراء العناوين الرئيسية؛ وخطر شعور المشاركين/ات بالصدمة مجدّدًا عند الطلب منهم/نّ تذكّر سنوات من الرسائل المتبادلة عبر تطبيق واتساب؛ وكيفية تشكيكهم/نّ في العلاقة التقليدية بين الصحافيين والمصادر. 

وعلى حدّ قول سليمرود: "ما استهواني في هذا المشروع هو أنّه لم يكن لي علاقة بما يقوله الناس، إذ سبق أن حدث.  وبالتّالي لم يكن بمقدوري تغييره. دفعني ذلك إلى التّفكير كثيرًا في أهمية الإصغاء".  

أمّا شمعون فتصف الأمر بهذا الشكل: "أشعر وكأنّ هذا المشروع كان مصدر قوّة بطريقة ما. شعرت بمسؤولية.  شعرت وكأنّ الوقت حان لمساعدة الناس الذين يخبرونني قصصهم/نّ".

هذه نسخة معدّلة عن حديثهمايمكن مشاهدة المحادثة الكاملة هنا

آنّي: واتساب لبنان؟ هو تسلسل زمني لانهيار لبنان، لكنّه لا يركّز على التواريخ والأحداث فحسب، بل أيضًا على الناس التي شهدت الأحداث، وعلى المحادثات التي أجروها عبر تطبيق واتساب. عندما قصدتك وقلت، "زينب، خطرت لي هذه الفكرة الجنونية. ثم غرّدتُ عنها عبر تطبيق تويتر. وهذا كان كل شيء". ما كان رأيك؟

زينب: عندما أخبرتني في البداية عن هذه الفكرة، تحمّستُ جدًا لها لأنّ المشروع يتناول قصصًا شخصية. وأنا أعتبر أن القصص الشخصية هي أصدق مصدر للمعلومات في مجال الصحافة وأكثرها أمانة. وهي أيضًا أكثر ارتباطًا بالواقع. 

كما أحببتها لأنها ستؤدّي إلى إنشاء أرشيف محلّي يطوّره أشخاص يعيشون في البلد. هم أبطال القصة وهم رواتها. 

ووجدت أنّه من المهم إشراك أشخاص يعيشون في البلد من غير اللبنانيين. فهم جزء من النسيج الاجتماعي للبلد ولديهم تجاربهم الخاصة التي يمكن أن تعبّر كثيرًا عمّا يحدث في لبنان. 

آنّي: في البداية، فكّرنا في جمع تغريدات من أشخاص وصياغة قصة من خلالها. ثمّ وجدنا أنّ عدد المتجاوبين لم يكن كبيرًا، أو أننا لن نصل إلى مختلف فئات المجتمع أو إلى وجهات النظر المتنوّعة التي نبحث عنها. وأخيرًا قرّرنا أن نطلب مشاركة خمسة أشخاص. ولكن لم يكن من السهل إيجاد خمسة أشخاص يرغبون في نبش تاريخ محادثاتهم/نّ على تطبيق واتساب ومشاركتها مع عامّة الناس. وجدتِ أولئك المشاركين/ات. كيف سارت الأمور؟

زينب: كان الناس حذرين جدًا في ما يتعلّق بمشاركة رسائلهم. فهي فكرة جديدة، والقلق يساور الناس في لبنان بشكل خاص وفي المنطقة بشكل عام بشأن أمنهم الشخصي. يتخوّفون من التعرّض لخطر إذا انتقدوا الحكومة أو عبّروا عن أنفسهم علانيةً.   ولذلك كان عليّ إرسال تسجيلات صوتية عبر تطبيق واتساب لشرح تفاصيل المشروع. يُسمّى هذا المشروع واتساب لبنان وأُنجز معظم العمل عبر تطبيق واتساب!

آنّي: كنتِ تستخدمين تطبيق واتساب باستمرار.

زينب: مراجعة المحادثات على واتساب ليست بالأمر السهل. وهي مهمّة منهكة أحيانًا. وتعيد إثارة صدمات قديمة. لذلك أردنا أن نراعي شعور الآخرين. 

لذلك توصّلنا إلى فكرة اختيار خمسة ملفات شخصية. لدينا عفاف من طرابلس، وباسل من الجنوب ويسكن في بيروت، وروجيه وهو سوري الجنسية، ومحمد وهو فلسطيني، وروزا وهي عاملة أجنبية. 

آنّي: كان لدينا أيضًا امرأة تحمّست كثيرًا للأمر إلّا أنّها كانت قد أعطت هاتفها لوالدتها، وانمحت الرسائل كلها.

زينب: اختفت كل البيانات، وكل تلك السجلّات. وشكّل العثور على شخص من المهاجرين [العمّال الأجانب] إحدى التحديات الأخرى التي واجهتنا. كان ذلك صعبًا جدًا. لأنّ المجتمعات الهشّة هي أكثر من يعاني [من هذه الأزمة] ولكنّها الأكثر حذرًا، لا سيّما بسبب نظام الكفالة.

آنّي: هذا صحيح. للبقاء في لبنان كعاملة منزلية أجنبية، يتعيّن عليك إيجاد كفيل، ما يتمّ عادةً عن طريق مكاتب الاستخدام.  ويعني نظام الكفالة أنّ عملك ومسكنك وطعامك يعتمد على رب عملك، وأنّ بإمكانه أن يحتفظ بجواز سفرك. إنّه نظام تسهل جدًا إساءة استخدامه. تحدّثتِ إلى عدد لا بأس به من العاملات الأجنبيات اللواتي أبدين اهتمامًا بالأمر، إلا أن كفلاءهم رفضوا ذلك، أليس كذلك؟

زينب: رفضوا ذلك. يعني نظام الكفالة امتلاك حياة عاملة أجنبية والتحكّم بقراراتها. شعرتُ باستياء كبير. ولكنّ معارفي أوصلوني إلى روزا التي شاركت في المشروع في نهاية المطاف. حدثت بعض التأخيرات إذ كنت أضطر أحيانًا إلى زيارتها في مكان عملها، وهي منشغلة جدًا، إذ تعمل من الساعة ٨ صباحًا حتى الساعة ٨ مساءً. 

آنّي: إحدى الأمور التي تعلّمتها هي كم يصعب على الناس نبش رسائلهم التي تبادلوها خلال السنوات القليلة الفائتة. فقد أثّر هذا الانهيار على كافة نواحي الحياة تقريبًا. دفعني هذا إلى التفكير كثيرًا في ما نطلب نحن كصحافيين من الناس القيام به. أدركنا أنّ علينا دفع مقابل مالي للناس للتعويض عن الجهد النفسي. ما الذي شعرتِ به عندما استحضرتِ هذه السنوات القليلة الفائتة مع هؤلاء المشاركين/ات؟

زينب: كنت أشعر بالحزن أحيانًا، ولكنّني واصلت التركيز على إنجاز المشروع. كنت أواجه مشاكل في الكهرباء والوقود والاتّصال بالإنترنت أحيانًا، ولم أتمكّن من التواصل بسهولة [مع المشاركين]، إلا أنني حاولت التركيز على النتيجة النهائية.  أردتُ تحقيق المشروع وتحويله إلى شيء جميل وصادق يعبّر عما يحدث.

"أشعر وكأنّ هذا المشروع كان مصدر قوة بطريقة ما. شعرت بمسؤولية. شعرت وكأنّ الوقت حان لمساعدة الناس الذين يخبرونني قصصهم وليس العكس".

وساعدني مجرّد قراءة محادثاتهم إذ شعرت وكأننا جميعنا معنيون بالموضوع ونختبر المشاعر عينها ونعيش الأمور نفسها وبأنني لست وحيدة. وكان ذلك مريحًا أيضًا بشكل من الأشكال. 

آنّي: من الأمور التي أفكّر فيها كثيرًا كصحافية وتحديدًا كصحافية أجنبية، هي أننا عندما نكتب قصة، نطرح أسئلة نعرف مسبقًا الإجابة التي نريد الحصول عليها أو على الأقل موضوع الإجابة. 

ما استهواني في هذا المشروع هو أنّه لم يكن لي علاقة بما يقوله الناس، إذ سبق أن حدث. وبالتّالي لم يكن بمقدوري تغييره.  دفعني ذلك إلى التفكير كثيرًا في أهمية الإصغاء إلى الناس. 

ولعبت مشاركة المصوّر [رسوم إيضاحيّة] رفيق الحريري دورًا أيضًا. فقد ساهمت تجاربه في توجيه العمل الفنّي للمشروع. يسرّني أن لدينا مصوّرًا لبنانيًا اختبر جميع الأمور التي اختبرتموها أنتم والتي اختبرها هؤلاء الأشخاص الخمسة. 

من الأسئلة التي طرحناها على المشاركين: ما أكبر تغيير طال حياتك جراء انهيار لبنان؟ هل يمكنني أن أطرح عليك السؤال عينه؟

زينب: أنا متعلّقة جدًا بعائلتي ومنطقتي [النبطية، جنوب لبنان]. كنت أعيش في بيروت عندما وقع الانفجار في صيف العام ٢٠٢٠. وكنت وحدي آنذاك في الشقة التي أسكنها.عدت الآن للسكن مع والديّ.

لا أتحمّل الأصوات كما كنت أفعل في السابق، مثل أصوات الطائرات. وعلى الرغم من أنني عشت طوال حياتي وأنا أسمع هذه الأصوات، كان ذلك اليوم استثنائيًا. لا يمكنني أن أصف لك كم كان ذلك الصوت مخيفًا، وكنت خائفة حقًا وكنت بمفردي.

وما أستغربه هو أنّ رغبتي في مغادرة البلد قد اختفت. كنّا نواجه أزمات متراكمة قبل الانهيار. لطالما فكّرت في المغادرة لتحصيل شهادة الدكتوراه أو ربّما تمضية السنوات العشر الأولى من حياتي المهنية في الخارج وتوفير المال وعيش حياة لا أقلق فيها بشأن أصغر التفاصيل. إلا أنني اليوم أكثر تعلّقًا بهذا البلد لأنني أشعر وكأنني أخسره. 

آنّي: كم مرّة كنا نتحدّث أنا وأنتِ بينما كانت الكهرباء مقطوعة في منزلك؟ لا تحصى تلك المرات. أشعر بما يدفعني للمثابرة.  إلّا أنني أشعر بأن كلمة "الصمود" مبالغ فيها لأنها تشير إلى أنّه عليك المضي قدمًا في الوقت الذي يحقّ لك فيه أن تشعرين بالإحباط أو القلق بشأن وضع ما. 

 زينب: كما أن كلمة صمود تلطّف الأزمة بشكل من الأشكال. نجاتنا لا علاقة لها بصمودنا. بل يتطلّب الأمر جهدًا. 

آنّي: في خلفية هذا الانهيار بأكمله - وهذا المشروع التابع لوكالة "ذا نيو هيومانيتاريان" - تكمن ما يدعوه الكثيرون ثورة ١٧ تشرين الأول/أكتوبر، وهو اليوم الذي بدأت فيه الاحتجاجات الحاشدة عام ٢٠١٩.  ولعب تطبيق واتساب دورًا في هذه الاحتجاجات. في اليوم الأوّل الحافل من الاحتجاجات، كانت وسائل الإعلام تضخّم الأمور على الأرجح، ولكن قيل إن الناس خرجت للاحتجاج بسبب اقتراح فرض ضريبة على الاتصالات الجارية عبر واتساب. هلّا توضحين ذلك؟

زينب:  أرادوا فرض ضريبة ٦ دولارات على الاتصالات التي تُجرى عبر واتساب. يلجأ الناس إلى الاتّصال عبر تطبيق واتساب لأن شبكة اتصالاتنا هي من أغلى الشبكات في العالم. لذلك شكّلت إمكانية إجراء مكالمات طويلة بنفقة صغيرة مصدر عون. فإذا تمكّنت من الاتصال بشبكة واي فاي، يمكنك استعمال واتساب.

يُستعمل تطبيق واتساب مجانًا في جميع أنحاء العالم، ويريدون الآن في لبنان أن يفرضوا علينا رسمًا لاستعماله؟ كان من الصعب فهم الموضوع. لم تخرج الناس للاحتجاج على ٦ دولارات. ولكن كان الكيل قد طفح. هذا ما أثار حفيظة الناس. لدينا هذا المنفذ الصغير وتريدون سلبنا إياه؟ لا يحقّ لكم القيام بذلك.

آنّي: أرى حاليًا أن الكثيرين يستخدمون واتساب لطلب أشياء يحتاجون إليها، فعلى سبيل المثال، ثمّة نقص في الأدوية في الصيدليات. يطلبون أشياء محدّدة جدًا. ذُكر في مقالتنا أن أحدهم تلقّى رسالة من شخص يبحث عن حليب للأطفال. هل تتلقّين رسائل مماثلة؟

زينب:  بالطبع. ثمّة مجموعات للمساعدة في التوظيف أيضًا، ولا ينحصر الأمر في الأدوية. كل شيء، حتى الوقود. أي محطة تفتح أبوابها، وأيّها مغلقة. كما أنّ السوق السوداء تعمل على واتساب، فثمّة مجموعات لصرف الدولار. يُستخدم التطبيق لكل شيء، حتى لبيع الوقود بطريقة غير شرعية. 

آنّي: هذه إحدى الرسائل. يسأل باسل، "أين السوق السوداء؟ وكيف أصل إليها؟" قالها ممازحًا بالتّأكيد.

زينب:  ما أفضل رسالة لديك؟

آنّي:  يصعب اختيار واحدة. الرسائل من المصرف التي تتحدّث عن طول مدّة الانتظار. أعتقد أنّها تؤثّر بي بقوة إذ يمكنني أن أتخيّل ما يبدو عليه الأمر. أشعر بالإحباط في البنك، بالرّغم من أنني لا أعيش في أزمة اقتصادية. 

وأذكر تلك الرسالة التي يقوم فيها أحد أصدقاء عفاف بسؤالها عن أحوالها. وتقول إنّها استخدمت كلمة لم تستخدمها يومًا لتصف شعورها، وهي "أنا منهارة". أعتقد أنّ هذا يلخص الأمر. 

ما أفضل رسالة لديك؟

زينب: إنّها رسالة محمد عندما سأله أحدهم، "هل تحب بيروت؟"، وأجاب: "مطرح ما بتروح، بيروت هي الروح".

عندما قرأت تلك الرسالة أعجبت بها جدًا لأنّه فلسطيني. وضعهم في هذا البلد مأساوي. ولكنني فهمت شعوره. 

آنّي: ماذا تريدين أن يستنتجه القراء من هذه المقالة؟

زينب: أريد أن يشعر الناس هنا والأشخاص المرتبطون بلبنان بطريقة ما، بما في ذلك المغتربون، بأنّهم ليسوا وحدهم. لا يعانون وحدهم. لا أعني أن المعاناة أمر مقبول، ولكن من المريح أن نشعر أننا معًا في هذا الأمر. 

أريدهم أن يروا أن الفلسطينيين والسوريين والعمّال الأجانب الذين يعيشون في هذا البلد هم بشر أيضًا، وأنّهم يعانون أكثر منا على الأرجح لأنهم أقليات. 

أريدهم أيضًا أن يُدركوا أن هذا اللاجئ السوري أو الفلسطيني لا يشكّل سبب أزمتنا. لأنّ ذلك من الأخبار المتداولة بين الناس، أي أن أشخاصًا مثلهم يشكلون عبئًا على البلد. إلا أنّهم ليسوا مصدر هذه الأزمة، فهم يعانون من الأزمة مثلنا تمامًا.

ما يجمعنا أكثر ممّا يفرّقنا، وأكثر من الفروقات التي يحاول النظام السياسي أو كل ما حولنا التركيز عليها. لسنا مختلفين جدًا.  نحن مجرّد بشر نعاني معًا.

تحرير:  جوزفين شميدت