وكالات الإغاثة تكافح للوصول إلى المحتاجين في جمهورية أفريقيا الوسطى

تركت الفوضى التي وقعت في أعقاب الإنقلاب العسكري في جمهورية أفريقيا الوسطى نصف السكان البالغ عددهم 4.6 مليون نسمة بحاجة إلى المساعدة، حيث نزح ما يقارب 415,000 شخص بينما لايزال عدد لا يحصى من الأشخاص يعيشون في خوف بسبب العنف الطائفي المتزايد.

فقد استولت فرقة معظمها من المسلمين ومؤلفة من بضعة آلاف من المتمردين والمرتزقة الأجانب والمجرمين الذين أطلقوا على أنفسهم اسم "سيليكا"، أي تحالف، على الرئاسة، مما أدى إلى تنصيب ميشيل دجوتوديا، أول زعيم مسلم للبلاد، في مارس الماضي.

وعلى الرغم من حل هذه المجموعة رسمياً، إلا أنها لا تزال نشطة وتضخمت صفوفها لتصل إلى 25,000 عنصر، واتهم أفرادها بسلسلة من الانتهاكات، بما في ذلك التعذيب والاغتصاب والقتل وتجنيد الآلاف من الأطفال الجنود.

كما تم استهداف وكالات الإغاثة أيضاً، ففي سبتمبر، اتهم اثنان من عمال الإغاثة من وكالة التعاون التقني والتنمية (أكتد) بأنهم جواسيس بعد أن اكتشف مقاتلو سيليكا هواتفهم التي تعمل عبر الاقمار الصناعية في بلدة بشمال بوسانغوا. كما وردت أنباء أنهم تعرضوا للتعذيب حتى الموت. أما في العاصمة بانغي، فقد تم الاستيلاء على سيارات عمال الإغاثة تحت تهديد السلاح.

وقال أحد عمال الإغاثة الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مصرح له بالتحدث علناً ​​أن محاولة العمل بالقرب من أعضاء سيليكا السابقين يشابه لعب الروليت الروسية.

وأضاف قائلاً: "لا يوجد لديهم أي احترام للحياة. هم يقومون بالتدمير فقط".

وأفاد أن التقارير تفيد أن أحدث المجندين لدى المجموعة ما يقرب من 6,000 طفل تم تخديرهم قبل أن يتم إطلاقهم لارتكاب الفظائع والأعمال الوحشية. وقال: "لدينا الكثير من الأطفال هنا يتعاطون المخدرات. ويقومون بإطلاق النار والقتل دون الشعور بأي ذنب".

وقد دفعت الهجمات إلى ظهور جماعات الدفاع عن النفس التي أطلقت على نفسها اسم "مكافحة بالاكا"، أو "مكافحة المنجل". وتنتمي هذه الجماعات للأغلبية المسيحية في البلاد، وقد اتهمت أيضاً باستهداف المدنيين المسلمين العزل والمتمردين السابقين. وينضم إليهم أحياناً بعض العسكريين السابقين الموالين للرئيس السابق فرانسوا بوزيزيه.

وفي 6 ديسمبر وبعد مقتل نحو 100 شخص خلال 24 ساعة، دعت فاليري آموس، منسقة الأمم المتحدة لشؤون الإغاثة الطارئة، "جميع المتورطين في أعمال العنف حماية المدنيين وضمان سلامتهم، واحترام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان والسماح بحرية الوصول وبدون قيود للمنظمات المحايدة وغير المتحيزة لتقديم المساعدات الإنسانية بشكل آمن".

الاحتياجات الطبية هائلة

وتعد منظمة أطباء بلا حدود واللجنة الدولية للصليب الأحمر المنظمتين الوحيدتين اللتين تغامران باستخدام الطرق السريعة التي تنتشر فيها الجماعات المسلحة التي تشكك بشكل متزايد بحياد المنظمات الإنسانية.

وتدير منظمة أطباء بلا حدود عيادة في مستشفى بوسانغوا، كما أسست مؤخراً 10 نقاط صحية في مخيمين للنازحين، فعلى الرغم من معدلات المرض المثيرة للقلق، يخشى العديد من الناس السير على طول الطريق السريع لمسافة 200 متر لطلب المساعدة. 

وقالت هيذر تومسون، المنسق الطبي لمنظمة أطباء بلا حدود بلجيكا لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "خلال 14 يوم الأولى، عالجنا أكثر من 4,000 طفل دون سن الخامسة، وعدد قليل من البالغين، كما عالجنا 3,200 حالة ملاريا".

وتقول منظمة أطباء بلا حدود أن الملاريا هي القاتل الأكبر في هذه الأزمة، حيث تودي بصمت بحياة الآلاف المختبئين في الأدغال، وغالباً دون أن يمتلكوا أي غذاء أو مستلزمات. وعالج عمال الرعاية الصحية حوالي 95,000  شخص من الملاريا بين يناير وأكتوبر، في محيط بلدة بوجويلا شمال غرب البلاد، ولكن لا يمكن للمنظمة الآن الوصول إلى الأغلبية التي توارت عن الأنظار.

وقال بيتر بوكارت، اختصاصي حالات الطوارئ لدى منظمة هيومان رايتس ووتش أن "الأزمة الإنسانية التي تؤثر على أولئك الذين يعيشون في الأدغال شديدة وخاصة عندما يتعلق الأمر بالملاريا. فقد نهب مقاتلو سيليكا السابقون العديد من المستشفيات والصيدليات في جميع أنحاء الشمال – حيث وقع الكثير من هذه الحالات في سبتمبر - وتركوا مجتمعات بأكملها دون جرعة واحدة من الدواء".

وقال أنه في حين أن الوفيات الناجمة عن الملاريا "أكثر وضوحاً" بين النازحين، "إلا أن النهب الكامل لمعظم العيادات والصيدليات الريفية من قبل أعضاء سيليكا السابقين قد أدى أيضاً إلى وقف علاج فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز".

"ومع معدل انتشار فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز بنسبة 13.5 بالمائة بين البالغين، سوف يؤدي تعطل برامج الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية في جمهورية أفريقيا الوسطى بالكامل قريباً إلى إضافة المزيد إلى حصيلة الوفيات الناجمة عن الملاريا".

لا يزال انعدام الأمن يعرقل حجم ونطاق التدخلات الإنسانية في جميع أنحاء البلاد...علينا تحليل الوضع الأمني بشكل يومي

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن شقيقة إحدى الممرضات في عيادة في مدينة ندجو التجارية وتدعى بلاسيد ياميني، توفيت أختها الملاريا قبل 48 ساعة فقط من زيارة هيومان رايتس ووتش. ونقل على لسان ياميني قولها أن الناس "هنا يعيشون ويموتون مثل الحيوانات".

وقالت ياميني أيضاَ لمنظمة هيومان رايتس ووتش أن "فعالية الممرضة تعتمد على الحصول على الأدوية ... كنا نقوم برعاية أولئك الذين يتعايشون مع مرض الإيدز، ولكن بعد تدمير العيادة من قبل أفراد سيليكا السابقين في سبتمبر، لا يمكننا فعل أي شيء لهم. الكثير من الناس يعانون. والآن، لا أحد يتناول أدويته".

وقال تقرير صدر في سبتمبر بعد اجتماع مع رؤساء المنظمات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أن "جميع سكان جمهورية أفريقيا الوسطى البالغ عددهم 4.6 مليون نسمة متأثرون بالحالة الطارئة والمعقدة الحالية، وقد ازدادت الاحتياجات بشكل كبير".

وذكرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) الأسبوع الماضي أنه "يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى 1.3 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات غذائية طارئة بسبب الاضطرابات المدنية"، وهو ارتفاع من 1.1 مليون شخص الذي تم تسجيله قبل شهر.

التهديدات التي تتعرض لها المساعدات

ولكن الوصول إلى هؤلاء المحتاجين الكثر يطرح تحديات أمنية ولوجستية ومالية خطيرة لمنظمات الإغاثة العاملة في جمهورية أفريقيا الوسطى - والتي يتخذ الكثير منها من بانغي مقراً له، في حين أن المناطق الأكثر تضرراً هي في الأقاليم.

وقالت أيمي مارتن، رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في جمهورية أفريقيا الوسطى لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن السلطات الجديدة التي فرضت الأمر الواقع في البلاد لم تضع أي قيود على المكان الذي يمكن للمنظمات غير الحكومية الذهاب إليه. ولكن وكالات الأمم المتحدة فرضت قيوداً ذاتية نظراً لغياب سيادة القانون "والجماعات المسلحة التي لا تعرف عن المبادئ الإنسانية التي نعمل من خلالها أو احترام العاملين في المجال الإنساني، بما في ذلك تقديم المساعدة لجميع من يتأثر بالأزمة".

"لذلك نحن نكافح من أجل القيام بمهامنا وتقديم المساعدة في بيئة ينظر إلينا فيها على أننا نقدم المساعدة للناس بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو انتمائهم الديني".

وقال كريستيان مولامبا، مدير الرابطة الطبية الدولية (IMC) في الدولة أن هناك "تحديات كبيرة" لتقديم المساعدة.

وأضاف قائلاً: "لا يزال انعدام الأمن يعرقل حجم ونطاق التدخلات الإنسانية في جميع أنحاء البلاد...علينا تحليل الوضع الأمني ​​بشكل يومي".

"وقد أدى ذلك، إلى جانب غياب سيادة القانون والهجمات التي تقع ضد العاملين في المجال الإنساني وممتلكات المنظمات الإنسانية، إلى منع المساعدات المنقذة للحياة من الوصول إلى الأشخاص المحتاجين. وقد تأثرت الخدمات الاجتماعية الأساسية، مثل الرعاية الصحية والتعليم والمياه والصرف الصحي - والتي تعتمد إلى حد كبير على الوكالات الإنسانية - بشكل كبير نتيجة لذلك".

وقال بوكارت من منظمة هيومان رايتس ووتش لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن المنظمات الخيرية تواجه "تهديدات مستمرة لأمنها كما تواجه مستويات هائلة من احتياجات السكان النازحين"، مما يعني أن "الاستجابة الإنسانية اليوم تقتصر تقريباً على عواصم الأقاليم والمدن الكبرى"، في حين أن الغالبية العظمى من الناس تقطعت بهم السبل في المناطق النائية.

وقال بوكارت أن أعضاء البعثات البحثية التابعة لمنظمة هيومان رايتس ووتش التي قامت بها الشهر الماضي "كانوا بالفعل أول أشخاص تابعين لمنظمة إنسانية يصلون إلى بعض من هؤلاء السكان" بعد التغلب على "التحديات" اللوجستية والمفاوضات مع أفراد سيليكا السابقين وجماعات مكافحة بالاكا، الذين قاموا بإغلاق الطرق وهدم الجسور.

"لقد كان مستوى المعاناة الذي وجدناه مروعاً بكل تأكيد - وقد فقدت تقريباً جميع الأسر التي وجدناها بعض أفراد الأسرة بسبب أصابتهم بمرض الملاريا مؤخراً".

الاحتياجات الغذائية

ومع وقوع الكثير من أعمال العنف في المناطق الشمالية التي تعتبر سلة الغذاء في البلاد، من المتوقع ارتفاع  مستويات سوء التغذية بشكل كبير مع بدء موسم الجفاف.

ودعا حسينو تعال، ممثل برنامج الأغذية العالمي في جمهورية أفريقيا الوسطى "الجماعات المسلحة المختلفة إلى احترام حقوق المدنيين وتوفير الوصول  الإنساني لموظفينا لتقديم المساعدة إلى من هم بحاجة ماسة إليها".

واكتشفت الرابطة الطبية الدولية التي تعمل في الأقاليم الشرقية، مؤخراً أن معدل سوء التغذية في بعض أجزاء من ولاية هوت كوتو "وصل إلى 15.8 بالمائة، وهو ما يصنف على أنه "مستوى حرج" وفق تصنيفات منظمة الصحة العالمية.

وقالت لورا جيبسون مسؤولة الاتصال في الرابطة الطبية الدولية أنه "علاوة على ذلك، فإن الأزمة أثرت على علاج الأطفال المصابين بسوء التغذية نظراً لانعدام الأمن الذي أعاق وصول المنظمات الإنسانية ونقل الإمدادات الغذائية الحيوية".

وكانت المناطق التي لا توجد فيها مراكز صحية تعتمد على مستشفى بريا، التي تبعد 40 كيلومتراً، مع وجود وحدتين صحيتين متنقلتين تابعتين للرابطة الطبية الدولية تحاول تغطية 11 مجتمعاً محلياً أو 18,000 شخص.

عدم كفاية التمويل

وقالت لورا فولتانج، مسؤولة الإعلام في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن المناشدة الموحدة التي أطلقتها الأمم المتحدة"، حصلت على تمويل بنسبة تقل عن 50 بالمائة من المبلغ المطلوب، وبالتالي فإن الحصول على المزيد من التمويل أمر حاسم لتمكين المجتمع الإنساني من تقديم المساعدة المنقذة للحياة".

وقد ساعد برنامج الأغذية العالمي 250,000 شخص منذ يناير وحتى الآن، ولكنه يواجه عجزاً مقداره 20 مليون دولار.

وقال مولامبا من الرابطة الطبية الدولية: "حتى قبل الاضطرابات السياسية الأخيرة، انخفضت خدمات الرعاية الصحية إلى مستوى أقل بكثير من احتياجات السكان. وقد فاقمت الأزمة الاخيرة هذا الوضع المتردي أصلاً حيث تم نهب وتخريب المرافق الصحية؛ وأدى توقف قنوات الإمداد إلى نقص في الإمدادات الصحية والأدوية الأساسية، كما سبب انعدام الأمن إلى منع موظفي الرعاية الصحية والمرضى من الوصول إلى المرافق الصحية".

يعتبر أي رجل [محلي] يسافر من هذه المناطق المتضررة من الحرب من خلال نقاط التفتيش التابعة لأفراد سيليكا السابقين أحد أفراد جماعات مكافحة بالاكا، ويواجه، في أفضل الأحوال الاعتقال، وفي أسوأ الأحوال، الإعدام الفوري 

واعترف الرئيس دجوتوديا مؤخراً لقناة الجزيرة أنه لا يستطيع السيطرة على مقاتلي سيليكا السابقين. وفي 5 ديسمبر، قرر تمديد حظر التجول لسكان بانغي أربع ساعات، بعد ليلة من الاشتباكات التي قتل فيها العشرات رمياً بالرصاص أو بالسلاح الأبيض، ويمتد حظر التجول الآن من الساعة 6 مساءاً حتى 6 صباحاً. وتلتزم معظم وكالات الإغاثة بالفعل بحظر التجول بدءاً من  الساعة 5:30 مساءاً. 

ولكن دجوتوديا تجاهل تحذيرات من أن العنف في البلاد قد يتحول إلى عمليات إبادة جماعية، مدعياً أن عشرات الآلاف من الأشخاص قد لجؤوا إلى بعثة بوسانغوا الكاثوليكية فقط للحصول على الطعام والماء مجاناً.

في الوقت نفسه، يفر الناس من العنف المتصاعد، الذي يصاحبه تدمير ونهب للمنازل على طول الطريق التي يبلغ طولها 150 كيلومتراً من بوسانغوا إلى بانغي. وقال مولامبا أن "احتياجات السكان المتضررين من النزاع تستمر في التزايد، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين يختبئون في الأدغال ممن لا تتوفر لديهم فرص كافية للحصول على المأوى والغذاء والماء، ويتعرضون للملاريا والمزيد من الهجمات من الجماعات المسلحة".

ولكن بوكارت قال أن "النهج الراهن الذي تطبقه المنظمات الإنسانية لا يصل إلى مئات الآلاف من الناس الذين يختبئون فزعاً في الأدغال قرب قراهم - وهذا خلل خطير يحتاج إلى معالجة عاجلة".

وأضاف قائلاً: "يريد الناس الذين يعيشون في الأدغال البقاء قريباً من حقولهم، حيث يتوفر لديهم الغذاء من الأرض، ولا يمكن أن نتوقع أن يقوم جميعهم بحمل أمتعتهم الهزيلة والقيام بالرحلة الخطيرة إلى المدن الكبيرة. نحن بحاجة إلى الوصول إليهم وتقديم الإمدادات الإنسانية الحيوية، وخاصة الدواء". وقد مكثت بعض الكوادر الطبية المحلية مع السكان ولكن هناك حاجة للإمدادات واللوازم الطبية التي لا يمكن توفيرها إلا من قبل عمال الإغاثة الدوليين.

واستطرد قائلاً: "يعتبر أي رجل [محلي] يسافر من هذه المناطق المتضررة من الحرب من خلال نقاط التفتيش التابعة لأفراد سيليكا السابقين أحد أفراد جماعات مكافحة بالاكا، ويواجه، في أفضل الأحوال الاعتقال، وفي أسوأ الأحوال، الإعدام الفوري".

hm/rz-aha/dvh