مصر: جدل حول أثر التغير المناخي على النيل

يتمثل أحد السيناريوهات التي وضعها علماء المناخ في أن تتسبب ظاهرة الاحتباس الحراري في مصر في تسريع تبخر مياه النيل وبالتالي خفض موارد المياه العذبة، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى تفاقم النقص الحاد الذي تعاني منه البلاد في مجال مياه الشرب والري وتوليد الطاقة الكهربائية.

ويمكن أن يكون لمثل هذا السيناريو عواقب اجتماعية واقتصادية وخيمة، تتمثل إحداها في عجز مصر عن إطعام شعبها البالغ عدده حوالي 80 مليون نسمة.

غير أن توقعات الخبراء تبقى متناقضة، فهم غير متأكدين ما إذا كان للتغير المناخي مثل هذا الأثر السلبي على النيل، إذ يقولون أن مصر تواجه تحديات ضخمة فيما يخص إدارة الموارد المائية وذلك بسبب الضغط السكاني الكبير وتزايد الطلب على المياه والكهرباء. ولكن من غير الواضح كيف سيؤثر التغيرالمناخي على جريان النيل. كما أن الخبراء يرون أنه لا بد من تقييم مواقع التأثير الرئيسية.

وفي هذا الإطار، أفادت نهلة أبو الفتوح من مركز البحوث الاستراتيجية التابع للمركز القومي لبحوث المياه في القاهرة أن الدراسات العلمية جاءت بعدة سيناريوهات متناقضة حول توفر مياه النيل في المستقبل نتيجة الاحتباس الحراري وتغيرات الدورات الهيدرولوجية للأرض.

وقالت نهلة: يرى بعض الخبراء بأن النيل سيشهد ارتفاعاً في مياهه نتيجة تساقط المزيد من الأمطار على الهضبة الإثيوبية، في حين يرى آخرون أن المياه ستنخفض نتيجة عملية التبخر. وإلى الآن، لم يتم إجراء أية دراسة لتحديد الأثر الفعلي والدقيق للتغير المناخي على وفرة مياه النيل. فكل ما تم نشره إلى الآن هو مجرد توقعات".

وكان تقرير صادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في عام 2004 قد أفاد أن ارتفاع الحرارة درجة مئوية واحدة فقط قد يؤدي إلى التبخر وبالتالي خفض مياه النيل، متوقعاً أن ترتفع نسبة التبخر بحوالي 4 بالمائة مقابل ارتفاع الحرارة درجة مئوية واحدة.

ووفقاً لمحمد الراعي، أستاذ الدراسات البيئية في جامعة الإسكندرية، يتنبأ جزء كبير من الدراسات بنسبة انخفاض في وفرة مياه النيل تصل إلى 70 بالمائة، في حين تتوقع بعض الدراسات الأخرى أن يرتفع منسوب مياه النيل بنسبة 25 بالمائة مقارنة بالمستويات السنوية الحالية بسبب تغير أنماط تساقط الأمطار.

تأثر مصر بالتغير المناخي

ويوفر النيل 95 بالمائة من إجمالي المياه التي تحتاجها مصر للري والأنشطة الصناعية والاقتصادية. ويتركز معظم السكان في الجزء الضيق الممتد على طول النيل وفي دلتا الساحل. وبالرغم من أن الدلتا لا تشكل سوى 2.5 بالمائة من مساحة مصر إلا أنها تأوي أكثر من ثلث سكان البلاد.

ولذلك تبقى البلاد عرضة لأية تأثيرات سلبية للتغير المناخي على وفرة المياه في المناطق الساحلية وفي النيل.

الحاجة إلى منهجيات متطورة


الصورة: ويكيميديا
خريطة توضح مسار النيل عبر مصر

وتظهر النتائج المثيرة للجدل أن هناك حاجة لتطوير منهجيات هيدروليكية متطورة ووضع سياسة عمومية مناسبة لتقييم حجم أي تأثير للتغير المناخي على مجرى النيل.

وفي محاولة منه لسد الفجوة في المعلومات، قام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع المركز القومي لبحوث المياه ووزارة المياه والري المصرية بتطوير برنامج كمبيوتر لدعم القرارات المتعلقة بالموارد المائية، والذي بإمكانه وضع مجموعة من سيناريوهات التغيرات المناخية لحوض النيل مما سيساعد في تحسين تخطيط وإدارة الموارد المائية.

وقد أوضح محمد بيومي، وهو خبير بيئي ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أنه سيتم استعمال هذا البرنامج "لتطوير التوقعات المستقبلية والحصول على صورة واضحة حول كيفية استعمال الموارد المائية. فعند حدوث أسوأ الاحتمالات وإذا حصل انخفاض أو ارتفاع في منسوب مياه النيل، سنكون على استعداد لذلك وسنعرف ما يتوجب علينا فعله".

إجراءات الطوارئ

وبينما تستمر الشكوك حول كيفية تأثير التغير المناخي على منسوب مياه النيل سواء عبر التبخر أو تغير أنماط تساقط المطر، تم اقتراح العديد من سياسات وإجراءات التأقلم للحد من أي خطر ناجم عن النقص الحاد في المياه.

وتصف الخطة الوطنية للموارد المائية التي وضعتها وزارة المياه والري كيفية تطوير البلاد لموارد مائية إضافية وتنفيذ استراتيجية فعالة لإدارة المياه وحماية الصحة العامة والبيئة.


الصورة: ويكيميديا
لم يتم القيام بأية دراسة لتحديد تأثير التغير المناخي على وفرة مياه النيل

وتشمل الاقتراحات المقدمة من قبل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تحسين تقنيات تجميع مياه الأمطار وزيادة استخراج المياه الجوفية وإعادة تدوير المياه وتحليتها وتحسين الوصول إلى احتياطي المياه.

وقالت نهلة أبو الفتوح من المركز القومي لبحوث المياه لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه "لم يقم أي من بلدان حوض النيل بإجراء بحوث جدية حول آثار التغير المناخي، إذ تأتي كل البحوث والمبادرات من البلدان والمؤسسات الغربية. ولكننا [في مصر] نخطط لبدء تحقيقات معمقة للوصول إلى الإجراءات اللازمة للحد من تهديد التغير المناخي".

وفي نفس الوقت، أفاد محمود بيومي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنه يتم حالياً تطوير نماذج ستلقي الضوء على تبخر مياه النيل وأنماط التساقطات في المرتفعات الإثيوبية وبحيرة فيكتوريا. وجاء في قوله: "نقوم بتطوير نماذج إقليمية ستمنحنا توقعات أشمل حول أنماط التساقطات ووفرة مياه النيل. ولكن ليس هناك أي جواب بعد. ففي الوقت الحالي كل شيء هو مجرد توقعات علمية".

"