التعامل مع الجفاف يتطلب خططاً تنموية سليمة

يتطلّب تصميم سياسة فعالة للاستجابة للجفاف أكثر من مجرد توظيف خبراء في الأرصاد الجوية والزراعة. ولذلك دعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية علماء الاجتماع وخبراء الاقتصاد إلى الاجتماع الرفيع المستوى الذي أقيم في الفترة من 11 إلى 15 مارس حول السياسات الوطنية للجفاف. ويقوم الوزراء وغيرهم من المسؤولين خلال هذا الاجتماع بوضع الإطار الذي يمكن للبلدان أن تتكيف معه وتصيغه بما يتناسب مع استخداماتها الخاصة.

وشدد الاجتماع على ضرورة اتباع نهج متعدد القطاعات. فالجفاف يؤثر على كل المجتمع، من الزراعة إلى الصناعة. كما تعتمد إمدادات المياه والكهرباء والدخل والغذاء لسكان القرى والمدن على كمية الأمطار التي تتساقط على بلادهم.

ويؤدي الجفاف إلى مصرع ونزوح أعداد هائلة من الأشخاص، فتأتي نتائجه أكبر بكثير من تلك التي تؤدي إليها الفيضانات والأعاصير والزلازل مجتمعة، ما يجعله الكارثة الطبيعية الأكثر تدميراً في العالم، وفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية. وقال ميشيل جارو، الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية أنه من المتوقع أن تزداد شدة الجفاف وتواتره مع تغير المناخ في العالم.

من جهة أخرى، قال روبرت ستيفانسكي، رئيس قسم الأرصاد الجوية الزراعية في المنظمة، أنه "في غياب السياسات الوطنية لمكافحة الجفاف، ستستمر الدول في الاستجابة للجفاف بطريقة رد الفعل، أو، بعبارة أخرى، ستبقى دائماً في وضع إدارة الأزمات". لكن الهدف هو أن تتمتع البلدان بالقدرة على الصمود، بدلاً من أن تعتمد بالكامل على الإغاثة لمواجهة الجفاف. وبطبيعة الحال، ستكون الإغاثة إحدى طرق [التعامل مع الجفاف] لكن لا ينبغي أن تكون الطريقة الوحيدة التي تلجأ إليها البلدان بغية التعامل مع حالات الجفاف أو الكوارث الأخرى."

وقد تفاقمت الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للجفاف في جميع أنحاء العالم بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، يتوقع البنك الدولي أن يحدث جفاف شديد مرة كل 25 عاماً في ملاوي، الأمر الذي يمكن أن يزيد من الفقر بنسبة 17 بالمائة، لاسيما وأن هذه الكارثة تضرب المجتمعات المحلية الريفية الفقيرة بشكل خاص. وفي الهند، أدت الخسائر الناجمة عن الجفاف التي سُجلت بين عامي 1970 و2002 إلى خفض الدخل السنوي للأسر المتضررة بنسبة 60 الى 80 بالمائة.

التنمية السليمة

من جهة أخرى، قال أنانثا كومار دريابا الذي يرأس البرنامج الدولي للأبعاد البشرية للتغير البيئي العالمي، أن السياسة الوطنية الناجحة للتعامل مع الجفاف هي سياسة تنمية وطنية ناجحة. فأهداف سياسة التعامل مع الجفاف وسياسة التنمية هي ذاتها: وهي جعل السكان والأنظمة قادرين على الصمود بشكل كافٍ أمام الجفاف - أو الصدمات الأخرى – مع الاستمرار في تحقيق النمو.

وقال باي ماس تال، السكرتير التنفيذي لمجلس وزراء المياه الأفارقة، الذي كان على رأس المناقشات الأفريقية حول عناصر السياسة الجيدة للتعامل مع الجفاف، أن الأمر يتعلق بتحقيق التنمية المستدامة بالطريقة الصحيحة.

وأضاف تال الذي شغل منصب وزير مصائد الأسماك والموارد الطبيعية في غامبيا حتى سنوات قليلة مضت: "تتمثل سياسة مواجهة الجفاف بإدارة متكاملة للأراضي والمياه، التي تتمثل بدورها في الاستخدام المستدام للمياه والأراضي. يتعلق الأمر أيضاً بجميع القطاعات الأخرى التي تعمل معاً، مثل الصحة والاقتصاد. فهذه لم تعد مجرد قضية بيئية أو زراعية."

ويمكن أن يكون للجفاف في منطقة رئيسية منتجة للأغذية تداعيات أوسع على المستوى العالمي. ويظهر ذلك في الجفاف الذي ضرب الولايات المتحدة في عام 2012، والذي دفع أسعار الحبوب الأساسية إلى مستويات قياسية، فأثر ليس فقط على حصول الناس على الغذاء في كثير من البلدان ولكن على اقتصادات بلدان عدة كذلك.

وقال دونالد ولهايت، الذي يدرس علم المناخ التطبيقي في جامعة نبراسكا، والذي ألقى كلمة الافتتاح في اليوم الأول للاجتماع، أنه ينبغي ربط السياسة الوطنية لمواجهة الجفاف "بخطط التنمية وسياسات المياه الوطنية، إن وجدت. وتنطوي هذه العملية على بناء القدرات المؤسسية في مجالات عديدة".

وقد وضعت العديد من البلدان أنظمة للإنذار المبكر للتنبؤ بالجفاف. لكن لا قيمة لنظام الإنذار المبكر "في غياب آلية لإشراك صناع القرار على جميع المستويات والقدرات المؤسسية من أجل توصيل التحذيرات في الوقت المناسب."

كما ينبغي أن تتجاوز المشاركة نطاق القطاعات.

وقال سيدارت تشاترجي، من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، أنه "بما أن حالات الجفاف تؤثر على الركائز الثلاث للتنمية المستدامة - الاقتصادية والاجتماعية والبيئة"، ستتطلّب الحكومات إطاراً "لصياغة سياسة وطنية للجفاف خاصة بكل بلد". كما سيكون عليها تأمين توازن "بين نهج من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى، مع إبقاء الفئات الضعيفة من السكان في إطار تركيزها"، من خلال التشاور مع المجتمع المدني مثلاً.

من أسفل إلى أعلى

وقال جدعون غالو، وهو عالم يعمل مع شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET)، أن "المناخ بات متغيراً بشكل متزايد، ما يزيد من صعوبة التخطيط للاستجابة. وقد بدأت شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة، والتي توفر بيانات الإنذار المبكر لمعظم البلدان في أفريقيا، بتقديم السيناريوهات المحتملة للحكومات ووكالات الإغاثة لمساعدتهم على التخطيط.

أما هيلاري موتسيري، المسؤولة في مجال الأمن الغذائي في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، فتقول أن هطول الأمطار قد يختلف من قرية إلى قرية، "وعلينا أن ندعو المجتمعات للمشاركة في المشاورات بشأن سياسة مواجهة الجفاف لتحديد احتياجاتهم."

كما تملك المجتمعات معرفة الشعوب الأصلية وآليات التكيف التي يجب تعزيزها والارتكاز عليها. "لا يمكنك أن تسلمهم أدوات قياس الأمطار لمراقبة هطول الأمطار – فلدى العديد منهم طرقه الخاصة لقياس الأمطار، كما أنهم احتفظوا في الماضي باحتياطيات الحبوب المحلية".

وأفاد بعض المشاركين في المؤتمر أن استراليا - هي واحدة من البلدان القليلة التي وضعت سياسة لمواجهة الجفاف منذ تسعينيات القرن الماضي بسبب مواجهتها تقلبات مناخية متزايدة، قد التزمت بإصلاحات كبرى. تعتزم استراليا الآن تقديم حزمة ثابتة من تدابير شبكات الأمان للمزارعين والمجتمعات المحلية الريفية المعرضة للجفاف. وكانت البلاد في السابق تضع التدابير اللازمة بعد الإعلان عن حالة الجفاف.

وتقدم هذه الحزمة الدعم التقني للمزارعين وأسرهم وخطة للخروج إذا ما رغبوا في ترك مجال الزراعة وتهدف إلى جعلهم قادرين على الصمود دون الاعتماد على دعم الحكومة.

وقال تال أنه في نهاية المطاف، يتعين على البلدان أن تقرر ما هو الأفضل بالنسبة لها. "ولكن جعل الناس يفكرون خارج نطاق قطاع عملهم وإدارة سياسة فعالة لمواجهة الجفاف سيكون بمثابة تحدٍ صعب للغاية. فتحقيق هذا يتطلب إرادة سياسية هائلة وعالية".

jk/rz-bb/dvh

"