إسرائيل - الأرض الفلسطينية المحتلة: مساعدة الأطفال المعتقلين السابقين على التكيف مع الصدمات

 بعد عام من اعتقاله واحتجازه من قبل الجيش الإسرائيلي في بيت لحم، يتردد حمزة، وهو شاب فلسطيني يبلغ من العمر 17 عاماً ويقيم في الضفة الغربية، على أخصائي اجتماعي في محاولة للتغلب على الصدمة التي تعرض لها في الزنزانة الصغيرة كان يتقاسمها مع 10 أشخاص آخرين.

وأخبر حمزة شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أثناء انتظاره للأخصائي الاجتماعي في مكتب جمعية الشبان المسيحية (YMCA) في بيت ساحور أنهم "عصبوا عيني وقيدوا يداي معاً، وأخذوني إلى السجن في سيارة تابعة للجيش. كنا 10 أشخاص في زنزانة صغيرة، وظلوا يسألونني عدة مرات كل يوم عن السبب الذي دفعني إلى إلقاء الحجارة".

عندما تم اعتقال حمزة قبل نحو سنة، كان يبلغ من العمر 16 عاماً. وأضاف أن "المستوطنين كانوا يقفون خارج مدرستنا ومن ثم اندلعت الاشتباكات. أنا كنت ألقي الحجارة وتم القبض علي...خلال فترة اعتقال دامت 4 أشهر ونصف، لم يُسمح لي برؤية عائلتي مرة واحدة، وعندما خرجت من السجن، لم أكن أعرف من أين أبدأ".

ويعتبر الحبس لأشهر طويلة بعيداً عن الأهل والأصدقاء تجربة قاسية بالنسبة للعديد من المعتقلين السابقين من الأطفال، وفقاً لجمعية الشبان المسيحية التي تدير برنامجاً لإعادة تأهيل الأطفال المعتقلين السابقين في مرحلة ما بعد الصدمة النفسية منذ مايو 2009، بدعم من منظمة إنقاذ الطفولة السويدية ودائرة المساعدات الإنسانية التابعة للمفوضية الأوروبية (ECHO).

وتحتجز إسرائيل كل عام ما بين 500 و700 طفل فلسطيني من الضفة الغربية تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاماً وتحاكمهم في المحاكم العسكرية الإسرائيلية بتهم تتعلق بإلقاء الحجارة في أغلب الأحيان. وهو ما علق عليه نادر أبو عمشة، مدير برنامج التأهيل في بيت ساحور، بقوله أن "هؤلاء الأطفال يقضون أوقاتاً مؤلمة للغاية، وغالباً ما يجافيهم النوم ويتعرضون للإهانة ويرغمون على الاعتراف بأنهم فعلوا شيئاً خاطئاً".

تقرير جديد

ويدعم تقرير جديد صادر عن المجموعة الدولية للدفاع عن الأطفال - فرع فلسطين (DCI-Palestine) تقييم أبو عمشة، مشيراً إلى سوء معاملة الفلسطينيين القُصَّر في مراكز الاحتجاز العسكرية الإسرائيلية على نطاق واسع، مما يعزز المخاوف القديمة بشأن التعذيب وسوء المعاملة.

"يخضع معظم الأطفال لاستجوابات قسرية تمتزج فيها الشتائم والتهديدات والعنف الجسدي، مما يؤدي عادة إلى اعتراف،" حسب ما جاء في تقرير صادر عن المنظمة تحت عنوان "مقيدون ومعصوبو الأعين ومدانون: أطفال رهن الاعتقال العسكري".

واستناداً إلى شهادات 311 من الأطفال المعتقلين السابقين، وجدت منظمة الدفاع عن الأطفال الدولية - فرع فلسطين أن 75 بالمائة منهم يشكو من العنف الجسدي. وكان من بين 311 طفلاً أجريت معهم مقابلات، 116 طفلاً تراوحت أعمارهم بين 14 و15 عاماً في وقت الاحتجاز، في حين تراوحت أعمار معظم الـ 75 بالمائة بين 16 و17 عاماً.

ومن جانبها، قالت جين غوف، الممثل الخاص لليونيسيف في الأرض الفلسطينية المحتلة، أنه "وفقاً لاتفاقية حقوق الطفل، لا ينبغي احتجاز الأطفال إلا كملاذ أخير ولأقصر فترة زمنية ممكنة".

غير أن الجيش الإسرائيلي يرفض مثل هذه الانتقادات، ويشير إلى الأخطار النابعة من راشقي الحجارة الفلسطينيين.

"هناك شيء واحد واضح: الكثير من راشقي الحجارة لا يدركون الخطر الذي يشكلونه في بعض الحالات، فالأحجار تقتل الناس بالفعل،" كما جاء في تصريح الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، اريه شاروز شاليكار، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، في إشارة إلى مقتل رجل إسرائيلي وطفله الذي كان يبلغ من العمر سنة واحدة في العام الماضي أثناء حادث سير وقع بسبب حجر أُلقي على سيارته بالقرب من مستوطنة كريات أربع الإسرائيلية، التي تقع على مقربة من الخليل، حسب تحقيقات الشرطة الإسرائيلية.

وأضاف شاليكار أن "كل هؤلاء المراهقين ليسوا رماة حجارة فقط؛ فبعضهم يواجه اتهامات بارتكاب جرائم أكثر خطورة،" دون تحديد هذه الجرائم.

إعادة التأهيل

يقول مسؤولو جمعية الشبان المسيحية أنه عندما يتم الإفراج عن الأطفال أخيراً بعد أشهر طويلة من الاعتقال، غالباً ما يواجهون عقبات خطيرة تعوق عودتهم إلى الحياة الطبيعية. لذا تقدم برامج إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي بعض الاجابات وتساعد الأطفال المعتقلين السابقين على التغلب على التجربة المخيفة التي تعرضوا لها خلال الاحتجاز.

وأفاد أبو عمشة أن "الأطفال بعد الإفراج عنهم لا يذهبون إلى المدرسة أو العمل في كثير من الأحيان؛ بل تجدهم نائمين طوال اليوم، ومفتقرين للطاقة".

وكان حمزة، البالغ من العمر 17 عاماً، قد تعرض لتجربة مماثلة بعد الإفراج عنه. وهو يتحدث عنها قائلاً: "كنت محبطاً جداً بسبب ما حدث، ولم أكن أريد تناول الطعام، وكنت أفتقر لأي حافز يدفعني إلى مغادرة المنزل. شعرت بالغضب وكنت متعباً في نفس الوقت".

وحسب أبو عمشة، يتلقى حوالي 350 طفلاً الدعم النفسي والاجتماعي من قبل برنامج إعادة التأهيل في جمعية الشبان المسيحية كل عام. ويتم تنفيذ المشروع في 11 منطقة بالضفة الغربية، وهو يجمع بين الاستشارة النفسية والدعم المهني وأنشطة التنفيس المنظمة، التي تم تصميمها بحيث تسمح للمشاركين بالتنفيس عن التوتر والقلق من خلال التفاعل الموجه مع المعتقلين السابقين الآخرين والمستشارين.

وأضاف أن "أحد أجزاء برنامجنا يتمثل في مساعدة المراهقين في العثور على عمل، وبدعم من مشورتنا، يحددون نوع العمل الذي يهتمون بأدائه".

وأشار أبو عمشة أيضاً إلى أن أحد أجزاء التدريب المهني يتمثل في تعريف المعتقلين السابقين بمواطن قدراتهم البدنية والعقلية، مضيفاً أنه بمجرد اتخاذ هذه الخطوة، تقوم جمعية الشبان المسيحية عادة بتقديمهم إلى أرباب عمل وصناعات محددة.

من جهته، قال معاذ، وهو شاب فلسطيني يبلغ من العمر 19 عاماً وكان قد تعرض للاعتقال من قبل قوات الأمن الإسرائيلية لمدة ثمانية أشهر عندما كان عمره 17 عاماً: "عندما خرجت من السجن، لم أكن عرف من أين أبدأ، ولكن بمساعدة جلسات المشورة، تمكنت من العودة إلى المسار الصحيح وبدأت أعمل ككهربائي".

علاج الصدمات النفسية

يكمن العلاج النفسي في صميم برنامج إعادة التأهيل التابع للجمعية، وهو يرمي إلى التخفيف من حدة الصدمات النفسية التي يعاني منها الأطفال الذين سبق اعتقالهم. إذ "يعاني العديد منهم من اضطرابات ما بعد الصدمة وكوابيس متكررة. ويجب التعامل مع كل هذه الأعراض"، حسب أبو عمشة.

وأضاف أبو عمشة أن المراهقين بعد الإفراج عنهم من المعتقلات، غالباً ما يشعرون بأنهم أكثر نضجاً مما هم عليه في الواقع، وهذا يسبب توترات متكررة داخل أسرهم، التي تميل إلى الإفراط في حماية الأطفال المفرج عنهم حديثاً.

وأشار أيضاً إلى أن "بعض الأطفال يتحدثون عن أنفسهم كما لو كانوا أبطالاً لأحد الأفلام، دون أن يدركوا أو يعترفوا بمدى التأثير الفعلي لهذه التجربة برمتها عليهم".

ha/eo/cb-ais/amz