تحليل: إعادة النظر في قواعد الحرب في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة

 في أعقاب تزايد العنف بين الجيش الإسرائيلي ومسلحين في قطاع غزة، تطرح التهديدات الإسرائيلية بتنفيذ هجوم ثاني واسع النطاق على الأرض الفلسطينية المحتلة أسئلة ملحة تتعلق بالقانون الإنساني الدولي:

كيف يمكن حماية المدنيين بشكل أفضل خلال حرب المدن؟ هل يحتاج القانون الإنساني الدولي إلى تعديل نظراً لعدم وضوح الخط الفاصل بين المدنيين والمقاتلين، وخاصة في أماكن مثل غزة؟

يقول المسؤولون العسكريون الإسرائيليون أن العديد من القواعد الإنسانية غير ملائمة لمحاربة المسلحين في قطاع غزة المكتظ بالسكان ويشيرون إلى أن الواقع الحالي هناك يجعل من الضروري إعادة النظر في القانون الإنساني الدولي.

وفي مؤتمر عقد مؤخراً في تل أبيب بهدف إيجاد حلول لبعض التحديات التي تفرضها حرب المدن على الممارسات العسكرية في الميدان، قال الفيلسوف الإسرائيلي عسا كاشر الذي كتب النسخة الأولى من قواعد سلوك قوات الدفاع الإسرائيلية أن "القانون الدولي ليس تجسيداً للأخلاق. فنحن نحتاج إلى قواعد مختلفة تنطبق على جيشنا الذي يواجه الإرهابيين في مناطق مكتظة بالسكان".

وقد لقى هذا الموقف معارضة قوية من اللجنة الدولية للصليب الأحمر المكلفة برصد امتثال الأطراف المتحاربة للقانون الإنساني الدولي. وتقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن اتفاقيات جنيف بشأن قوانين الحرب تنطبق أيضاً على النزاعات غير المتماثلة في المناطق الحضرية.

ويعتبر هذا السؤال ذو صلة بالواقع بشكل متزايد نظراً لتصريحات المسؤولين العسكريين الإسرائيليين بأنه من الحتمي شن هجوم مماثل لعملية الرصاص المصبوب التي استمرت لمدة 23 يوماً وأسفرت عن مقتل مئات من المدنيين الفلسطينيين في 2008-2009.

وقال دان هاريل نائب رئيس هيئة أركان جيش الدفاع الإسرائيلي السابق أثناء المؤتمر: "ليس هناك شك في أن القتال سيندلع في غزة وربما في وقت سابق لتوقعاتنا. وفي كل مرة سيكون القتال أكثر صعوبة".

وقد تزامنت ملاحظاته مع تصاعد أعمال العنف في غزة في الآونة الأخيرة، حيث أسفرت الغارات الجوية الإسرائيلية عن مقتل مدني واحد على الأقل وجرح آخرين في بداية ديسمبر، في حين قام مسلحون من قطاع غزة بإطلاق العديد من الصواريخ على الأراضي الإسرائيلية.

ما الذي يحدد "المشاركة المباشرة"؟

على الرغم من أن القانون الدولي يحظر استهداف المدنيين، إلا أن هاريل دافع عن المغامرات العسكرية الإسرائيلية في غزة في الماضي، مشيراً إلى التحديات التي يفرضها القتال في مناطق حضرية مكتظة.

وتساءل هاريل أثناء المؤتمر الذي استضافه معهد دراسات الأمن القومي قائلاً "كيف يمكننا التمييز بين مجموعات المدنيين والجماعات المسلحة في شارع مزدحم وخاصة عندما لا يرتدي المسلحون زياً رسمياً؟ كيف يمكننا تجنب قتل المدنيين في المناطق الحضرية عندما يقوم مسلحو حماس بالاختباء بين المدنيين؟"

وقد نفت حماس، وهي الحركة المسلحة التي تحكم قطاع غزة، الاتهامات بأنها استخدمت المدنيين كدروع بشرية، ولم يجد تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق حول النزاع في غزة - الذي اتهم كل من إسرائيل وحماس بارتكاب جرائم حرب - أي دليل على أن حماس تجبر المدنيين على البقاء في المناطق التي تتعرض للهجوم.

وقال كنوت دورمان رئيس القسم القانوني في اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف أن أي استخدام لما يسمى "بالدروع البشرية" يعتبر جريمة حرب بموجب القانون الإنساني الدولي. ولكن الدروع البشرية الطوعية يمكن فقط اعتبارهم مشاركين مباشرين في الحرب "إذا شكلوا عقبة مادية أمام إحدى العمليات العسكرية".

واعترف بأن تلك الفكرة معرضة للجدل المستمر. فلا اتفاقيات جنيف ولا بروتوكولاتها الإضافية تقدم تعريفاً واضحاً لما يمثل المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية المسلحة. ولكن طبقاً لتفسير اللجنة الدولية للصليب الأحمر للقانون الإنساني الدولي، فإن المشاركة المباشرة تشمل فعلاً يحتمل أن يلحق الضرر أو يؤثر على العمليات العسكرية وأن تكون هناك علاقة سببية مباشرة بين الفعل والضرر المحتمل حدوثه، كما يجب أن يكون الفعل مصمماً خصيصاص لإحداث الضرر المباشر بغرض دعم أحد طرفي النزاع على حساب الطرف الآخر.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن المدنيين يفقدون الحق في الحماية من الهجوم المباشر خلال مدة كل فعل محدد يرقى إلى درجة المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية، وفي حالة الشك في ما إذا كانوا مقاتلين، يجب افتراض أنهم يتمتعون بحماية من الهجوم المباشر إلى أن يتم تحديد وضعهم.

التطبيق المعقد للقانون الإنساني الدولي

ولكن تطبيق القانون الإنساني الدولي في سياق النزاع بين إسرائيل وغزة أمر شديد التعقيد لأنه لا يندرج بسهولة تحت تصنيفات محددة للنزاع المسلح الدولي وغير الدولي.

فعلى الرغم من غياب القوات الإسرائيلية على الأرض تعتبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر غزة أرضاً محتلة لأن إسرائيل تحتفظ بدرجة كبيرة من السيطرة عليها، بما في ذلك السيطرة على مياهها الإقليمية ومجالها الجوي وحدودها البرية. ومع ذلك فإن التزامات إسرائيل في غزة بموجب القانون الإنساني الدولي محدودة جداً لأنها لا تملك أي وجود دائم داخل القطاع.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال إيتان دايموند المستشار القانوني للجنة الدولية للصليب الأحمر في تل أبيب أن "هناك صلة بين نطاق السيطرة الإسرائيلية ومسؤولياتها القانونية - فحيثما توجد سيطرة تكون هناك مسؤولية". وعلى سبيل المثال، قد تكون إدارة النظام التعليمي للسكان مسؤولية سلطة الاحتلال، ولكن بسبب عدم وجود إسرائيل الدائم في غزة لا يمكنها إدارة النظام التعليمي هناك، ولذلك ليس مطلوباً منها القيام بذلك. ومع ذلك، فإن إسرائيل يجب أن تضمن تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان مثل الغذاء والمياه والإمدادات الطبية.

ولكن الموقف مازال أكثر تعقيداً. فأي احتلال يتسبب في نوع من النزاع المسلح الدولي، ومع ذلك فإن هذا الاحتلال هو نتيجة للنزاع التاريخي المسلح بين إسرائيل ومصر الذي لم يعد له وجود. وحماس ليست طرفاً في النزاع المسلح، ولكنها طرف في نزاع جديد يمكن اعتباره في الظروف العادية نزاعاً مسلحاً غير دولي. ولكن نظراً لاستمرار الاحتلال، لا يزال تطبيق قواعد النزاع المسلح الدولي مستمراً.

سجناء الحرب

ولكن المسلحين الفلسطينيين المعتقلين من قبل إسرائيل لا يعتبرون سجناء حرب لهم الحق في حماية خاصة لأنهم لاينتمون إلى دولة محددة.

"ولكن ذلك لا يتركهم في فراغ قانوني" لأنهم مازالوا مؤهلين للحماية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين،" كما أكد دايموند.

وتنص المادة الرابعة من تلك الاتفاقية على أن " الأشخاص الذين تحميهم الاتفاقية هم أولئك الذين يجدون أنفسهم في لحظة ما وبأي شكل كان، في حالة قيام نزاع أو احتلال، تحت سلطة طرف في النزاع ليسوا من رعاياه أو دولة احتلال ليسوا من رعاياها".

وأوضح دايموند أنه "بالرغم من اعتراض البعض على أن غزة محتلة، فإن الضفة الغربية تعتبر أرضاً محتلة بلا جدال. ونظراً لأن الضفة الغربية وقطاع غزة ينظر إليهما كوحدة إقليمية واحدة، فإن أهالي غزة المحتجزين من قبل إسرائيل هم بوضوح أشخاص خاضعون لسلطة احتلال".

وعلى الرغم من أن المسلحين الفلسطينيين يمكن أن يكونوا هدفاً مشروعاً للهجوم أثناء مشاركتهم في الأعمال العدائية، فإنه ينبغي حمايتهم كمدنيين عندما يتم اعتقالهم لأن التهديد الذي يشكلونه قد تم تحييده عن طريق الاحتجاز.

وقال دايموند "حقيقة أنهم يشاركون في الأعمال العدائية تعتبر هامة فقط أثناء الأعمال العدائية". ولكن بمجرد اعتقالهم، يصبح لهم الحق في جميع أشكال الحماية المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الرابعة، بما في ذلك المعاملة الإنسانية والاتصال بالأسرة والحصول على المساعدة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

الحرب غير المتماثلة العابرة للحدود

علاوة على ذلك فإنه حتى عندما يتم تحديد مسلح كهدف شرعي فإنه يجب أخذ عوامل أخرى في الاعتبار.

قال دورمان في مؤتمر تل أبيب: "لا يمكنك الاستمرار في القتل" في جميع الحالات. فوفقاً لمبدأ التناسب، يجب المقارنة بين احتمال فقدان الحياة والاستفادة العسكرية المباشرة والملموسة، وخاصة في المناطق المكتظة بالسكان مثل غزة حيث تكون الأهداف العسكرية غالباً في وسط المناطق السكنية.

وهذا لا يلقى قبولاً من الفيلسوف الإسرائيلي كاشر الذي كان صريحاً بشأن ازدرائه للقانون الإنساني الدولي الحالي. وتساءل كاشر مثل بعض الآخرين الموجودين في المؤتمر لماذا ينبغي على إسرائيل أن تكون لديها مسؤوليات تجاه ما ينظر إليهم "كمدنيين أعداء" أكثر من مسؤولياتها تجاه جنودها.

وقال كاشر "القانون الإنساني الدولي يهتم فقط بالمدنيين وليس بالجنود وهذا أمر غير أخلاقي".

وبالنسبة للرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عاموس يادلين، لا تناسب المعايير الأخلاقية للقانون الإنساني الدولي مع عمليات إسرائيل في غزة.

وقال يادلين "إذا كنا بحاجة إلى قواعد أخلاقية، فيجب علينا أن نكيفها مع الظروف الإسرائيلية. فالقادة يواجهون معضلات كثيرة جداً عند اتخاذ القرارات على أرض الواقع".

وقال دورمان أن هذا من الأسباب التي من أجلها ينبغي على القادة أن يعرفوا القواعد القانونية جيداً من أجل أن يطبقوها في الميدان، مضيفاً أن "معرفة كل جندي بالقانون الإنساني الدولي أمر أساسي".

لقد وقعت إسرائيل على اتفاقيات جنيف، ولكنها لم تصدق على البروتوكولات الخاصة بحماية ضحايا النزاع المسلح. ومع ذلك، فمن المقبول على نطاق واسع أن تلك القواعد هي قانون دولي عرفي ولذلك تنطبق على جميع النزاعات.

ويقوم مشروع بحثي مشترك بين جامعة تل أبيب ومعهد دراسات الأمن القومي حالياً بدراسة إمكانية تعديل القانون الإنساني الدولي، وهي خطوة صعبة جداً نظراً لأن ذلك سيتطلب معاهدة دولية منفصلة. وقال يهودا بن مير الباحث الرئيسي في معهد دراسات الأمن القومي: "نحاول جعل القانون الدولي مناسباً للقتال ضد ما نسميه الحرب غير المتماثلة العابرة للحدود".

"يجب البدء في تأمل بعض الأمور"

أفاد دورمان المسؤول باللجنة الدولية للصليب الأحمر أن "تلك الخطوة ستكون خطيرة. فبدلاً من تكييف القوانين على الحرب غير المتماثلة، ينبغي دعم وتعزيز القوانين القائمة، وإلا سنجد أنفسنا في دوامة من عدم احترام القانون الإنساني الدولي".

وحذر من أن جعل القواعد أكثر ملائمة للجيوش النظامية سيجبر المسلحين على تغيير تكتيكاتهم فقط، وهو ما سيؤدي بدوره إلى تقويض أخر للقانون الإنساني الدولي من قبل جيش الدولة.

واستعداداً للتحديات القادمة أوصت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشدة بأن يقوم الجيش الإسرائيلي بالتعلم من تجاربه الماضية في عملية الرصاص المصبوب التي أدت إلى مقتل 1,387 فلسطينياً لم يشارك حوالي نصفهم في الأعمال العدائية.

وأضاف أنه يمكن حماية المدنيين بصورة أفضل من خلال التحذير الفعال قبل الهجوم.

وأثار دورمان أيضاً مخاوف من استخدام أسلحة محددة في المناطق السكنية مثل الفسفور الأبيض الذي استخدمته إسرائيل في أثناء المرحلة البرية من العملية. يستخدم الفسفور الأبيض في الأصل كستار من الدخان لإخفاء الحركة، ولكن يتم استخدامه على نحو متزايد كسلاح هجومي لأنه يمكن أن يسبب حروقاً خطيرة أو حتى الوفاة.

وقال دورمان "يجب البدء في إعادة التفكير بشأن استخدام المدفعية وقذائف الهاون، وفي استخدام الفسفور الأبيض بصفة خاصة في المناطق الآهلة بالسكان".

وتعزيزاً لمفهوم ما أطلق عليه "شجاعة ضبط النفس"، عرض ستانلي مكريستال هذه النصيحة على الإسرائيليين في المؤتمر بناءً على تجربته كقائد سابق للقوات الأمريكية في أفغانستان.

و قال مكريستال في كلمته إلى مؤتمر تل أبيب أن "الحد من استخدام القوة النارية قد يعرض الجنود لمزيد من الخطر، وهذه حجة صحيحة، ولكن من الضروري حماية المدنيين على المدى الطويل.... لأن مفهوم الناس في أفغانستان عن سلوكنا أصبح هاماً جداً".

وأكد دايموند أن الطريقة التي ينظر بها إلى إسرائيل تلعب أيضاً دوراً كبيراً أثناء النزاع في قطاع غزة، مضيفاً أن "هذا النزاع يمتد إلى خارج ساحة المعركة، حيث يقوم كل طرف باستثمار جهود كبيرة في الصراع من أجل الشرعية. وإذا نُظر إليك على أنك تنتهك القوانين فلن يمكنك الحفاظ على الشرعية".

ah/ha/cb-hk/ais