مصر – ليبيا: العائدون يكافحون من أجل البقاء

 بعد مضي أشهر من مغادرته طرابلس بسبب الاضطرابات التي عمت ليبيا، لا يزال البدري محروس محمد يعاني من أجل تلبية احتياجاته الأساسية بوطنه مصر.

وقال محمد "كنت أعرف من البداية أنه سيكون من الصعب إيجاد عمل، لذا بدأت في زراعة الخضروات".

وقد أعطاه شخص آخر من قريته التي تدعى سعد الله في شمال سوهاج بصعيد مصر قرضاً صغيرا لشراء دراجة بخارية حتى يتمكن من توصيل منتجات محصوله إلى الزبائن وإحضار المزيد من الخضروات من سوق سوهاج وبيعها في الكشك الخاص به في قرية سعد الله.

وأفاد محمد في حديثه لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن عمله التجاري يبقيه مشغولاً، ولكن الأرباح لا تكفي لإعالة زوجته وطفليه، مقارنة بما كان يتقاضاه كعامل تبليط في طرابلس على مدار عشرة أعوام.

وكان جلال معوض علي أقل حظاً منذ عودته في مارس الماضي؛ فقد ذكر أن "فرص العمل محدودة". إنه كان يعمل مقاولاً في طرابلس لمدة أربع سنوات، ولكن محاولاته في البحث عن عمل في الإسكندرية والقاهرة وأسيوط وقنا باءت بالفشل.

وأضاف جلال الذي يعول زوجة وطفل ووالديه قائلاً "أشعر باليأس ولدي الكثير من الوقت ولكني لا أعرف ماذا أفعل".

وحسب تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، كان 1.5 مليون مهاجر مصري يعملون في ليبيا قبل الانتفاضة الشعبية المسلحة ضد الزعيم الليبي معمر القذافي التي بدأت في شهر فبراير الماضي. وقد فر ما يقرب من 200,000 شخص من الاضطرابات المتصاعدة هناك عائدين إلى وطنهم الذي يعاني في الوقت نفسه من الفوضى والاقتصاد الضعيف جراء عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي خلفته الثورة المصرية التي أطاحت بالرئيس المصري حسني مبارك في فبراير.

الاقتصاد في حالة ركود

انخفضت عائدات السياحة، التي تمثل 11 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي في مصر، إلى النصف منذ بدء الاحتجاجات في يناير 2011. كما بلغ معدل التضخم 13.3 بالمائة وأظهرت الإحصاءات الصادرة عن وزارة التخطيط المصرية في يونيو أن استثمارات القطاع الخاص قد انخفضت بنسبة 33 بالمائة كما انخفضت استثمارات القطاع العام بنسبة 17 بالمائة في الربع الأول من عام 2011.

وأفادت ياسمين فهيم الباحثة بمنتدى البحوث الاقتصادية في القاهرة أن "المصريين عموماً لديهم مشكلات في الحصول على وظائف، سواء كانوا من العائدين أم لا". وبلغ آخر معدل بطالة تم الإعلان عنه 11.8 بالمائة، ولكنه لم يأخذ في الاعتبار النقص في العمالة.

وقد توصلت الدراسة التي أجرتها المنظمة الدولية للهجرة خلال الربع الأول من العام على الحدود المصرية الليبية، حيث تقطعت السبل بالمهاجرين، إلى أن 75 بالمائة من المصريين ينوون البقاء في مصر بسبب الصدمة المرتبطة بالهروب من ليبيا والأمل في أن يتعافى الاقتصاد المصري قريباً، ولكن هذه الآمال قد تكون سابقة لأوانها.

يتوق بعض الرجال في قرية سعد الله هذه الأيام إلى العودة إلى حياتهم السابقة في ليبيا. وقال علي المقاول لشبكة الإنباء الإنسانية في 17 أكتوبر، أي قبل مقتل القذافي بثلاثة أيام، "سوف أعود عندما تهدأ الأمور تماماً". أصبح المجلس الوطني الانتقالي للثوار الآن يسيطر سيطرة الكاملة على البلاد. وعلى الرغم من أن وجود العديد من الأسلحة المتداولة بين الميليشيات التي لا تسيطر عليها الحكومة، فإن الوضع قد استقر منذ أسوأ أيام القتال.

ولكن الثورة الليبية غيرت قواعد اللعبة بالنسبة للمهاجرين المصريين الذين كانوا في الغالب من عمال البناء ذوي المهارات المنخفضة وأتوا من أفقر المناطق في مصر. ومن جهته أفاد باسكوال لوبولي الممثل الإقليمي للمنظمة الدولية للهجرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن العثور على عمل في ليبيا الجديدة قد يصبح مشكلة بسبب ضعف مهاراتهم.

وأضاف أن "ليبيا تحتاج الآن إلى متخصصين، ولكن المصريين غير مؤهلين".

يعتمد الاقتصاد الليبي بصفة أساسية على عائدات النفط ولكن بنيته التحتية قد تضررت بشدة.

المساعدة

طلبت الحكومة المصرية من برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في شهر مارس الماضي المساعدة في تقديم المعونة لأسر العائدين في إطار برنامج الغذاء مقابل التدريب، حيث يتم تعليمهم مهارات مهنية مثل السباكة أو الأعمال التجارية.

وركز البرنامج، الذي سينتهي هذا الأسبوع، على محافظات صعيد مصر مثل بني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج التي ينتمي إليها غالبية العائدين حسبما أفاد عبد الله الوردات مستشار برنامج الأغذية العالمي في القاهرة.

وأضاف الوردات أن وضع العائدين معقد بسبب حقيقة أن "الصعيد هو أكثر المناطق التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي في مصر".

تتلقى العائلات في قرية سعد الله حصتين من المواد الغذائية في مايو وسبتمبر، حيث يتم إمدادهم بالأرز والزيت النباتي وألواح التمر ودقيق القمح والفول. وعند تخرج المشاركين في برنامج التدريب، يتم إعطائهم 25 كيلوغراماً إضافية من دقيق القمح.

وذكرت ياسمين أبو الحسن زوجة أحد العائدين، وهي مسئولة عن ثمانية أفراد بالإضافة إليها وزوجها، بعد شهر واحد من تلقي التبرعات الأخيرة أن "نوعية الغذاء جيدة، ولكنه نفذ بالفعل".

كما اشتكت فاطمة محمد عبد المطلب التي تنتمي إلى أسرة مكونة من 12 فرداً قائلة "اعتدنا أن نطهى اللحم كل يوم، ولكننا الآن نأكل الدجاج مرة أو مرتين في الشهر".

وحضر التدريب، الذي وفرته وزارة القوى العاملة والهجرة المصرية، العائدون وأفراد أسرهم على حد سواء.

وقالت صباح محمد أحمد وهي شقيقة أحد العائدين إلى قرية سعد الله البالغ عددهم 470 شخصاً "بدأت أفكر في كيفية مساعدة الأسرة". استطاعت صباح بعد التدريب أن تحصل على قرض صغير وقامت بشراء فرن وبدأت تخبز البسكويت والحلوى وتبيعها إلى أطفال المدارس. وأضافت أحمد، وهي أم لطفلين أحدهما في رياض الأطفال والثاني في الصف السادس الابتدائي، أن "هذا العمل يدر من المال ما يكفي لتغطية نفقاتي ونفقات أولادي، ولكن أطفالي يكبرون وتزداد نفقاتهم أيضاً".

وقد كانت الخمسمائة جنية (84 دولاراً) التي كان شقيقها يرسلها من طرابلس كل شهر تكفي لإعالة الأسرة المكونة من 10 أفراد.

ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، كانت تحويلات المصريين العاملين في ليبيا إلى مصر تبلغ 33 مليون دولار سنوياً، ولكن وزارة العمل المصرية تقول أن تلك التحويلات كانت تبلغ حوالي 254 مليون دولار، وهي أكبر ثالث مصدر للعملة الصعبة بعد عائدات قناة السويس والسياحة.


af/ha/eo/mw-hk/ais/kkh

"