أفغانستان: سجينات بعد قضاء فترة الحكم

 بعد انتهاء مدة عقوبة زرغونا* بالسجن ثلاثة أشهر في إقليم قندهار، جنوب أفغانستان، لم يُسمح لها بالعودة إلى منزلها لعدم حضور أي من أقاربها الذكور لضمان عدم هروبها من المنزل مرة أخرى.

وقالت زرغونا في مكالمة هاتفية أجرتها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) معها بمساعدة مسؤول في السجن فضل عدم الكشف عن هويته: "لقد تخلى عني جميع أفراد أسرتي وأنا الآن ميتة بالنسبة لهم. ولكن سلطات السجن لن تفرج عني إلا إذا حضر رجل من أفراد أسرتي لاصطحابي".

وكانت زرغونا قد أجبرت على الزواج من رجل كبير في السن ومختل عقلياً عندما كانت في 15 من عمرها. وقد عانت الفتاة من العنف الجنسي والضرب المتكرر بعد ذلك إلى أن قررت الهروب من منزلها.

وينتشر الزواج المبكر بشكل كبير في أفغانستان حيث يتم تزويج 43 بالمائة من الفتيات قبل بلوغهن سن الـ 18، وفقاً للمنظمات الإنسانية.

وأضافت زرغونا قائلة: "فضلت الموت على البقاء مع هذا الرجل المتوحش" موضحة أنها كانت تتعرض للضرب على يد زوجها وأهله لأنها لم تصبح حاملاً.

وقد أكد الناشطون في مجال حقوق المرأة والمسؤولون الحكوميون أنه في الكثير من الحالات لم تستطع السجينات الحصول على الإفراج لعدم حضور أقاربهن الذكور لاصطحابهن.

وحول ذلك، قالت ثريا صبح رانغ، المفوضة الخاصة بحقوق النساء لدى المفوضية الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان في كابول: "هذا أمر غير قانوني لكنه يحدث كثيراً في أفغانستان". وأضافت متسائلة: "ما عسى أن تفعل النساء دون محرم؟ هل يجب عليهن إنهاء حياتهن لأنه لا يوجد رجل يعتني بهن؟".

من جهته، قال غلام دستغير ميار، مدير سجن قندهار الرئيسي أنه لم يكن يعلم عن مشكلة زرغونا ولكنه أوضح أن بعض السجينات يفضلن البقاء في السجن بعد انتهاء مدة عقوبتهن "لأنه لا يوجد مكان يذهبن إليه".

عدالة منحازة؟

وفي الوقت الذي يسود فيه العنف القائم على نوع الجنس في أفغانستان، لا تملك النساء سوى القليل جداً من الحرية للهروب من التقاليد والأعراف التي تفرض عليهن التبعية والخنوع، وفقاً لجماعات حقوق الإنسان.

وكانت وحدة حقوق الإنسان التابعة لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (يوناما) قد ذكرت في 2009 أن "النساء يحرمن من حقوقهن الإنسانية الأساسية ويواجهن خطر التعرض للمزيد من العنف خلال سعيهن لالتماس العدالة ضد الجرائم التي ارتكبت بحقهن".

وتقول منظمات الإغاثة أن "أكثر من 80 بالمائة من النساء الأفغانيات، وخاصة في المناطق الريفية، أميات أو لا يتمتعن سوى بالقليل من الوعي حول حقوقهن الإنسانية، بما في ذلك الحق في الحصول على محاكمة عادلة.

كما ينظر لإقدام المرأة على رفع شكوى إلى الشرطة أو المدعي العام على أنه أمر دون جدوى إذ لا تؤخذ شكواهن على محمل الجد ولا ويتم تسجيلها بالشكل الصحيح أو التحرك على أساسها. وقال تقرير اليوناما أنه "في نهاية المطاف لا تبدي السلطات استعداداً وليست في وضع يسمح لها بتزويد النساء المعرضات للخطر بأي شكل من أشكال الحماية لضمان سلامتهن".

بدورها، قالت وزهاما فروغ، من شبكة المرأة الأفغانية، وهو اتحاد من المنظمات غير الحكومية والأفراد العاملين على قضايا المساواة بين الجنسين أن "المرأة تعاني من التمييز في المحاكم".

غير أن المسؤولين القضائيين يرفضون هذه الانتقادات، حيث قال بهاء الدين بهاء، رئيس القسم الجزائي في المحكمة العليا، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، إذ تحظى المرأة بمعاملة منصفة مثل الرجل في المحاكم" مؤكداً على أن المحاكم تعمل وفقاً للقانون الإسلامي.

كما يعد الوصول إلى مؤسسات العدالة الرسمية في أفغانستان محدوداً جداً، لاسيما في المناطق الريفية. ولذلك يعتمد 80 بالمائة من الناس على الطرق التقليدية لتسوية المنازعات، خصوصاً في ظل النظر إلى النظام القضائي الرسمي على أنه غير فعال ويسوده الفساد، وفقاً للتقرير الوطني للتنمية البشرية في أفغانستان لعام 2007.

الهروب جريمة

ويقول المسؤولون أنه لا يوجد توجيه واضح في قانون العقوبات في أفغانستان يوضح كيفية التعامل مع النساء والفتيات اللواتي يهربن من منازلهن، على الرغم من قيام الشرطة باعتقالهن والمدعين بمحاكمتهن.

وأوضح بهاء من المحكمة العليا قائلاً: "يقوم نظامنا القانوني على الشريعة الإسلامية الذي يعتبر فيه الهروب إثماً. وتختلف العقوبات اعتماداً على صفات الشخص، ولكنها عقوبات خفيفة كالسجن لشهرين أو ثلاثة".

ولكن نشطاء حقوق الإنسان ينددون بذلك ويقولون أنه لا يجب معاملة النساء والفتيات الفارات من العنف الأسري كمجرمات. وقالت فروغ من شبكة المرأة الأفغانية أن هناك تفسيرات متفاوتة ومتعارضة لأحكام الشريعة حول الهروب، مضيفة أن "اعتبار الفرار جريمة مرتبط بصورة أكبر بالثقافة الذكورية السائدة في هذا البلد منه بالإسلام" وأنه في معظم الحالات يكون الهرب من المنزل الملاذ الأخير للنساء لإنقاذ حياتهن.

الإقصاء

ويعد العار جزءاً من المحنة التي تواجهها السجينات بغض النظر عما إذا كن ضحايا أم مذنبات. وقال حاجي مير الاي، وهو شيخ قبيلة في قندهار أن "الناس يفضلون موت نسائهن وفتياتهن على دخولهن السجن".

بدورها، قالت زبيدة بايندا، رئيسة وحدة شؤون المرأة في قندهار أن "الأسر ترفض عادة النساء والفتيات بعد إطلاق سراحهن من السجن" مضيفة أن الآثار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للسجن تؤثر على النساء لفترة طويلة بعد إطلاق سراحهن.

وتلجأ الكثير من النساء اللواتي تخلت عنهن أسرهن أو الهاربات من العنف الأسري إلى الحماية في الملاجئ التي تديرها المنظمات غير الحكومية بتبرعات خاصة. وتفيد المفوضية الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان أن هناك 14 ملجأ في مناطق مختلفة من البلاد، يأوي كل منها عشرات النساء الباحثات عن حياة جديدة.

لكن لا يتوفر في إقليم قندهار مثل هذه الأماكن ولذلك تواجه السجينات اللواتي لا أسر لهن مشاكل لدى الإفراج عنهن، في حين لا تجد اللواتي يعانين من العنف الأسري مكاناً يذهبن إليه.

وقالت بايندا، رئيسة وحدة شؤون المرأة في قندهار: "نريد بناء مأوىً في قندهار لكننا نحتاج للأموال والدعم".

*ليس اسمها الحقيقي

ad/cb-dvh

"