العراق: بروز ظاهرة الوشم وسط العنف والتقتيل

رسم قيصر طارق العيساوي على كتفه الأيسر وشماً يحمل عبارة عمري من عمر شجرة الزيتون". وعمد العيساوي البالغ من العمر 36 عاماً إلى رسم هذا الوشم على كتفه حتى يتمكن أصحابه وأفراد أسرته من التعرف على بقاياه في حال انتهى به المطاف في المشرحة.

وشرح العيساوي، وهو والد لطفلين، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) ببغداد، سبب اختياره لهذا الوشم بالذات قائلاً: "لقد اخترت هذه الجملة لأن أسرتي وأصدقائي المقربين فقط يعلمون عن شجرة الزيتون التي زرعها والدي عند ولادتي".

وقد تولدت ظاهرة الوشم هذه كرد على موجة العنف والتقتيل المنتشر في بغداد، حيث أصبح البعض ينحت هويته على جسمه خشية أن ينتهي به المطاف كجثة في المشرحة لا يستطيع أحد التعرف عليها أو المطالبة بها.

وكانت عمليات القتل الناتجة عن العنف الدائر في البلاد قد ارتفعت بشكل ملحوظ منذ عام 2006 بعد تعرض مرقد شيعي في سامراء، الواقعة على بعد 95 كلم شمال بغداد، للتفجير. وأصبح من المعتاد العثور على جثث لضحايا يصعب التعرف عليهم في مكبات النفايات وفي نهر دجلة، كانت قد قيدت أيديهم وظهرت عليهم علامات التعذيب واخترق أجسامهم الرصاص.

وتقدر الإحصاءات بأن عدد القتلى الذين سقطوا ضحية العنف الدائر في العراق منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة سنة 2003 يتراوح بين 62,000 حسب جمعية إحصاء جثت القتلى و600,000 حسب دراسة نشرت العام الماضي في المجلة الطبية البريطانية، ذا لانست The Lancet. ولكن هذه الأرقام وحدها لا تستطيع أن تظهر بوضوح كيف تأقلم العراقيون مع الموت.

فنانو الوشم يباشرون العمل

وقال أحد فناني الوشم بأنه قد وشم حوالي 100 رجل تتراوح أعمارهم بين 20 و50 سنة خلال الثلاثة أشهر الماضية.

وعن هذه الظاهرة قال أحد خريجي الفنون الجميلة الذي رفض ذكر اسمه لأسباب أمنية: "هناك حوالي 10 منا في بغداد وحوالي إثني عشر آخرين في المحافظات الأخرى...نعمل في منازلنا، ويعلم الناس بوجودنا عن طريق بعضهم البعض".

وقد تردى الوضع لدرجة لم يسلم فيها حتى المفجوعين من الاعتداء. فقد بدأ الانتحاريون باستهداف الخيام المنصوبة من قبل الأسر والأقارب والأصدقاء والجيران لتلقي العزاء في موتاهم.

والخوف عينه من التعرض للقتل يمنع الأقارب من مرافقة جثث أحبائهم إلى المقابر، وفي بعض الأحيان يمنعهم أيضاً من الإعلان عن أسماء موتاهم.

الاتصالات الهاتفية من الموتى

ويتلقى بعض أقارب الضحايا اتصالات هاتفية من الهواتف الجوالة لأحبائهم المفقودين، يدعي فيها المتصلون بأنهم يحتجزونهم ويطالبون بفدية. وعندما تصلهم النقود يخبرون الأسر بأن أقرباءهم قد قتلوا. فقد قضى صلاح الدين الجابوري، 55 عاماً، وهو سائق سيارة أجرة ببغداد وأب لستة أطفال، 10 أيام يتفاوض فيها مع أشخاص مجهولين لإطلاق سراح ابنته التي كانوا يدعون بأنهم يحتجزونها. ويحكي الجابوري قصته قائلاً: "لقد بعت سيارتي وذهب زوجتي وبعضاً من أثاث البيت لجمع مبلغ 10,000 دولار المطلوب كفدية. ولكن بعد يوم من استلامهم المبلغ، اتصل بي أحدهم وقال لي: أيها الغبي، ابنتك في المشرحة وقد تعرضت للقتل في انفجار سيارة ملغومة منذ 10 أيام".

وقد أطلق ضابط شرطة، طلب عدم الإفصاح عن هويته، على مثل هؤلاء الأشخاص لقب "النسور الإنسانية" قائلاً: "إنهم يحضرون إلى أماكن الانفجارات لسرقة الهواتف النقالة والنقود وساعات اليد من القتلى والجرحى".

وألقى اللوم على عصابات الجريمة المنظمة التي "تقوم بتجنيد رجال الشرطة أحياناً" للقيام بمثل مثل تلك الأمور. وهم يفضلون الجثت المنكل بها والتي يصعب التعرف عليها.

''إنهم يحضرون إلى أماكن الانفجارات لسرقة الهواتف النقالة والنقود وساعات اليد من القتلى والجرحى''

من جهته قال عبد الجبار محمد أمين، الباحث في جامعة المستنصرية: "هذا أمر طبيعي في مثل هذه الظروف. فمع كل المعاناة اليومية والخدمات المتدنية والانفجارات والمشاهد الدموية في كل مكان وانتشار الجرائم، يوشك المجتمع العراقي على الاندثار...الكل يجد الأعذار لما يقترفه. يقولون أن لديهم عائلات لإطعامها وهم مستعدون لعمل أي شيء من أجل ذلك. وهم بهذا العذر يسمحون لأنفسهم بالذهاب إلى أبعد الحدود".

وأضاف قائلاً: "في مجتمع محكوم بالدم والموت مثل مجتمعنا، تصبح عملية إعادة التأهيل شبه مستحيلة في المستقبل القريب حيث أصبح جيل واحد على الأقل جزءاً لا يتجزأ من هذه الثقافة [ثقافة العنف]".

"