لبنان: تحرك لإخراج قضايا العنف الأسري من المحاكم الدينية

في الوقت الذي يستمر فيه النضال من أجل تشكيل الحكومة اللبنانية بعد ثلاثة أشهر من الانتخابات البرلمانية، ينتظر الناشطون في مجال حقوق المرأة بفارغ الصبر افتتاح البرلمان لمناقشة مشروع قانون جديد حول العنف الأسري في البلاد.

وتقدر غيدا عناني، منسقة البرامج في منظمة "كفى" اللبنانية، التي تدير حملات مناهضة للعنف واستغلال النساء أن عدداً كبيراً من اللبنانيات - قد يصل إلى ثلاثة أرباعهن - قد تعرضن للإساءة الجسدية على أيدي أزواجهن أو أقربائهن الذكور في مرحلة ما من حياتهن.

ففي لبنان الذي ينتهج نظاماً ديمقراطياً متعدد الطوائف، يتم النظر في قضايا العنف الأسري في إحدى المحاكم الدينية الخمس عشرة المنتشرة في البلاد أو في محاكم الأسرة التي تعود قوانينها إلى العهد العثماني ويصفها الناشطون بأنها تنحاز إلى جانب الرجل بشكل شبه دائم.

ويقترح مشروع القانون الجديد إخراج قضايا العنف الأسري من دائرة المحاكم الدينية إلى النظام المدني متخطياً الخطوط طائفية وإعطاء النساء المسلمات والمسيحيات حقوقاً متساوية في ظل القانون، وهو ما يقول الناشطون أنه بمثابة خطوة رئيسية نحو تحقيق المساواة بين الرجال والنساء.

وقالت ناديا خليفة، وهي باحثة في مجال حقوق المرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش" غير الحكومية: "لا تعامل محاكم الأسرة المرأة والرجل على قدم المساواة ... والقانون هو خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن ما زال أمامنا طريق طويل حتى نحصل على المساواة في لبنان".

العنف الأسري

وقالت وردة (ليس اسمها الحقيقي) وهي أم لستة أطفال إنها عانت من العنف الأسري على مدى عشرين عاماً. وأوضحت أن زوجها كان يتعاطى المخدرات ويضربها ويعتدي عليها طوال زواجهما. وبعد فشلها في الحصول على المساعدة في المستشفى ومن الشرطة، ذهبت لرؤية ممثل المحكمة الشيعية.

ولم يقم الممثل بالكثير لمساعدة وردة سوى شرح الصعوبات في الحصول على الطلاق بسبب رفض زوجها منحها إياه. وفي نهاية المطاف لجأت إلى منظمة "كفى" وهي اليوم وعلى الرغم من استمرار زواجها تعيش مع والديها دون أن يكون لها حق في زيارة أبنائها.

وفي كل عام تلجأ أكثر من 500 امرأة للمراكز النسائية في لبنان. ولكن لا يوجد في البلاد سوى أربع دور حماية لضحايا العنف الأسري والتي لا تستطيع جميعها استيعاب أكثر من 40 امرأة.

ولكن وفقاً لغيدا عناني من منظمة "كفى" يبلغ عدد النساء المعنفات أكثر من ذلك بكثير، حيث قالت: "من الخطأ القول أن عدد حالات العنف والاغتصاب أعلى من التي يتم التبليغ عنها ... فالحقيقة هي أنه لا يتم التبليغ عنهذه الحالات إطلاقاً".

وأوضحت أن المستشفيات ومراكز الشرطة تفشل في التبليغ عن حالات العنف الأسري قائلة أنه "الأطباء في الكثير من الأحيان لا يسألون عن الكدمات وإذا اشتكت المرأة من تعرضها لعنف أسري فإن المستشفى يكتب في تقريره أنه حادث منزلي وبالتالي لا يتم إجراء المزيد من التحقيق في هذا الشأن".

أما الشرطة فتسجل حوادث العنف ضد المرأة على أنها "ضرب" دون أن تحدد في هوية الجاني "وكأنه طالما لا توجد حالات [عنف أسري] لا توجد مشكلة"، وفقاً للعناني.

المحاكم الدينية

ومع وجود 18 طائفة دينية معترف بها رسمياً في لبنان، تضم البلاد 15 محاكمة دينية للحكم في قضايا الزواج والطلاق والحضانة وغيرها من المسائل الشخصية ومن بينها العنف الأسري. وهناك قوانين قضائية منفصلة تحكم القضايا الجنائية الخاضعة للقانون العام.

وقالت عناني أنه "ينظر [في البلاد] إلى شؤون الأسرة على أنها مسائل خاصة جداً... كما ينظر للمرأة على أنها من ممتلكات الرجل".

وقد واجهت الجهود المبذولة لإصلاح المحاكم الدينية على مدى العقد الماضي مقاومة شديدة خشية الإخلال بالتوازن الطائفي في بلد لا يزال يتعافى من آثار حرب أهلية امتدت 15 عاماً وانتهت عام 1990. ويقول أنصار المحاكم الدينية أنها تحترم تقاليد كل طائفة وتحميها من الآخرين. غير أن الكثيرين يخشون من يخل القانون المدني الموحد بالتوازن الطائفي في البلاد.

والاختلافات بين القانون الديني والقانون المدني وبين القوانين التي تخضع لها المرأة المسلمة والمسيحية واضحة. فالحد الأدنى لسن الزواج بالنسبة للفتيات والفتيان أقل بكثير في جميع المحاكم الدينية وأقل بالنسبة للمسلمين من المسيحيين. وفي بعض الحالات يسمح القانون الإسلامي بزواج فتيات بعمر تسع سنوات.

كما لا تلاحق القوانين الإسلامية قضايا الاغتصاب الزوجي أو ما يسمى بجرائم الشرف وعادة ما تمنح حضانة الأطفال في حالات الطلاق للأب. وقالت عناني أن هذا يعني أن الكثير من النساء يخترن الاستمرار في علاقة تتعرضن فيها للإساءة من أجل أطفالهن.


الصورة: أناسوفي فلامانان/إيرين
وضعت منظمة "كفى" لحقوق المرأة مسودة قانون جديد يعتبر العنف الأسري جريمة جنائية بموجب القانون المدني الموحد

وقالت خليفة من منظمة هيومن رايتس ووتش: "لا نريد نظاماً قانونياً يعامل المرأة بطريقة مختلفة عن الرجل أو يتعامل مع المرأة الدرزية أو الشيعة أو المسيحية بشكل مختلف عن بعضهن البعض".

مشروع القانون الجديد

وفي عام 2007 قامت منظمة "كفى" بتشكيل لجنة توجيهية تتألف من مجموعة من المحامين والقضاة وذوي الاختصاص لصياغة مشروع قانون جديد حول العنف الأسري.

وينص القانون المقترح الذي ينتظر مناقشته في البرلمان على إقامة محاكم متخصصة للأسرة تعمل في إطار القانون المدني الملزم للجميع وأن يتم الحكم في قضايا العنف الأسري في جلسات استماع خاصة تضم قضاة ومرشدين اجتماعيين وأطباء شرعيين ونفسيين.

ويلزم القانون الجديد أي شخص يشهد واقعة عنف أسري التبليغ عنها ويفتح الطريق أمام أوامر منع ملزمة قانونياً ويضمن لمرتكب الاعتداء توفير السكن البديل بالإضافة إلى دفع بدل الإقامة والنفقات الطبية.

كما يدعو القانون لإقامة وحدات شرطة متخصصة ضمن قوى الأمن الداخلي في محافظات البلاد الست توظف ضابطات شرطة مدربات على التعامل مع العنف الأسري.

وقالت وردة: "أتمنى لو أن القانون رأى النور قبل زواجي منذ 20 عاماً...لكانت أمور كثيرة قد تغيرت في حياتي... ولكنت قد تمكنت من العيش بكرامة".