خطة طوارئ رئاسية جديدة ومطورة للإيدز في عهد أوباما؟

تنعقد آمال كبيرة بأن يمتد التغيير الذي وعد به الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى سياسته الخارجية، ولكن تغيير طاقم العمل في البيت الأبيض قد يثير مشاعر مختلطة لأكثر من مليوني شخص متعايشين مع فيروس نقص المناعة البشري لاسيما في إفريقيا.

فبالنسبة لهؤلاء كانت فترة رئاسة بوش السابقة تعني تمديد الحياة بعد أن أطلق عام 2003 خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز. وقد قدمت الخطة 18.8 مليار دولار لتمويل مكافحة فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، وهي تعد بذلك أكبر مبادرة صحية دولية تُكَرَس لمواجهة مرض واحد.

وقد أشار التقرير السنوي لبرنامج الخطة لعام 2009 الذي قُدِّم إلى الكونجرس الأمريكي إلى أن تلك الأموال قد ساعدت في تقديم الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية التي تطيل الحياة لأكثر من 2.1 مليون شخص معظمهم يعيشون في 15 دولة تتركز فيها الإصابات بالفيروس.

وقد ساهمت الخطة أيضاً في تقديم الرعاية لأكثر من أربعة ملايين يتيم وطفل معرض للخطر، حيث وفرت المشورة الخاصة بفيروس نقص المناعة البشري والاختبارات لما يقرب من 57 مليون شخص. كما وفرت خدمات منع انتقال الفيروس من الأم إلى الطفل لما يقرب من 1.2 مليون سيدة حامل مصابة بالفيروس.

وعلى الرغم من أن الخطة قد أخذت نصيبها من الجدل، إلا أن قرار تمديدها لخمس سنوات جديدة وزيادة التمويل إلى 48 مليار دولار قد لقي دعماً من كلا الحزبين في الكونجرس الأمريكي في يوليو/تموز 2008.

فالمسألة إذن ليست ما إذا كانت خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز ستستمر تحت إدارة الرئيس أوباما ولكن ما إذا كانت ستستمر بالشكل نفسه.

انتقادات

وتقف إنجازات البرنامج في توفير العلاج والرعاية على أرض صلبة إلى حد كبير. وعلى الرغم من وجود تساؤلات حول الكيفية التي يُحصي بها البرنامج بدقة أعداد المستفيدين، لا يوجد شك بأنه قد أنقذ الكثير من الأرواح.

وقال د. فرانسوا فنتر، رئيس جمعية أطباء فيروس نقص المناعة البشري بجنوب إفريقيا أن "مئات الآلاف من الأشخاص في جنوب إفريقيا على قيد الحياة بفضل برنامج خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز". وأضاف قائلاً: "لقد قاموا برأب الفجوات في مجال تقديم الرعاية والعلاج لجماعات مثل المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين. وأعتقد أن هناك اعترافاً عالمياً واضحاً بأن البرنامج كان ناجحاً".

ولكن من بين الانتقادات الأولى لخطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز كان قرار إدارة بوش اتخاذ نهج ثنائي بدلاً من زيادة التمويل للمنظمات المتعددة الأطراف مثل الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا.

كما أنه من غير المرجح أن يؤدي تركيز الخطة على مرض واحد إلى تعزيز النظم الصحية الضعيفة في البلدان المستهدفة.

وقال مايكل بينيش أحد كبار المعاونين في كلية بلومبرج للصحة العامة بجامعة جونز هوبكنز في بالتيمور والمدير التنفيذي لمنظمة مبيلونهل Mpilonhle وهي إحدى المنظمات المستفيدة من الخطة في جنوب إفريقيا: "أعتقد أنه كان القرار الصائب من حيث تقديم خدمات فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز للناس".

وأوضح قائلاً: "أعتقد أن هناك أوجه قصور في برنامج الصندوق العالمي من حيث التواصل مع المنظمات غير الحكومية مثل منظمتنا".

ولا يزال الجدل قائماً حول مسألة ما إذا كانت خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز قد عززت النظم الصحية من خلال الاستثمار في المعدات والبنية الأساسية والعاملين أم أنها قد أضعفتها من خلال خلق برامج موازية وجَّهَت العمالة والموارد بعيداً عن التعامل مع المشكلات الصحية الأخرى.

وقد علّق فنتر قائلاً أن "النظام الصحي في جنوب إفريقيا ضعيف ولكن ليس بسبب خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز بل بسبب وزارة الصحة"، مضيفاً أن "محاولة إقناع الجهات المانحة للتوافق مع الأجندات المحلية أمر صحيح من الناحية السياسية، ولكن تحت قيادة مانتو وزير الصحة السابق بجنوب إفريقيا لم تكن فكرة جيدة".

العلم بدل الأيديولوجية

ومن أكثر أنشطة الإيدز المثيرة للإزعاج التي تبنتها خطة الرئيس هي الأنشطة الخاصة بالوقاية من فيروس نقص المناعة البشري. فقد أبقت الخطة على بعض الشروط مثل إنفاق ثلث التمويل الخاص بالوقاية على برامج تعزيز التعفف خارج الزواج وهي الشروط التي تأثرت بالمحافظين المتدينين في إدارة بوش دون أن يكون لها أساس علمي.

وتحظر السياسات الحالية أيضاً تمويل المنظمات التي تستهدف وقاية العاملات في الجنس من فيروس نقص المناعة البشري أو تمويل برامج توزيع الحقن النظيفة لمنع انتشار فيروس نقص المناعة البشري بين متعاطي المخدرات بالحقن.

وقد تم حذف شرط التعفف من التفويض الجديد الذي منحه الكونجرس للخطة في يوليو/تموز 2008، ولكن كان قاعدة تقديم التقارير الجديدة اشترطت على متلقي التمويل الذين ينفقون أقل من 50 بالمائة من التمويل المخصص للوقاية على برامج التعفف أن يقوموا بتبرير قرارهم.

وقالت سيرا سيبيل، المديرة التنفيذية لمركز الصحة والمساواة بين الجنسين، وهي منظمة غير حكومية مقرها أمريكا تركز على آثار السياسات الدولية الأمريكية على صحة المرأة: "نحن لا نعرف بعد أثر شرط تقديم التقارير الجديد، ولكن الجهات المنفذة على الأرض تشير إلى أنه يعمل على صد الانحياز إلى تدخلات التعفف".

وقد ظلت السياسة الخاصة بالعاملات في الجنس سارية المفعول. وقد ذكرت سيبيل أن تنقيح تلك السياسة سيتطلب عملية مطولة من الإصلاح التشريعي. وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية إيرين/بلاس نيوز، قالت سيبيل: "نشعر أنه يمكننا إنجاز المزيد من خلال محاولة تغيير الطريقة التي يتم بها تنفيذ البرامج".

وسيتطلب تغيير السياسة تدخلاً من الرئيس أوباما الذي أشار بالفعل إلى أنه يخطط للإطاحة بالسياسة التي تحظر تمويل المنظمات الدولية التي تقوم بإجراء عمليات الإجهاض أو تدعمها. وقال ناشطون لفترة طويلة أن "قاعدة تكميم الأفواه العالمية" وهو الاسم غير الرسمي لتلك السياسة، تضر بجهود تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية وصحة الأم.

''أتمنى أن يتم النظر في عهد أوباما إلى علم الأمور وأن يتم اتخاذ القرارات على أساس الحقائق وليس المعتقدات''

وقد سبب أوباما الإحباط للكثيرين في قطاع مكافحة فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز عندما أتضح مؤخراً أنه لن يستبدل فوراً السفير مارك ديبول المنسق العالمي لجهود مكافحة الإيدز. ويرتبط ديبول بصورة قوية بالنهج القائم على أيديولوجية خطة الرئيس في التعامل مع الوقاية من فيروس نقص المناعة البشري.

وقد علقت سيبيل قائلة: "الإبقاء على ديبول يعتبر مشكلة. لقد كان ينفذ تلك السياسات التي لا تستند إلى الأدلة. ونحن نأمل في أن تُقَدَّم إليه توجيهات صريحة من إدارة أوباما".

وفي قالت العديد من المنظمات التي تتلقى تمويلاً من خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز لشبكة الأنباء الإنسانية إيرين/بلاس نيوز أنه بالرغم من ثنائها الكامل على إنجازات البرنامج إلا أنها تود أيضاً أن ترى أوباما يقوم ببعض التغييرات في الطريقة التي ينفذ بها البرنامج.

وفي هذا السياق قال بينيش: "أعتقد أن الدليل واضح على أن برامج التعفف ليست فعالة وأنها لا تعكس واقع العالم الذي نعيش فيه"، مضيفاً أن منظمته كافحت ضد الحظر الذي تفرضه خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز على استخدام تمويل الخطة في توزيع الواقي الذكري في المدارس وهي القاعدة التي تتعارض مع السياسة الوطنية لجنوب إفريقيا والتي تنص على أن أي طفل فوق سن الثانية عشر يمكنه قبول خدمات الصحة الإنجابية.

وأردف بينيش قائلاً: "لا يوجد معني لأن تنصح الناس باستخدام الواقي الذكري ثم لا توفره لهم. أتمنى أن يتم النظر في عهد أوباما إلى علم الأمور وأن يتم اتخاذ القرارات على أساس الحقائق وليس المعتقدات".

وقد عبّر بينيش وغيره من متلقي التمويل عن أملهم في أن تخفف خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز في عهد أوباما من بعض متطلبات حفظ السجلات وإعداد التقارير المرهقة، وأن تُظهِر قدراً أكبر من المرونة في التكيف مع واقع المجتمعات المحلية.

وقال ألفريد ميكوسي، المدير التنفيذي لمنظمة لايف لاين بجنوب إفريقيا، وهي إحدى المنظمات المستفيدة من خطة الرئيس التي تقدم التثقيف والتدريب والمشورة الخاصة بفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز: "نشعر أن هناك الكثير الذي يمكن عمله إذا كنا على استعداد لأن نأخذ في الاعتبار ثقافات المجتمعات وطرقهم الخاصة في رؤية الأمور".

تلبية الطموحات

وقد قام الرئيس أوباما ونائبه جون بيدون أثناء حملتهم الانتخابية بالكشف عن خطة لمكافحة فيروس نقص المناعة البشري والإيدز عالمياً. وقد تعهدا في تلك الخطة بأن "أفضل الممارسات وليس الأيديولوجية" ستوجه تمويل الولايات المتحدة لبرامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز.

وأضافا أنهما "سيدعمان حقوق الدول ذات السيادة في الحصول على دواء غير تجاري منخفض التكلفة ومضمون الجودة لتلبية احتياجاتهم الصحية الملحة". وهذا يعني العمل ضد مصلحة شركات الأدوية الكبرى والدفع في اتجاه سياسات الترخيص لتوفير أحدث الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية لمواطني الدول النامية.

كما وعدا بزيادة كبيرة في التمويل المقدم لمكافحة فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز ليس فقط لخطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز ولكن للصندوق العالمي كذلك، وهو الهدف الذي قد تُجْبَر الإدارة الأمريكية الجديدة على إعادة تقييمه في ضوء الأزمة المالية العالمية وأولويات الإنفاق الحكومي الأمريكي.

وقالت سيبيل: "يتعين علينا مواصلة الضغط عليهم من أجل الوفاء بوعودهم بزيادة تمويل مكافحة فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز"... نحن نحاول أن نثبت فكرة أن الفقراء والأكثر ضعفاً هم الأكثر تضرراً من تلك الأزمة المالية، ولذلك نحتاج نحن في الولايات المتحدة أن نتأكد من أننا نتحمل المسؤولية ونقدم التمويل الذي تعهدنا به".

وكان لجون برندرجاست وجون نوريس من مشروع "إيناف" Enough أو "كفى" وهو مشروع مقره الولايات المتحدة يهدف إلى إنهاء الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وجهة نظر مختلفة عُرِضَت مؤخراً في ورقة عمل استراتيجية. وتقول وجهة النظر بأن "الاستجابة لوباء فيروس نقص المناعة البشري/الإيدز أولوية هامة، ولكن لو انحرفت المعونة الإنمائية الأمريكية كثيراً في هذا الاتجاه سيصبح من الصعب جداً إجراء استثمارات طويلة الأجل في بناء الدولة وسيادة القانون والتعليم الأساسي والنمو الاقتصادي".

ويبقى أن نرى إلى أي مدى ستُترجَم وعود الحملة الانتخابية لأوباما المتعلقة بفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز إلى سياسات، ولكن الطموحات كبيرة.

"