ما الذي يحمله المستقبل للرعاة في منطقة الساحل؟

تهدد موجات الجفاف الشديد وتفاقم الصراعات مع المزارعين مستقبل الرعي في منطقة الساحل، ولكن الخبراء يقولون أن دمج نظم المحاصيل والثروة الحيوانية قد يساعد في الحفاظ على سبل معيشة الرعاة والمزارعين.

وقد خلفت موجات الجفاف عواقب وخيمة في السنوات الأخيرة، بما فيها موجة الجفاف الكبيرة التي ضربت المنطقة في عامي 2011-2012 وأدت إلى تعريض 18 مليون شخص لخطر الجوع.

ويقول الخبراء أن بعض الممارسات مثل الرعي بالتناوب وتجديد الأراضي والأشجار وزراعة المحاصيل البينية والزراعة الحراجية قد تساعد على ضمان استمرار الرعاة في إطعام ماشيتهم مع تجنب النزاع مع المزارعين حول الأراضي المنتجة المنكمشة.

نظرة على حياة الترحال

ويظل الرعي البدوي جزءاً جوهرياً من الحياة في منطقة الساحل، حيث يعمل أكثر من 60 بالمائة من السكان في تربية الماشية.

وقال جوناثان دافيز منسق مبادرة الأراضي الجافة العالمية التابعة للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة أن "الرعاة في الساحل ينتقلون دائماً وأبداً من مكان لآخر، ولذلك ومن دون الحاجة إلى التأكيد، فإن الأمر المميز لمعظم الرعاة في مختلف أنحاء أفريقيا هو تحركات القطيع.

"ولكن هناك تحيز وسوء تفاهم كبير"، كما قال دافيز "فما تزال الكثير من الحكومات ووكالات التنمية تنظر إلى التجوال باعتباره مشكلة يحتاجون لإيقافها بدلاً من التعامل مع الأمر... باستراتيجية إدارة أكثر عقلانية في ظل مناخ شديد التقلب". 

 يعتبر الانخراط في نوع من زراعة المحاصيل أو انتاج العلف ممكناً لجميع الرعاة ولكن لا يمكن القول أنه أمر مرغوب

 وأوضح أن التحرك بين المناطق التي تسقط فيها أمطار جيدة ويتوفر بها غطاء نباتي يتيح الفرصة أمام الرعاة للتعامل مع هذه التقلبات، خاصة في الدول الشديدة الجفاف مثل النيجر، حيث إنتاجية الأراضي منخفضة.

وأضاف دافيز قائلاً: "يعتبر الانخراط في نوع من زراعة المحاصيل أو انتاج العلف ممكناً لجميع الرعاة ولكن لا يمكن القول أنه أمر مرغوب. فكلما زادت ندرة المياه أردت أن تقلل من تبديدها على زراعة واحة صغيرة".

وأشار دافيز إلى أن تجريد الرعاة من قدرتهم على التنقل يمكن أن يقتل قطعانهم بالكامل إذا واجهوا فترة جفاف.

ولكن رينيه ألفونس، رئيس اتحاد منتجي اللحوم في مالي، قال أن حياة البدو والترحال أصبحت خطيرة على نحو متزايد.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قال ألفونس أنه "في كل عام يحدث ما لا يقل عن عشرة وفيات في مالي نتيجة للصراعات بين المزارعين وأصحاب القطعان في القرى على طول الحدود بين مالي وغينيا. إن مستقبل الرعي يقلقني إذا لم يتم اتخاذ أي خطوات".

الاستخدام المستدام للأراضي

ولكن هناك طرقاً للاستفادة من الأراضي المحدودة. وتعد طريقة التجدد الطبيعي التي يقوم المزارعون بإدارتها إحدى الطرق التي تشجع تجديد أصناف الأشجار التي تخدم أغراضاً متعددة.

وقال ونديمو كيني، المستشار الإقليمي للأمن الغذائي في غرب أفريقيا لدى منظمة وورلد فيجن أن "العديد من أنواع الأشجار لديها القدرة على أن تنبت من الجذع والجذور بعد قطعها حتى في المناطق الجافة مثل الساحل. وعلى مستوى العالم هناك ملايين الهكتارات من أراضي الرعي وأراضي المزارع الخالية من الأشجار التي مازالت تحتوي على جذوع أشجار حية لديها القدرة على أن تنبت براعم جديدة".

ومن خلال طريقة التجدد الطبيعي التي يقوم المزارعون بإدارتها يمكنهم أن يقرروا أعداد ونوعية الجذوع التي سيسمحون بإعادة تجديدها كل عام وأعداد السيقان التي تحتاج لأن تكون موجودة على كل جذع. وبعد ذلك يمكن قطع السيقان الزائدة واستخدامها كعلف أو حطب لإشعال النار.

وقال كيني أن المزارعين الصغار والمزارعين الرعاة في النيجر ومالي وغانا والسنغال قد استفادوا من طريقة التجدد الطبيعي التي يقوم المزارعون بإدارتها. ويمكن للناس والماشية أن يستخدموا بعض من تلك الأشجار بينما تعطى الفرصة لبقيتها لكي تنضج.

وأضاف كيني "أنهم استطاعوا تجديد الأشجار في مزارعهم وتحسين خصوبة التربة وانتاجية المزارع والحصول بطريقة فعالة على العلف لماشيتهم لأن الأشجار التي تمت إعادة تأهيلها هي نباتات معمرة يمكن استخدامها على مدار العام".

ادارة المراعي

وتوصي منظمة الأغذية والزراعة بطريقة معروفة باسم إدارة المراعي بالمشاركة. وفي هذه الطريقة يتجمع كل مستخدمي المزارع في مجتمع ما من أجل رسم خريطة لموارد المجتمع وتحديد أفضل الخيارات وأكثرها استدامة لإدارة الأراضي.

وهذا يشمل تحديد أين ومتى سيتم تخصيص مناطق معينة لأنشطة الزراعة والرعي، وخلق سبل للوصول إلى نقاط الري. والهدف من ذلك هو الحد من النزاع بين المزارعين والرعاة والاستفادة بشكل أفضل من الأرض.

وهناك طريقة أخرى وهي استخدام بنوك الأعلاف وهي مناطق مركزة من المراعي والشجيرات التي يتم إنشاؤها وإدارتها بواسطة الرعاة بالقرب من مساكنهم الخاصة من أجل الحد من اعتمادهم على الرعي المتنقل. وبالرغم من أن تلك الطريقة شائعة في شرق أفريقيا إلا أنها ليست ممارسة شائعة في الساحل، طبقاً لما ذكره أنطوان كالينجانيري، المنسق الإقليمي لنظم الأراضي الجافة في المركز العالمي لزراعة الغابات (ICRAF) في غرب أفريقيا.

وأضاف كالينجانيري أن "لديك حالات قليلة... يقوم فيها الرعاة بأخذ الأغنام وتربيتها وتسمينها ثم بيعها للولائم الكبيرة"، مشيراً إلى أن هذه الطريقة ممكنة فقط مع أعداد الماشية القليلة.

ولكن معظم الرعاة في الساحل يهاجرون مع آلاف الماشية. وقال كالينجانيري: "لا يمكنك فقط أن تقول لهم توقفوا عن التنقل والترحال".

كما أن زراعة بنوك العلف تتطلب وقتاً واستثمارات يرفض العديد من المزارعين الانفاق عليها. فمعظم الأشجار تأخذ من ثلاث إلى أربع سنوات على الأقل لكي تحقق فوائد وتحتاج إلى حمايتها وهي صغيرة عن طريق بناء أسوار.

ويقول الخبراء أنه من غير المرجح أن يقوم المزارعون بالاستثمار في بنوك العلف.

وقال دافيز منسق مبادرة الأراضي الجافة العالمية التابعة للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة: "فقط في حالة تأكدهم من أنه يمكنهم تسمين ماشيتهم وبيع حليبها وشراء الحبوب التي يحتاجونها وأن ذلك أكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية، سيقوم الرعاة بزراعة محاصيل العلف الخاصة بهم. وبالطبع إذا كانت الأسواق غير منتعشة فإن هذا الخيار ليس ممكناً. وإذا لم يكن بالإمكان التنبؤ بالأسواق، فإن ذلك يعرضهم لمخاطر جديدة".

والمشكلة الأخرى هي أن بنوك العلف تحتاج إلى حقوق أراضي وهو ما لا يملكه معظم الرعاة.

ويقول الخبراء أن افضل طريقة ربما تكون دمج أنواع معينة من العشب أو الأشجار في محاصيل غذائية سنوية. وهذا يمكن أن يساعد في الحفاظ على غطاء التربة الخضري طوال العام ويحسن من مغذيات وتركيب التربة وترشيح المياه في الوقت الذي يتم فيه توفير الغذاء والعلف والحطب بمجرد أن يتم جني المحاصيل.

وتشمل الطرق الأخرى لزراعة المحاصيل البينية نظم حرث الأرض دون زراعتها حيث يتم إعطاء الأرض راحة من الزراعة لفترة من الوقت والسماح لها بإنتاج العلف أو مخلفات المحاصيل للماشية.

البحث عن المزارعين الرعاة

وعندما يتعلق الأمر بإدارة استخدام الراضي، ربما يكون النظر في ممارسات المزارعين الرعاة وهم هؤلاء الذين يزرعون المحاصيل ويربون قطعان صغيرة من الماشية استراتيجية جيدة.

وقال دافيز: "بصفة عامة يمكن أن أقول أن المزارعين الرعاة أذكياء جداً. ولابد أن يكونوا أذكياء لكي يبقوا على قيد الحياة. ولذلك فإنهم يزرعون أفضل المحاصيل المتاحة لهم وهي المحاصيل التي تنتج لهم الغذاء ولكنها توفر أيضاً مخلفات يمكن لماشيتهم أن تستخدمها".

ولكن حتى المزارعين الرعاة لابد أن يعتمدوا على الرعي في المراعي وعلى العلف غير المزروع أثناء موسم الجفاف.

وقال أدريان كوليس، خبير الأمن الغذائي والأراضي الجافة في منظمة الأغذية والزراعة: "أرى فرصة محدودة في زيادة مستويات مخلفات المحاصيل إلى المستويات الكافية لعدم الاعتماد على الرعي في تربية الماشية، إلا من خلال الري".

إضافة إلى ذلك فإن الري يحتاج إلى استثمارات مالية لا يستطيع معظم المزارعين الرعاة أن يتحملوا نفقاتها. ويقوم البنك الدولي حالياً بتشجيع المزيد من الاستثمارات الضخمة في مشروعات الري في الساحل من أجل الحد من تأثير مخاطر تغير المناخ على الرعاة ومن أجل تخفيف حدة التنافس مع المزارعين.

"ولكن حتى حينها (في وجود الري الجيد) أتخيل أنه عندما تنزل الأمطار فإن هؤلاء المزارعين الذي يعتمدون على الري سيقومون بإطلاق ماشيتهم إلى المراعي للاستفادة من الرعي الموسمي،" كما قال كوليس.

jl/ob/sd/rz-hka/dvh