ما مدى النجاح الفعلي للمهاجرين؟

على الرغم من أن الناس يهاجرون لمجموعة متنوعة من الأسباب، كالفرار من النزاع أو الاضطهاد أو الكوارث الطبيعية، إلا أن أولئك الذين يغادرون طواعية عادة ما يفعلون ذلك لأنهم يبحثون عن حياة أفضل. لكن لم تسع دراسات كثيرة للإجابة عن السؤال حول نسبة المهاجرين الذين يجدون ضالتهم.

ويمثل تقرير الهجرة العالمية لعام 2013، الذي أصدرته المنظمة الدولية للهجرة في 13 سبتمبر، محاولة لملء هذه الفجوة. واستناداً إلى البيانات التي جمعها استطلاع غالوب العالمي بين عامي 2009 و2011 من 25,000 مهاجر من الجيل الأول وأكثر من 440,000 شخص ولدوا في أكثر من 150 دولة، يوفر التقرير نظرة شاملة عن رفاه المهاجرين.

وقد "تم إجراء الكثير من الأبحاث على تأثير الهجرة على المجتمع وعلى التوظيف، وما إذا كانت تؤدي إلى خفض الأجور أو تحسينها في بلدان المقصد، ولكن تم إيلاء اهتمام قليل نسبياً بتأثير الهجرة على حياة المهاجرين،" كما أفاد جيرفيه ابافيه، المستشار الخاص لمدير عام المنظمة الدولية للهجرة، وأحد مؤلفي التقرير العالمي الذي تصدره المنظمة الدولية للهجرة كل عامين.

وتكشف النتائج عن أن تحقيق المهاجرين لنتائج أفضل أو أسوأ من السكان المضيفين أو نظرائهم في الوطن ويعتمد ذلك إلى حد كبير على المكان الذي يأتون منه والبلد الذي يسكنونه في نهاية المطاف.


أهم ممرات الهجرة
من الجنوب إلى الجنوب: من أوكرانيا إلى الاتحاد الروسي (3.7 مليون)
من الجنوب إلى الشمال: من المكسيك إلى الولايات المتحدة (12.2 مليون)
من الشمال إلى الشمال: من ألمانيا إلى الولايات المتحدة (1.3 مليون)
من الشمال إلى الجنوب: من الولايات المتحدة إلى المكسيك (0.6 مليون)

ويفترض في الكثير من الأحيان أن غالبية المهاجرين ينتقلون من البلدان النامية في الجنوب إلى بلدان الشمال المتقدمة، ولكن بيانات غالوب وجدت أن 40 بالمائة فقط من المهاجرين ينتقلون من الجنوب إلى الشمال، بينما ينتقل ثلث المهاجرين على الأقل من دولة نامية إلى أخرى (من الجنوب إلى الجنوب) ويهاجر 22 بالمائة من دولة متقدمة إلى أخرى (من الشمال إلى الشمال). وهناك عدد صغير ولكنه متزايد من المهاجرين (5 بالمائة) ينتقل من الشمال إلى الجنوب.

وفضلاً عن ذلك، قام استطلاع غالوب بتقييم الرفاه عن طريق توجيه أسئلة حول مستوى الدخل والصحة والسكن وظروف العمل، وكذلك مؤشرات أكثر موضوعية مثل مدى رضا الأفراد عن وظائفهم والمجتمعات المحلية وهياكل الدعم الاجتماعي. واشتملت عينة البحث على المهاجرين لمدة قصيرة (الوافدين حديثاً نسبياً) والمهاجرين لمدة طويلة (الذين أقاموا في البلد المضيف لمدة خمس سنوات أو أكثر)، وتمت مقارنة إجاباتهم مع إجابات الأفراد المولودين في نفس البلد والأشخاص الذين بقوا في بلدان المنشأ.

وبصفة عامة، وجدت الدراسة أن المهاجرين الذين انتقلوا إلى الشمال حققوا أكبر المكاسب، وكان أنجحهم على الإطلاق الذين هاجروا من الشمال إلى الشمال. كما صنف المهاجرون من الجنوب إلى الشمال حياتهم على أنها أفضل من نظرائهم في الوطن. أما المهاجرون في الجنوب، فحققوا نفس النجاح أو كانوا أسوأ حالاً مما لو لم يهاجروا أبداً، واعتبر المهاجرون من الجنوب إلى الجنوب لمدة طويلة أنفسهم أسوأ حالاً من كل من السكان الأصليين ونظرائهم في الوطن. وعانى أكثر من ربع المهاجرين من الجنوب إلى الجنوب من أجل الحصول على الغذاء والمأوى، حتى بعد البقاء في البلد المضيف لأكثر من خمس سنوات.

وكان من بين أصوات المهاجرين المساهمين في التقرير، صوت مستارية محمد، التي تبلغ من العمر 19 عاماً، وهي إثيوبية الجنسية باءت جهودها للوصول إلى الشرق الأوسط بالفشل وانتهى بها المطاف في ولاية بونتلاند بدولة الصومال منذ أكثر من عام، بعد أن احتجزها رجال مسلحون رهينة وسلبوها جميع ممتلكاتها. ولكن على الرغم من رحلتها المؤلمة وفقرها المدقع في الصومال، قالت إنها لا تزال عازمة على الوصول إلى اليمن. وأضافت قائلة: "أدرك تماماً المشاكل التي سأوجهها وأن بعض الأشخاص يموتون أثناء عبور البحر، ويتم ترحيل الكثير منهم، ولكن قيل لي أن اليمن ستوفر لي حياة أفضل، ولذلك سأفعل كل ما يتطلبه الأمر".

وعادة ما تكون الهجرة نوعاً من المقامرة، ولكن دون فلين مدير شبكة حقوق المهاجرين الكائنة في المملكة المتحدة، شبه تجربة المهاجر من الجنوب إلى الجنوب بدخول كازينو للقمار. وأوضح في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الجميع يحلمون بوضع المال على الرقم الصحيح وربح مبالغ طائلة، ولكن غالباً ما يخرج معظم الناس من الكازينو وهم أشد فقراً بكثير مما كانوا عليه عندما دخلوا".

وتجدر الإشارة إلى أن رفاه المهاجر يعتمد إلى حد كبير على السياسات المعمول بها في بلدان المنشأ والعبور والوجهة. وأكد فلين أنه "عندما تتم الهجرة بشكل منظم وبطريقة يمكن التنبؤ بها، وإذا كان هناك تنظيم جيد، يمكنك أن تتوقع تحقيق تقدم. وحيثما لا يتحقق ذلك، يبدو المكان وكأنه كازينو للقمار. وحتى في أسوأ الظروف، يستطيع بعض الناس الوصول إلى القمة، ولكن نسبة الذين يحققون مثل هذا النجاح أقل بكثير".


الفجوة بين الشمال والجنوب
المهاجرون في الشمال...
• يصنفون حياتهم على أنها أفضل مما لو لم يهاجروا
• يحصلون على خدمات صحية أفضل بالمقارنة مع تلك الموجودة في بلدانهم الأصلية
• يتكبدون عناءً أقل لتغطية نفقات الاحتياجات الأساسية مما لو لم يهاجروا
المهاجرون في الجنوب...
• يصنفون حياتهم على أنها مثل أو أسوأ مما لو لم يهاجروا
• يحصلون على خدمات صحية أقل مما لو لم يهاجروا
• يجدون صعوبة أكبر في تحمل نفقات المأوى مما لو لم يهاجروا

ومن المتوقع أن يسهم تقرير الهجرة العالمية لعام 2013 بشكل كبير في الحوار رفيع المستوى بشأن الهجرة الدولية والتنمية في الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر أكتوبر القادم، ولكن أبافيه من المنظمة الدولية للهجرة يأمل أيضاً أن يأخذ صانعو السياسات هذه النتائج على محمل الجد. "نحن لا نريد أن يركز صانعو السياسات على الآثار الاقتصادية للهجرة فقط، ولكن أن يركزوا أيضاً وبنفس القدر على التأثير الإنساني".

ولكن اقناع صانعي السياسات بإيلاء الاهتمام المطلوب قد يعتمد على حدوث تحول في الجدل حول الهجرة في دول مثل المملكة المتحدة، حيث الموقف السائد هو أن السياسة يجب أن تتمحور حول احتياجات سكان البلد المضيف، في حين تعتبر احتياجات المهاجرين هامشية، كما أفاد فلين، الذي أضاف أن "أحد السياسيين قال لي: كان شرفاً عظيماً أن أتي إلى المملكة المتحدة ومن حق الحكومة أن تقول عليك أن تقبل الوضع على ما هو عليه أو ترفضه، وليس عليها أن تفعل أكثر من ذلك".

ورحب فلين بالتقرير الجديد للمنظمة الدولية للهجرة، لكنه شدد على الحاجة إلى إجراء المزيد من البحوث حول رفاه المهاجرين في كل بلد على حدة لتحديد الممارسات الجيدة في مجالات التوظيف والإدماج وحرية التنقل التي يمكن تكرارها في مناطق أخرى.
وفي السياق نفسه، أشار أبافيه إلى إمكانية إضافة أسئلة جديدة لمسح غالوب القائم لمعرفة المزيد عن بلدان معينة أو مجموعات معينة من المهاجرين مثل المهاجرين قسراً أو الذين لا يحملون وثائق.

وأوضح أن "لدينا الآن منهجية من شأنها أن تمكننا من قياس رفاه المهاجرين على فترات منتظمة، ونحن بحاجة حقاً إلى شيء يصلح كمقياس لرفاه المهاجرين".

ks/he-ais/dvh"