نصائح مستقاه من تجارب التكيف المناخي في مدن الجنوب

يشير التقرير الذي أصدره مؤخراً الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC) إلى أن المدن في البلدان النامية، التي تتمتع بنظم جيدة في مجال الصحة والإسكان والمياه والصرف الصحي، يمكن أن تتكيف على نحو أكثر سهولة مع تغير المناخ.

وقد صرح ديفيد ساتيرثويت، أحد الخبراء البارزين في مجال المستوطنات البشرية وأحد المؤلفين الرئيسيين للفصل الخاص بالحضر في تقرير الفريق الحكومي الدولي، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بأن الرسالة التي يبعثها التقرير للمراكز الحضرية في البلدان النامية هي أن "التنمية الجيدة توفر الأساس للتكيف مع تغير المناخ سواء فيما يتعلق بمرونة البنية التحتية (نظم المياه والصرف الصحي والطرق الصالحة لجميع الأحوال الجوية) ومساكن أفضل جودة... كما أن توفير هذه الأمور يسهم أيضاً في تطوير القاعدة المؤسسية والمالية للتكيف مع تغير المناخ".

وعلى الرغم من أنه كثيراً ما تضطر المراكز الحضرية في البلدان النامية إلى اتخاذ قرارات صعبة بشأن حجم النفقات التي يجب تخصيصها للتنمية مقابل التكيف مع تغير المناخ، إلا أن مؤلفي التقرير يقولون أنه يمكن تحقيق توازن ناجح من خلال تبني اتجاه واضح في مجال السياسات، ووجود موظفين مخلصين ومستنيرين، بالإضافة إلى المعرفة والموارد المالية.

في السياق ذاته، كتبت ديبرا روبرتس، رئيسة التخطيط البيئي في مدينة دربان بجنوب أفريقيا، وأحد المؤلفين الرئيسيين للفصل الخاص بالمراكز الحضرية في تقرير الفريق الحكومي الدولي أن العديد من المدن في الدول النامية "عالقة في مأزق يشمل مزيجاً من التحديات منها النمو السكاني، وتزايد احتياجات التكيف والعجز الكبير في التنمية الناجم عن وجود نقص في الموارد البشرية والمالية، وتزايد مستويات العمالة غير النظامية، وسوء الإدارة وتدهور البيئة، وفقدان التنوع البيولوجي، والفقر وتنامي التفاوت بين الطبقات".


التنمية الجيدة توفر الأساس للتكيف مع تغير المناخ

ويضيف التقرير أن "تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن جلّ الزيادة تقريباً المتوقعة في سكان العالم حتى عام 2050 ستكون في المراكز الحضرية في الدول التي تعتبر حالياً منخفضة ومتوسطة الدخل". وتظهر الدراسات التي أجرتها الأمم المتحدة والاتحاد الدولي للصليب الأحمر وجمعيات الهلال الأحمر أن نسبة عالية من سكان العالم الأكثر تأثراً بالظواهر المناخية الشديدة تتركز في المراكز الحضرية، وكثير من هذه المراكز "تفتقر إلى حكومات محلية لها القدرة على الحد من مخاطر الكوارث، وإلى الكثير من البنية التحتية الضرورية" وذلك وفقاً للتقرير.

إلى ذلك، ينصح ساتيرثويت مخططي المدن بما يلي: "استفيدوا من الخبرات الجيدة في العديد من المدن في تقييم مخاطر الكوارث والاستثمار في تدابير الحد منها. وفي الوقت الذي تقومون بذلك، أضيفوا القليل لزيادة هامش الأمان في المناطق التي يرجح أن تزداد المخاطر فيها نتيجة لتغير المناخ".

وقد أجرى المعهد الدولي للبيئة والتنمية (حيث يعمل ساتيرثويت كباحث أول) ومقره المملكة المتحدة، دراسات حالة عن المدن الثلاث التي تواجه مشاكل كبيرة في التنمية والتي تسعى في نفس الوقت لجعل سكانها أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الظواهر المناخية الشديدة.

روساريو، الأرجنتين

ربما تكون مدينة روساريو واحدة من أفضل الأمثلة على كيفية أن تحقيق التنمية يمكن أن يساعد السكان على أن يصبحوا أكثر قدرة على الصمود.  

وكان السكان عرضة للفيضانات المرتبطة بالأمطار الغزيرة حيث تفيض المجاري المحلية المرتبطة بنهر بارانا. ومن ثم تم بناء سد على واحد من مجاري النهر بغية الحد من الفيضانات، وتم تطوير المناطق المحاذية للمجاري والنهر لتغدو مساحات خضراء. إضافة إلى ذلك، يتم حفر قنوات لتصريف المياه الزائدة في جميع الشوارع، وتم تحسين نظام الاستجابة لحالات الطوارئ.

وفي ظل وجود أكثر من 30 بالمائة من السكان عاطلين عن العمل في أوائل عام 2000، كانت مدينة روساريو تعاني مشكلات كبيرة في قطاعي الإسكان والصحة.

لكن في عام 2001، بدأت المدينة برنامجاً يهدف إلى توفير فرص عمل وتنظيم حيازة الأراضي، وتحسين السكن، فضلاً عن تحسين سبل الحصول على الماء والكهرباء والغاز، وإزالة مواقع تفريغ النفايات الكبيرة وتثبيت أضواء الشوارع. وعندما تم الانتهاء من المشروع، الذي بلغت تكلفته 71 مليون دولار، في عام 2012، أفاد 98 بالمائة من السكان (وفقاً لتقييم أجري في عام 2011) بأنهم أصبحوا يحصلون على المياه والصرف الصحي والكهرباء، وقالت 90 بالمائة من الأسر أن مخاطر الفيضانات قد انخفضت.

ويتم تخصيص أكثر من 25 بالمائة من ميزانية المدينة لقطاع الصحة، مع التركيز على الوقاية وتوفير شبكة من المراكز الصحية المجتمعية التي لا تفتح أبوابها للمقيمين فقط، ولكن المهاجرين والأجانب أيضاً.

وقد قادت اللامركزية إلى تقسيم المدينة إلى عدد من الوحدات الإدارية، التي تشجع انخراط المجتمع المحلي والمشاركة. وفي هذا الصدد، قالت جورجيلينا هاردوي، الباحثة في المعهد الدولي للبيئة والتنمية، والتي تعمل مع الباحثة المستقلة ريجينا رويته: " كل عملية تدخل تتسم بقواعد والتزامات واضحة لجميع الأطراف المعنية". فعلى سبيل المثال، يشمل كل اتفاق يتم توقيعه مع أحد كبار مطوري العقارات في القطاع الخاص أو ملاك الأرضي جزءاً من الأرض لتطوير مساحة عامة، وأراض يمكن أن تستخدمها حكومة المدينة في توفير الإسكان الاجتماعي.

مانيزاليس، كولومبيا

تقع مدينة مانيزاليس، على منحدرات شديدة في منطقة الغابات الاستوائية المطيرة، وهي منطقة معرضة للفيضانات والزلازل والنشاط البركاني، علاوة على الصراع المسلح. وتفرض كولومبيا، التي تواجه مخاطر الكوارث الطبيعية الأعلى من نوعها في أمريكا اللاتينية، ضريبة تصل إلى 1.2 بالمائة على الممتلكات في المناطق الحضرية والريفية، ويلزمها قانون البلديات باستثمار تلك الأموال في مجال حماية البيئة.

وتعليقاً على هذا الموضوع، قالت هاردوي ولوز ستيلا فيلاسكيز باريرو، الباحثة في معهد الدراسات البيئية في مانيزاليس: " يُؤخذ الحد من مخاطر الكوارث على محمل الجد [في كولومبيا]- ذلك أن التشريع يجعل الساسة مسؤولين شخصياً عن ضمان سلامة ناخبيهم من الكوارث".

ويتطلب القانون الجديد الخاص بإدارة مخاطر الكوارث لعام 2012، بتضمين الحد من مخاطر الكوارث في عمليات التخطيط لاستخدام الأراضي والتخطيط البيئي، فضلاً عن التدخلات المتصلة بالإسكان، والبنية التحتية، والتنقل، والخدمات، والصناعة والزراعة، وغيرها.

وقد قطعت مدينة مانيزاليس شوطاً كبيراً مقارنة بالمراكز الحضرية الأخرى في تطبيق القانون، وفقاً لهاردوي وباريرو. فقد قامت بنقل المنازل الموجودة في المناطق العالية المخاطر والمعرضة للفيضانات والانهيارات الأرضية، وعرضت لأصحاب الممتلكات خيار الاشتراك في برنامج للتأمين الجماعي، وخفضت مبالغ الاشتراك في هذا التأمين للمجموعات ذات الدخل المنخفض.

علاوة على ما سبق، توفر مدينة مانيزاليس حوافز ضريبية لأصحاب الأملاك الذين يقللون تعرضهم للمخاطر. ويتم حالياً تدريس موضوع الحد من المخاطر في المدارس. كما طورت المدينة مؤشراً لإدارة المخاطر العمل، بالتعاون مع المؤسسات الأكاديمية المحلية، للمساعدة في تقييم أدائها.

ديربان، جنوب أفريقيا

إدماج الحد من مخاطر الكوارث والتكيف في جميع القطاعات كما هو الحال في مدينة مانيزاليس، لم يكن النهج المتبع في مدينة ديربان، المدينة الساحلية التي تقع على المحيط الهندي ذات الاحتياجات الإسكانية الشديدة.

وعلى الرغم من أن بلدية ديربان قد تمكنت من توفير 90,000 منزل على مدى العقد الماضي، إلا أنه لا يزال هناك أكثر من 400,000 وحدة متأخرة يجب تسليمها. وحول هذه النقطة، قالت روبرتس وزميلتها شون أو دونوهيو من بلدية ديربان: "يمكن أن تستغرق معالجة هذا الأمر مدة تصل إلى 28 عاماً قياسا على المستويات الحالية للتمويل/والتسليم".

ويعيش كثير من الناس في أحياء فقيرة معرضة للفيضانات. وتشير توقعات المناخ لمدينة ديربان إلى أنه من المرجح أن تكون زيادة- تصل إلى 30 بالمائة وربما الضعف- في هطول الأمطار ما بين منتصف ونهاية القرن. وقالت روبرتس ودونوهيو أن "ارتفاع مستوى سطح البحر على طول الخط الساحلي للبلدية يصل إلى 2.7 سم في العقد الواحد وقد يزداد في المستقبل".

وخلال السنوات القليلة الماضية، بدأت المدينة تجارب لاتباع نهج شامل يشمل قطاعات عدة، على أمل أن تعمل وحدة إدارة الكوارث مع كافة القطاعات لتطوير نظم إنذار مبكر وتحديد المناطق والمجتمعات المحلية المعرضة للخطر، ووضع استراتيجيات للحد من المخاطر، وتطوير بنية تحتية مقاومة للظروف المناخية القاسية. ومنذ نحو عامين، حولت التركيز إلى قطاعات محددة، مثل "تلك التي تتمشى مع خطط الأعمال التجارية القائمة، وأهداف التنمية والتمويل والمهارات المتاحة" كما أفادت روبرتس. واعتمدت المدينة قطاعين تجريبيين هما المياه والصحة.

وقالت روبرتس أن التدخل الخاص بقطاع المياه (حماية وحفظ مصادر المياه) قد أحرز بعض التقدم. فقد دخلت المدينة في شراكة مع القطاع الخاص من أجل حماية الأراضي الرطبة في أحد المجمعات الصناعية، وأقامت شراكة إقليمية مع المناطق المجاورة لإحياء الأراضي الرطبة على طول نهر أومجيني لمنع الفيضانات. وتم توفير التمويل من الخارج.

وأشارت روبرتس إلى أن إقامة شراكات قوية مع المؤسسات المحلية الأكاديمية والمتخصصة أمر حيوي لبناء المعرفة وتطوير قاعدة بيانات للمناطق المعرضة للخطر. وقد اختيرت ديربان من قبل مؤسسة روكفلر كرائدة لبرنامج المدن التي تتمتع بالقدرة على الصمود – وهي عبارة عن مبادرة تصل قيمتها إلى 100 مليون دولار تهدف إلى تشجيع المدن حول العالم على الصمود في مواجهة المخاطر.

في ذات السياق، قالت كاثرين فنسنت، مؤلفة أخرى للتقرير الصادر عن الفريق الحكومي الدولي أن حالة ديربان توضح أن المراكز الحضرية ليست مضطرة للاختيار بين التنمية أو التكيف.

"الممرات الخضراء في ديربان والتكيف الذي يستند على النظم الإيكولوجية... قد ساهم في تحسين سلامة البيئة الطبيعية، واخضرار المدينة، ووفر فرص للسياحة، وترك آثاراً إيجابية على جودة الهواء في الوقت الحالي، وساهم أيضاً في تحسين القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ. كما أن تجهيز المساكن المنخفضة التكلفة بسخانات مياه تعتمد على الطاقة الشمسية التي تتسم بكفاءة الطاقة يُحسن حياة المقيمين، دون الزيادة المصاحبة في الانبعاثات الكربونية. ولذلك لا أعتقد أن عليها أن تختار بين هذا أو ذاك..."

"أعتقد أن ديربان تعد مثالاً على الممارسات الجيدة على الصعيد العالمي، وهناك الكثير من المدن في الدول النامية التي تتطلع إليها لإثراء وتعزيز النهج الخاصة بها".

jk/cb-kab/dvh