عمالة الأطفال تنتشر بين اللاجئين العراقيين في لبنان

على الرغم من أن علي الواسطي لم يتجاوز الـ13 عاماً، إلا أنه اضطر لتحمل المسؤولية مبكراً. فقد توقف عن الذهاب إلى المدرسة، وبدأ رحلة البحث المضني عن عمل لمساعدة أسرته في تحمل تكاليف معيشتهم في العاصمة اللبنانية بيروت.

لم يكن الوضع دائماً على هذا الشكل بالنسبة لعلي وأسرته، فعندما كان صغيراً كانوا يعيشون في بغداد، وكان زوج والدته أحمد يعمل في وظيفة حكومية ويتقاضى أجراً جيداً، وبالتالي كان علي ملتحقاً بمدرسة جيدة. وبعد مرور تسع سنوات على الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق، اعتقدوا أنهم قد نجوا من الأسوأ. لكن في أحد الأيام، تبدل الوضع وتغير كل شيء.

وحول ذلك، قال أحمد: "بينما كنت عائداً من العمل إلى منزلي في أحد الأيام، وجدت رجلين ملتحيين بانتظاري... اتهماني بأنني جاسوس وطلبا مني مغادرة الحي قبل فوات الآوان. سألتهما من أرسلهما، فقالا لي أن طرح مثل هذه الأسئلة يشكل خطراً على حياتي".

واقتناعاً منهم بأن حياتهم كانت في خطر، حزم أفراد أسرة الواسطي حقائبهم وفروا إلى لبنان. وهناك، أصبحت الأسرة جزءاً من مجتمع صغير يضم ما بين 6,000 إلى 7,000 لاجئ عراقي ينتظرون إعادة توطينهم في بلد ثالث.

وقد أرادت الأسرة أن يستمر علي في الدراسة، ولكنها عندما بدأت البحث عن مدرسة يلتحق بها فوجئت بالأسعار المرتفعة في الدولة ناهيك عن تكاليف الأشياء الأساسية في لبنان، مثل الإيجار، التي غالباً ما تكون أكثر من ضعف مثيلتها في العراق. وتعليقا ًعلى هذا قال أحمد: "لقد جئنا بأموال كنا نظن أنها ستكفينا لعامين. لكنها لم تكف أكثر من ستة أشهر".

ولم تجد الأسرة مقاعد في المدارس الحكومية القليلة ولم تستطع دفع رسوم المدارس الخاصة، ولذلك لم يعد علي قادراً على الالتحاق بالمدرسة مرة ثانية. ونظراً لأن أحمد غير قادر على القيام بأي عمل يدوي بسبب مشكلة صحية سابقة، تتطلع الأسرة الآن إلى علي لمساعدتها في دفع مصاريفها.

وقالت إيناس، والدة علي: "لقد أردنا [أن نجد له] وظيفة قانونية، توفر له الحماية، فذهبنا إلى منظمة تساعد العراقيين في العثور على وظائف. توسلنا إليهم أن يمنحوه وظيفة، لكنهم قالوا أنه صغير جداً. ولم يجد علي حتى الآن عملاً، لكنه يبحث عن عمل غير قانوني في سوق العمالة اليدوية.

وتعد قصة أسرة علي شائعة على نحو متزايد في أوساط اللاجئين العراقيين في لبنان، إذ يفيد تقرير جديد صدر عن منظمة كاريتاس غير الحكومية، وهي إحدى المنظمات التي تعمل على مساعدة اللاجئين العراقيين في لبنان منذ أكثر من عقد، أن عدداً متزايداً من الأطفال يجبرون على العمل.

وذكر التقرر أنه على الرغم من أنه "بصفة عامة، هناك فئة قليلة من اللاجئين العراقيين الذين يستخدمون عمالة الأطفال كآلية للتعايش مع الوضع"، إلا أن الأسر القابلة للتأثر بصفة خاصة-هي "في العادة تلك الأسر التي تضم عدداً كبيراً من الأفراد والأسر التي لا يقدر فيها الآباء والأمهات على العمل-ولذلك تصبح عرضة لإرسال أطفالها إلى العمل".

وقد أجرى مُعدو التقرير مقابلات مع نحو 100 طفل عراقي تتراوح أعمارهم ما بين 11 و18 عاماً من الذين يُشتبه بأنهم يعملون بصورة غير مشروعة. وقد قالت الغالبية العظمى - نحو ثلثي هؤلاء الأطفال، أن المال هو السبب الرئيسي للتسرب من المدرسة. والأمر الذي لا يخلو من دلالة هو أن بعض الآباء قد أدركوا أن أطفالهم سيضطرون للعمل عندما غادروا العراق- 92 بالمائة الأطفال لم يعملوا من قبل.

ضغوط تفاقم المعاناة

ويُحظر على اللاجئين العراقيين الانخراط في العمل المهني في لبنان، ولذلك تقول منظمة كاريتاس أن غالبيتهم يعملون بصورة غير شرعية، غالباً في سوق العمل اليدوي وبأجور ضعيفة.

وقد ازداد الوضع سوءاً خلال العامين الماضيين مع وصول حوالي 890,000 لاجئ سوري إلى البلاد، وذلك لأنهم استحوذوا على العديد من الوظائف اليدوية التي يعتمد عليها العراقيون، والذين غالباً ما يقبلون بأجور أقل بكثير. من جانبها، قامت منظمة كاريتاس بتوثيق حالات عديدة قام فيها ملاك العقارات بطرد المستأجرين العراقيين بشكل تعسفي بهدف تأجيرها لسوريين بأسعار مرتفعة. وقد أدى قيام عدد كبير من السوريين بتقاسم العقار الواحد إلى رفع تكاليف السكن على الآخرين.

في الوقت نفسه، ومع ابتعاد العراق عن دائرة تركيز المجتمع الدولي، تراجع الدعم لأولئك الفارين من العنف في البلاد. وفي ظل تراجع الدعم المالي للعراقيين، الذي يأتي بالأساس من الولايات المتحدة، في السنوات الأخيرة تزامناً مع انخفاض أعداد اللاجئين من ذروته التي بلغت نحو 17,000 في عام 2006، فقد قلصت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خدماتها في الأشهر الأخيرة، مما تسبب في توقف الدعم عن ذوي الحالات الصحية المزمنة.

وفي هذا الصدد، قالت جويل عيد، المتحدثة باسم المفوضية، أن التمويل يمثل مشكلة لكنها أشارت إلى أن المفوضية لا تزال تقدم لهم ما في استطاعتها وأضافت أن "حجم المساعدات المقدمة للاجئين العراقيين كان أعلى من السوريين في بداية الأزمة [السورية] ... لكن في ظل تفاقم الأزمة [السورية] أصبحت مساعدة العراقيين تركز بشكل أكبر على القطاعات المستهدفة. فقد تم تقليص منح التعليم وأصبحت تتماشى مع تلك التي تقدم للسوريين. كما أن خدمات الرعاية في المستشفيات أصبحت تغطي فقط إنقاذ الحياة، تمشياً مع ما يُقدم للسوريين أيضاً".

في السياق ذاته، قالت إيزابيل سعادة، منسق مشاريع في مؤسسة كاريتاس، أن الكثير من العراقيين يشعرون بأنهم يتلقون دعماً أقل من نظرائهم السوريين. وأوضحت أن "السوريين يحصلون على الكثير من المعونات: البطانيات والمواقد والمعدات اللازمة لفصل الشتاء. لذا فإنهم يشعرون بالفرق بين المجموعتين".

ورداً على ذلك، قالت المفوضية أن اللاجئين السوريين قد تلقوا المزيد من المساعدات في فصل الشتاء، ولكن هذا يعزى في جزء منه لعيشهم إلى حد كبير في الأجزاء الأكثر برودة من الدولة، في حين أن العراقيين يتركزون في المدن والساحل.

كما قلصت منظمة كاريتاس عدد موظفيها وخدماتها مع تراجع حجم التمويل: "بالنسبة للمساعدات المنتظمة، نقوم باختيار الأضعف من بين الضعفاء- إنه أمر صعب جداً".

مشكلة لغة التدريس

مع ذلك، فالمال ليس السبب الوحيد الذي يجعل الأطفال يتركون المدرسة ويلتحقون بالعمل. فنظراً لأن لبنان ليس من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 المتعلقة باللاجئين، فإن الأسر العراقية في لبنان تنتظر إعادة توطينها في بلد ثالث. وعلى الرغم من أن هذه العملية عادة ما تستغرق ما بين عام إلى عامين، إلا أنها قد تستغرق وقتاً أطول بكثير، وفقاً لمنظمة كاريتاس الدولية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ولكن الكثير من الأسر تتوقع خطئاً أنه سيتم نقلها إلى بلد ثالث في غضون أشهر قليلة، فاختارت عدم إلحاق أبنائها بالمدارس اللبنانية، على اعتبار أنها تخطط لإلحاقهم بالمدارس بعد انتقالها إلى بلد آخر.

وقالت سعادة: " نحاول أن نشرح لهم أنهم إذا لم يذهبوا إلى المدرسة أثناء وجودهم في لبنان، فقد لا يستطيعون تسجيلهم مع حلول الوقت الذي يتم فيه إعادة توطينهم"، مشيرة إلى أنهم طلبوا من بعض أولياء الأمور توقيع أوراق يتعهدون فيها بعدم إخراج أطفالهم من المدارس.

مع ذلك، فحتى أولئك الذين يذهبون إلى المدرسة غالباً ما يجدون صعوبة في التكيف مع الدراسة لأن كافة المناهج الدراسية تقريباً في العراق تُدّرس باللغة العربية، بينما تُدّرس في لبنان باللغة الفرنسية أو الإنجليزية. وعلى هذا النحو، يلتحق العديد من الأطفال بالمدرسة إلا أنهم يجدون أنفسهم غير قادرين على التعامل مع لغة مختلفة.

حل مؤقت

يبلغ لفيان 10 أعوام، لكن زملاء الفصل الدراسي أصغر منه بكثير. فبعد مقتل والدته في أعمال العنف في العراق، فرّت عمته نديمة من البلاد مع أسرتها. فاضطر أخواه اللذان يكبرانه سناً، وأحدهما لا يزال في سن مراهقة، على العمل من أجل دفع ثمن الإيجار للأسرة، ولكن نديمة عازمة على أن يواصل ليفان تعليمه.

ولكن بدلاً من تسجيله في فصل يناسب فئته العمرية، ألحقته المدرسة في السنة الأولى. وهذا يعني أن سن زملائه في الفصل هو ستة أعوام. وهكذا يجد ليفان نفسه أطول من زملائه.

وتعليقاً على ذلك، قالت نديمة: "شعرنا أن ذلك هو الشيء الصحيح، حتى يتسنى له أن يبدأ مرة أخرى ويتعلم اللغة".

وأضافت أنها مصممة على أن يكمل تعليمه، ولكنها تأمل أن يكون في إحدى الدول الغربية وليس في لبنان: "إنهم جميعاً يحبون التعليم. أود أن يستكمل أخواه الكبيران دراستيهما أيضاً، لكننا لا نقدر على دفع مصاريف الدراسة".

jd/jj/rz-kab/dvh