ما هي أفضل السبل لمساعدة 750,000 نازح في باكستان؟

يقول السكان الذين هربوا من جولة القتال الأخيرة في إقليم خيبر في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية في باكستان أنه لم يكن لديهم حتى الوقت لدفن مواتهم قبل مغادرة منازلهم في وادي تيراه.

وهؤلاء هم الدفعة الأخيرة من مئات الآلاف من الأشخاص الذي فروا من منازلهم في منطقة الحزام القبلي القريب من الحدود الباكستانية الأفغانية على مدى السنوات الخمس الماضية جراء العمليات العسكرية الباكستانية.

والنزاع ليس السبب الوحيد للنزوح، فقد لعبت الكوارث الطبيعية أيضاً دوراً في زيادة أعداد الأشخاص الذين تركوا منازلهم حيث خلقت "حالة طوارئ معقدة،" كما يطلق عليها العاملون في المجال الإنساني.

وعلى الرغم من وجود مخيمات للنازحين داخلياً حيث تقوم الحكومة والمنظمات الإنسانية بتقديم المساعدات لهم، يختار معظمهم الفرار إلى أماكن أخرى، مما يخلق تحدياً للجهات التي ترغب بتقديم المساعدة لتلك المجتمعات الضعيفة.

ويعيش ما يزيد عن 75,000 شخص في ثلاثة مخيمات للنازحين داخلياً (مثل جالوزي الذي يبعد نصف ساعة بالسيارة عن بيشاور) تأوي الأسر في خيام أو مبان مؤقتة ويتم تقديم المساعدات الغذائية ومياه الشرب وتوفير المرافق الطبية لهم. وتعمل تلك المخيمات أيضاً كنقاط مركزية لتسجيل الأسر التي تصل من المناطق التي تضررت من الصراع أو الكوارث الطبيعية.

وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أنه على الرغم من كبر حجم تلك المخيمات، إلا أنها تمثل 10 بالمائة فقط من النازحين داخلياً البالغ عددهم 750,000 شخص.

ويتم الضغط بشكل متزايد على المنظمات الإنسانية من أجل العناية بهؤلاء الذين يفضلون العيش في أماكن أخرى وخاصة في بيشاور عاصمة إقليم خيبر بختون خوا الباكستاني ومناطق أخرى في الإقليم.

وتقوم الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية العاملة في باكستان بإجراء ما يسمى بدراسات توصيف وتقييم أوجه الضعف للنازحين داخلياً IVAP وذلك لجمع معلومات عن أماكن تواجدهم خارج المخيمات ونوع الدعم الذي يحتاجون إليه من مأوى وغذاء إلى مساعدات الرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي والنظافة.

وتقوم تلك الدراسات أيضاً بجمع معلومات عن ما يقول النازحون داخلياً أنهم سيحتاجون إليه عند عودتهم إلى منازلهم في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية بصفة عامة حيث يمثل السكن والأمن والزراعة أهمية خاصة بالنسبة للأسر.

وبعد ذلك يتم إرسال نتائج هذه الدراسات إلى الشركاء في المجال الإنساني في محاولة لضمان أن تستهدف المساعدة الأماكن الأشد احتياجاً.

ويوصي مشروع توصيف وتقييم أوجه الضعف للنازحين الذي تموله المفوضية الأوروبية بأن تقوم المنظمات الإنسانية بتحديد أولويات المساعدات للأسر الموجودة خارج المخيمات التي يضطر 82 بالمائة منها إلى دفع ايجار والعيش في ظروف صعبة وفي أماكن ضيقة.

النازحون خارج المخيمات

ويمكن أن يمثل تقديم الخدمات الإنسانية خارج بيئة المخيم تحدياً. وعلى الرغم من أن النازحين يتمتعون بفرصة الوصول مباشرة إلى المرافق داخل المخيمات، إلا أن العادات القبلية ومفاهيم الحياة في المخيمات وتفضيل البقاء مع الأقارب والأصدقاء يعني أن عدداً كبيراً منهم يختار العيش خارج المخيمات، مما يصعب على السلطات والمنظمات الإنسانية مهمة تتبعهم وتقديم المساعدات لهم.

وقال سوبات خان أفريدي رئيس تحريك المتأثرين في إقليم خيبر، وهي منظمة غير حكومية قامت أحزاب سياسية مختلفة بإنشائها لمساعدة النازحين داخلياً أن المستفدين سيحصلون على خدمة أفضل في حال كانت عملية توزيع المساعدات غير مركزية.

وقال أفريدي أنه "من السهل على المنظمات الكبيرة وخاصة المنظمات غير الحكومية الدولية أن تعمل في المخيمات لأن إدارتها أسهل بالنسبة لها. لكن المشكلة هي أن جميع الأسر التي تعيش خارج المخيمات ما تزال تواجه صعوبة في الوصول إلى جالوزي للحصول على المساعدات".

وأضاف أفريدي أنه "سيكون من الأفضل إذا قاموا بإنشاء نقاط للتوزيع في أنحاء بيشاور في المناطق التي يعيش فيها الكثير من النازحين داخلياً، وهو ما سيترجم إلى ضغوط أقل بالنسبة للسلطات في جالوزي ومشاكل أقل أيضاً للنازحين داخلياً خارج المخيمات".

وصل يار محمد البالغ من العمر 29 عاماً إلى بيشاور قادماً من تيراه في يناير بعدما مشى مع عائلته لمدة خمسة أيام وقطع الكثير من رحلته عبر الثلوج الكثيفة. وقال محمد أن الذهاب إلى جالوزي لم يكن خياراً بالنسبة لهم.

وأضاف: "تحدثت لبعض الأشخاص وأخبروني أن المرافق في جالوزي ليست كافية. كانوا سيعطوننا خيمة واحدة فقط وهذا لن يكفي لعشرة أشخاص".

وقام محمد بدلاً من ذلك بالبقاء مع ابن عمه حتى وجد منزلاً من الطين مكوناً من ثلاث غرف في منطقة سكيم تشوك في بيشاور. ويقوم محمد بدفع 4,000 روبيه باكستانية (41 دولاراً) في الشهر ويأمل في الانتقال مع أسرته إلى منزل أفضل قريباً.

وقال فايز محمد كبير منسقي الحكومة لشؤون النازحين داخلياً أن في إقليم خيبر بختون خوا "حركة الأسر خارج المخيم وخاصة القادمين من خيبر تعتبر متقلبة، فأحياناً يعيشون مع أقارب لهم وإذا كانوا يستطيعون تحمل نفقات الايجار فإنهم يستأجرون منزلاً خاصاً بهم. نحن نبذل قصارى جهدنا لتسجيلهم جميعا|ً، لكن ذلك يمثل تحدياً بالنسبة لنا".

ويتم بذل الجهود من أجل البقاء على اتصال مع الأسر الذين يختارون العيش بين أقاربهم أو تأجير عقار. وتستخدم الحكومة أرقام الهاتف المحمول لتسجيل الأسر الذين يعيشون خارج المخيم ويحاول المسؤولون الوصول إلى الأسر غير المسجلة بتلك الطريقة أثناء عمليات توزيع الغذاء الشهرية في النقاط المخصصة للتوزيع.

وأضاف فايز محمد أنه "حتى إذا لم يبقوا في المخيم يقوم معظمهم بزيارة نقاط توزيع الغذاء وهذا يسمح لنا بالحصول على معلومات منهم وتقديمها إليهم وتقييم الموقف".

وقد قامت المنظمات الإنسانية والحكومة بتحديد المناطق التي يتواجد فيها عدد كبير من النازحين داخلياً في بيشاور ومحيطها حيث تقوم بتقديم بعض المساعدات لهم مثل الرعاية الطبية.

وقال أحد عمال الإغاثة التابعين لمنظمة إنقاذ الطفولة في باكستان والذي فضل عدم ذكر اسمه أن "تحديد الأسر خارج المخيمات كان يمثل تحدياً لأن العديد من الأسر النازحة كانت ترفض التسجيل وبسبب المخاوف الأمنية للمنظمات الإنسانية. وقد تم التغلب على ذلك إلى حد ما عن طريق رسم خرائط للأسر في البداية بناء على المعلومات التي تم الحصول عليها من النازحين داخلياً الذين يعيشون في المخيمات ثم توسيع الجهود بعد ذلك لتشمل الدراسات الخاصة بالأسر خارج المخيمات في المجتمعات المضيفة".

الانتقال إلى مكان آخر

ويعيش خالد شاه القادم من إقليم خيبر في صفيد ديري وهو حي في بيشاور يقطن فيه ما يقدر بحوالي 250 أسرة نازحة. وبسبب قلقه منذ عامين على سلامة أطفاله نظراً لتصاعد القتال في مدنية بارا قام خالد بجمع بضاعة متجره الصغير وترك منزله. وكانت المحطة الأولى له هي جالوزي.

وقال شاه البالغ من العمر 42 عاماً أن "الجميع أخبرني أن الذهاب إلى المخيم أفضل فكرة لأنه آمن ويوجد به طعام ومأوى. لكن بعد شهرين لم أستطع تحمل البقاء هناك أكثر من ذلك".

وبدأ بعدها بالتنقل بين جالوزي وصفيد ديري للعمل حيث استطاع أن يكسب أجراً يومياً من تحميل وتفريغ البضائع في السوق. ويعيش شاه الآن في شقة من غرفتين في نفس الحي مع أسرته لكنه ظل مسجلاً مع سلطات جالوزي وغالباً ما يسافر إلى المخيم في حال احتاج إلى مساعدات.

وقال شاه: "لقد استطعت الانتقال إلى هنا لكن أخي وأسرته مازالوا في جالوزي. يعمل أخي معي هنا لكنه ما يزال مسجلاً هناك. لا أحد يدري ماذا سيفعل". ويقوم الأخوان بالتناوب على زيارة أرضهم ومتجرهم في بارا كل شهر.

ونظراً لتشاؤمهم حيال آفاق السلام في قراهم ومدنهم فإن الخطوة التالية للعديد من الأسر هي التخطيط لحياة جديدة بعيداً عن خيبر. وقد قام العديد منهم ببيع أراضيهم لشراء عقار في بيشاور وحولها. وقام أولئك الذين يملكون المال بإقامة مشاريع تجارية.

وقال شاه "في اليوم الذي أقتنع فيه أن بارا أصبحت آمنة سوف أعود".

لكن مساعدة الأشخاص الذين يملكون موارد مالية متواضعة هي التحدي الحقيقي بالنسبة لواضعي السياسات من حيث استراتيجية العودة. ولا يوجد أمام أفقر النازحين خيار سوى التسجيل والعيش في مخيمات مثل جالوزي حيث الخدمات المقدمة تفوق بكثير ما يتمنوه في موطنهم.

وقال فايز محمد كبير منسقي الحكومة في إقليم خيبر بختون خوا أن "النازحين الموجودين في المخيمات هم الأكثر ضعفاً، إذ لا يملكون وسائل أخرى أو موارد لإنشاء شيء آخر لأنفسهم. كما أنهم يحصلون على الرعاية الصحية والتعليم والغذاء في المخيم"، مضيفاً أنها "مسألة واضحة: لماذا يعودون؟"


مخاوف أمنية

ويقول المسؤولون الباكستانيون أن خطط العودة لا يمكن أن تنجح إلى أن يتم إحلال السلام في المناطق المتضررة.

وقال فايز محمد: "يمكننا فقط بدء العمل في برنامج لعودة النازحين داخلياً بعد أن تقرر الحكومة والجيش أن المناطق المتضررة قد أصبحت آمنة".

وفي مخيم اللاجئين- على مشارف العاصمة الباكستانية إسلام آباد- موطن العديد من الأسر النازحة بسبب النزاع على الحدود مع أفغانستان، قال شير محمد من إقليم مهمند في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية أن الجيش طهر قريته ولكن أفراد أسرته الذين زاروها مازالوا يخشون هجمات المسلحين.

وأضاف شير محمد البالغ من العمر 40 عاماً: "عاد أبناء عمي الصيف الماضي واضطروا إلى المغادرة مرة أخرى لأن الوضع مازال خطيراً هناك. لا يمكنني أن أتحمل نفقات العودة إلا إذا كان الوضع آمنا تماماً. سأتكلف 50,000 روبية لإعادة أسرتي. وإذا كان الوضع غير آمن سوف أضطر إلى انفاق 50,000 روبية أخرى للعودة مرة أخرى إلى هنا. وأنا لا أملك هذه الأموال".

rc/jj/cb-hk/dvh