الصحة: البحث عن مضادات حيوية جديدة

 تحدث حالة وفاة واحدة تقريباً من أصل خمس حالات في جميع أنحاء العالم نتيجةً للالتهاب، ولكن وفقاً لمنظمة الصحة العالمية فإن العديد من الأمراض البكتيرية ستصبح غير قابلة للشفاء من جراء تراجع فعالية المضادات الحيوية الحالية. كذلك، حذرت منظمة الصحة العالمية في عام 2011 من أن "العالم على وشك فقدان هذا العلاج المعجزة". وبدا الأمر وكأننا نودع جيلاً من المضادات الحيوية المألوفة التي يمكن الاعتماد عليها، بعد أن قدمت لنا خدمات جليلة على مدار أكثر من نصف قرن من الزمن.

وقالت لورا بيدوك، مديرة مبادرة عمل المضادات الحيوية التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها، ومؤسِسة مجموعة أبحاث مضادات الميكروبات في جامعة برمنغهام في المملكة المتحدة، أن بعض البلدان قد بدأت تفقده بالفعل. فقد ظل الناس لفترات أطول مما ينبغي يعتبرون وجود مضادات حيوية تقتل البكتيريا من المسلمات، إلاّ أن البكتيريا قد تحوّلت لتطوير دفاعات ضد تلك المضادات الحيوية ذاتها. فالعقدية الرئوية مثلاً هي سبب رئيسي للإصابة بالالتهاب الرئوي، من بين العديد من الأمراض الخطيرة الأخرى. والإشريكية القولونية، أو إي كولاي، هي السبب الرئيسي لأمراض الإسهال. والمكورات العنقودية الذهبية هي المسؤولة عن العديد من الأمراض من الالتهابات الجلدية الطفيفة إلى الالتهاب الرئوي، والتهاب السحايا، ومتلازمة الصدمة السامة، وتعفن الدم.

وأشار كتاب صدر مؤخراً عن التحالف من أجل الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية، التابع لجامعة تافتس الأمريكية إلى أنه "في حين انكب الخبراء في العالم الصناعي على دراسة مقاومة المضادات الحيوية على مدى العقود الأربعة الماضية، فإن الدراسات التي تصف المشكلة والوضع الصحي العام في العالم النامي قد تخلفت عن الركب." وبما أن الأدوية تستغرق وقتاً أطول لعلاج الأمراض أو لم تعد فعالة، يمكن حتى للالتهابات الطفيفة أن تصبح قاتلة، كما أفاد ممثل عن شركة صناعة الأدوية العالمية غلاكسو سميث كلاين.

الأسباب

يؤدي تدني مستوى النظافة الصحية إلى سرعة انتشار المقاومة للمضادات الحيوية. كما أن تناول المضادات الحيوية بشكل مفرط، أو بشكل غير لائق أو بجرعات غير صحيحة يعطي البكتيريا فرصة لتغيير حمضها النووي والتكيف للتهرب من المكونات الفعالة في الأدوية. ففي إندونيسيا، وجدت دراسة محلية أن المضادات الحيوية توصف لنحو 80 بالمائة من أمراض الجهاز التنفسي والمعدة في مرحلة الطفولة - حتى عند علاج الأمراض التي تسببها الفيروسات، والتي لا يمكن معالجتها بواسطة المضادات الحيوية. ومع تزايد المقاومة للمضادات الحيوية، أصبحت الحاجة إلى إيجاد البدائل أكثر إلحاحاً. وقال براد سبيلبرغ، عضو فريق العمل التابع لجمعية الأمراض المعدية الأمريكية، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها: "أنا أعتقد أن الحكومات والصناعة والعلماء يقدرون بالفعل هذه المشكلة حق قدرها، ولكن ما تفتقر إليه معظم الحكومات حتى الآن هو الإرادة السياسية للعمل على حل المشكلة".

ولكن حتى مع الإرادة السياسية، ما زال التقدم العلمي بطيئاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن تصميم مضاد حيوي يعالج بفعالية مجموعة من الأمراض البكتيرية يمكن أن يكون أكثر صعوبةً من العثور على لقاح يقي من العدوى عن طريق استهداف مرض واحد محدد. ونتيجةً لذلك، فإن نبع البحوث الخاصة بالمضادات الحيوية "يكاد يكون جافاً" كما أشارت شركة غلاكسو سميث كلاين. "كان هناك انخفاض ملحوظ في مجال الأبحاث المتعلقة بالمضادات الحيوية طوال السنوات الخمس عشرة أو العشرين الماضية. ولم يتم تطوير وتدشين سوى فئتين من المضادات الحيوية [عائلة الأوكسازوليدينونات والليبوبيبتيدات الدورية] طوال السنوات الثلاثين الماضية". وأكد سبيلبرغ أنه تم اكتشاف المضادات الحيوية السهلة الاكتشاف، مضيفاً أن "اكتشاف وتطوير أي جيل جديد من المضادات الحيوية يصبح أكثر صعوبةً تدريجياً، ويستغرق وقتاً أطول ويكلف أكثر، كما تصبح المخاطر [المالية] أكبر مقارنةً بالأجيال السابقة من [المضادات الحيوية]".

انخفاض الأرباح

عادةً ما تستخدم المضادات الحيوية لعدة أيام أو أسابيع، على عكس العلاج الذي يمكن أن يستمر لأشهر أو سنوات، كما في حالة الأمراض المزمنة مثل السرطان والسكري. وعندما تكون المضادات الحيوية الجديدة متوفرة، تُستخدم على أقل نطاق ممكن، وفقط عندما لا يستجيب المرضى للعلاجات الحالية. ونتيجةً لذلك، توفر المضادات الحيوية الجديدة عائدات أقل على الاستثمار، كما أشارت شركة جلاكسو سميث كلاين.

كذلك، عرقلت العقبات التنظيمية المتعلقة بالفحوص والموافقات فرص إحراز أي تقدم. ففي العقد الأخير، غيرت إدارة الأغذية والعقاقير، وهي الوكالة المعنية بتنظيم إنتاج الأدوية في الولايات المتحدة - والتي تقوم بمعظم التجارب على المضادات الحيوية - قواعدها الخاصة بالتجارب السريرية. "وجاء الارتباك نتيجةً لذلك ... فالشركات ليست متأكدة من كيفية القيام بالتجارب السريرية التي تجعل الخبراء الإحصائيين في إدارة الأغذية والعقاقير سعداء،" كما أفاد سبيلبرغ في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية. وأضاف أن "خطر فشلها في الحصول على موافقة إدارة الأغذية والعقاقير على المضادات الحيوية الجديدة أعلى بكثير الآن، حتى بعد نجاح المرحلة الثالثة من التجارب السريرية".

المبادرات

تشمل الجهود المبذولة لزيادة اكتشافات المضادات الحيوية إصدار قانون مبادرات لتصنيع المضادات الحيوية الآن في الولايات المتحدة، والذي من المتوقع التصديق عليه في وقت لاحق من عام 2012. ومن جانبه، أطلق الاتحاد الأوروبي مؤخراً شراكة بين القطاعين العام والخاص، بين مؤسسات الأبحاث العامة وشركات الأدوية، لتشجيع الاستخدام الملائم للمضادات الحيوية ورصد مقاومة البكتيريا وتعزيز البحث العلمي.

ومن المتوقع أن تصل كلفة خطة الاتحاد الأوروبي إلى 280.6 مليون دولار، تقدم مبادرة الأدوية المبتكرة في بروكسل ما يقرب من 50 بالمائة منها، ويأتي الباقي من المساهمات العينية المتمثلة في الخبرة والأدوية التي يوفرها المتعاونون. ويمكن للشركات الصيدلانية أيضاً أن تحفز العمل في هذا المجال. فتحث شركة غلاكسو سميث كلاين، على سبيل المثال، على المزيد من الشراكات بين القطاعين العام والخاص قائلةً: "يجب اتباع نهج مختلف جذرياً يتيح للشركات الخاصة والمؤسسات العامة والأوساط الأكاديمية العمل معاً وتبادل المعلومات لإعادة تنشيط الأبحاث".

oja/pt/he-ais/bb

"