الصعود والسقوط المحتمل لمعونة الشتات السوري

قبل بضع سنوات، لم يكن حسين يعرف إلا القليل عن المساعدات الإنسانية. إنه بائع سيارات سوري دمث الخلق في الدوحة، وكان يعيش حياة بسيطة بين المنزل والمكتب. وفيما عدا الهدايا أو التحويلات المالية غير المنتظمة، لم يكن يرسل أي بضائع إلى سوريا.

ولكن في هذه الأيام، أصبح حسين خبيراً عن غير قصد في إدارة الخدمات اللوجستية. وبوصفه رئيساً لمكتب إغاثة مخصص يقع مقره في الدوحة ويديره متطوعون سوريون، يمضي الليالي وعطلات نهاية الأسبوع في شحن مواد الإغاثة إلى مسقط رأسه، محافظة دير الزور. وفي إحدى الحملات الأخيرة، جمعت المجموعة بطانيات وملابس للشتاء. وفي مرة أخرى، جمعوا إمدادات غذائية، وقبل ذلك، أرسلوا سلعاً إلى اللاجئين في مخيم الزعتري في الأردن. وقال أن "الناس سعداء جداً لأنهم تمكنوا من القيام بشيء".

والجدير بالذكر أن حسين هو عضو واحد فقط من جيش هائل من المغتربين السوريين الذين دأبوا منذ عام 2011 على استغلال أوقات فراغهم ومدخراتهم وحتى سبل معيشتهم من أجل إرسال مساعدات إلى الوطن. كان ما يقدر بنحو 10 ملايين مغترب سوري يعيشون في الخارج قبل وصول الربيع العربي إلى وطنهم. وكان العديد منهم من المعارضين للحكومات المتعاقبة التي قادها حافظ الأسد وابنه بشار. ونظراً لمعرفتهم الشخصية بقسوة النظام، فقد ساعدوا المتظاهرين عن طيب خاطر. وفي حين أن الكثيرين منهم في الخليج من العمال الذين لا يمتلكون مدخرات كبيرة يمكن تقاسمها، فإن البعض الآخر قد بنى امبراطوريات تجارية ضخمة وحياة مستقرة في الطبقة المتوسطة.

بدأ المغتربون عملهم بفكرة بسيطة: إذا تمكن العالم من رؤية الانتفاضة السورية، فإنه لن يقبل الحملات القمعية. تمكنت مواقع التواصل الاجتماعي من نقل صور الاحتجاجات ومقاطع فيديو عن ردود فعل قوات الأمن. وساعد هذا النموذج على الإطاحة بزعماء حكموا لفترات طويلة في تونس ومصر. وفي ليبيا، كان الغرب على وشك التدخل لوقف ضربات سلاح الجو التابع للزعيم الليبي معمر القذافي ضد المدنيين. وظن المغتربون أن في سوريا أيضاً، لا يمكن لأحد بالتأكيد أن يقف مكتوف الأيدي يبنما يقوم الرئيس بشار الأسد بقتل المتظاهرين العزل.

وبنفس سرعة تصاعد الاحتجاجات، بدأ رجال الأعمال في الخليج يبحثون عن طرق لتزويد النشطاء بأدوات العصيان المدني: الكاميرات والهواتف المحمولة وائتمان لخدمة الهواتف، وأحياناً حتى هواتف تعمل بالاقمار الصناعية. "كان هناك دائماً طريق تجارة قوي بين دول الخليج وسوريا، وكان بيننا أشخاص يعرفون كيفية نقل هذه المواد،" كما روى أحد المغتربين الذين شاركوا في الحملات التي نشأت في أبو ظبي.

ومع كل شحنة، كانت مجموعات المنفيين في جميع أنحاء المنطقة تزداد تنظيماً. وبعد فترة زمنية قصيرة، شكلوا ما يمكن تسميته بلجان التنسيق المحلية، أو مجموعات تنسيقية، وهي هياكل موازية آخذة في الظهور على الأرض في سوريا. ومعاً، أنشأت تلك الشبكات سلسلة توريد. أرسلت المجموعات التنسيقية على الأرض قوائم تطلب المؤن؛ ولبت المجموعات التنسيقية في الخارج تلك الطلبات.

والمدهش أن شبكات الشتات هذه ظهرت بشكل عفوي وكانت مستقلة عن بعضها البعض. وقد أصر المغتربون في دولة الإمارات العربية المتحدة أنهم كانوا يبذلون تلك الجهود بمفردهم، كما فعلت جماعات مماثلة من السوريين في الكويت وقطر. وهكذا ظهرت شبكة دعم في المنفى وكانت متناسقة العضوية بنفس قدر تناسق عضوية الانتفاضة نفسها.

وسرعان ما ساعدت نفس الأدوات التي أرسلها المنفيون لمنع إراقة الدماء على تحويل المغتربين إلى عاملين في المجال الإنساني.

وبحلول منتصف عام 2011، كانت قوات الأمن تعتقل الشبان في معاقل المعارضة، وكانت أُسرهم تحتاج إلى مساعدة لدفع الفواتير. ثم أراد النشطاء مستلزمات طبية لعلاج الجرحى، الذين خاطروا بالتعرض للاعتقال إذا سعوا للحصول على رعاية صحية في المرافق التي تديرها الدولة. وفجأة، بدلاً من الهواتف الذكية من طراز سامسونج، امتلأت الصناديق المتجهة إلى سوريا بالمضادات الحيوية وأكياس الدم.

ومع انتشار الأزمة الإنسانية، كانت مجموعات الشتات في وضع فريد يؤهلها لفهم ما هو مطلوب على أرض الواقع. وأوضح حسين أن "التحدي [الذي واجه جماعات الإغاثة] هو كيفية التواصل مع السكان". كافحت المنظمات الدولية لتجميع المعلومات من وراء خطوط المعركة المعقدة. ولكن أفراد الشتات كانوا يستطيعون إرسال رسائل إلى الأسرة والأصدقاء على الأرض للحصول على تحديثات فورية - ومن ثم يستجيبون بسرعة. ولكل منطقة أو مدينة بحاجة إلى المساعدة، "يوجد سوري هنا [في قطر] يعرف شخصاً جديراً بالثقة في الداخل" - سواء كان صديقاً أو أحد أفراد الأسرة - يمكن توجيه الإمدادات إليه، كما أوضح حسين.

كما مكنت مواقع التواصل الاجتماعي المغتربين من تتبع الشحنات عن طريق زمرة من الوسطاء. في كل نقطة طوال الرحلة من ميناء دبي أو الدوحة إلى سوريا، كان شخص يلتقط صورة للبضائع لإثبات التسليم. وأثبتت مقاطع الفيديو التي تم تصويرها داخل المجتمعات المحتاجة لمجموعات الشتات أن الإمدادات الطبية والطعام والملابس، وحتى السجائر التي تبرعوا بها كانت تصل.

وفي كثير من الأحيان، كانت المساعدات غير منسقة ومتقطعة وفوضوية، ولكن معونات الشتات وجدت طريقها إلى المناطق التي لم تتمكن جماعات الإغاثة الأخرى من الوصول إليها. وعن طريق الاستفادة من العلاقات الشخصية والخبرات المحلية، تمكنوا من تخطي نقاط التفتيش - غالباً عن طريق الرشوة - بنسبة نجاح أفضل وقيود سياسية أقل من المنظمات الإنسانية الرسمية. "لإرسال مواد غذائية إلى بعض المناطق، ندفع ثلاثة أضعاف تكلفة الطعام نفسه للجيش السوري،" كما شرحت مغتربة في دولة الإمارات العربية المتحدة طريقة إدخال المساعدات إلى المناطق المحاصرة.

والآن، بعد أربع سنوات من الصراع السوري، أثبتت المجموعات التنسيقية في الشتات أنها من بين أهم مصادر المساعدات بالنسبة لملايين المدنيين. ولكنها قد تكون اقتربت من نهايتها. لم يتوقع العديد من أعضاء الشتات أن تستمر الانتفاضة كل هذه المدة، وقد استُنزفت مدخراتهم الشخصية بسبب إرسال المساعدات. يقيم السوريون في الخارج حفلات العشاء وينسقون مع الجمعيات الخيرية المحلية، ويقبلون جميع أنواع البضائع المتبرع بها. ولكنهم في الغالب، يواصلون البحث عن سبل لتمويل الإغاثة بأنفسهم. ويتخلى عدد لا يُحصى من الرجال والنساء والشباب عن الجزء الأكبر من رواتبهم لإرسال المساعدات.

ولكن مع تضاعف الاحتياجات، لا يمكن لأي قدر من سخاء الشتات السوري أن يجاريها. كما أن شبكة أمان الدعم الأُسري من الخارج التي يعتمد عليها الكثير من السوريين تختفي بسرعة. وهذا قد يكون أحد الأسباب التي تجعل أعداداً أكبر من اللاجئين تسعى للحصول على الأمن الأكثر استدامة في أوروبا. ولا يستطيع الشتات المفلس والحزين أن يمنع الملايين من السوريين الآخرين من الانضمام إليهم.


إليزابيث ديكنسون هي مؤلفة كتاب "العرابون واللصوص: كيف موّل الشتات السوري ثورة".