آراء المحللين بشأن الأزمة الحالية في جنوب السودان

أسفر الصراع في جنوب السودان منذ اندلاع العنف في 15 ديسمبر عن مقتل آلاف الأشخاص وتشريد مئات الآلاف غيرهم. وفي هذه الأثناء، يلتقي ممثلون عن كل من الرئيس سلفا كير ومنافسه نائب الرئيس السابق رياك مشار، في أديس أبابا في محاولة للتفاوض بشأن التوصل إلى تسوية ووقف إطلاق النار. وفي الوقت ذاته، تهرول المراكز البحثية والأكاديميون والخبراء لشرح أسباب حالة العداء الشديد وأعمال القتل التي تجتاح البلاد.

ما هو دور القوات المسلحة؟

تعليقاً على هذا الموضوع، كتب أليكس دي وال وعبده محمد تقريراً في مجلة فورين بوليسي Foreign Policy قالا فيه أن "الصراع الحالي له ثلاثة أبعاد رئيسية- نزاع سياسي داخل الحزب الحاكم وهو الحركة الشعبية لتحرير السودان، وحرب إقليمية وعرقية، وأزمة داخل الجيش نفسه".

وتشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن "ما كان لبعض الوقت أزمة سياسية داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان قد امتد الآن إلى الجيش الذي لطالما مزقته المشاكل الداخلية، بما في ذلك الانقسامات العرقية والتوترات. كما أن عدم وجود خطوط فاصلة واضحة بين هذه المؤسسات، وكبار الشخصيات السياسية والمجتمعات العرقية- وكذلك انتشار الأسلحة على نطاق واسع- يجعل الحالة الراهنة متقلبة بشكل خاص".

ويرى دي وال ومحمد أن الجيش المختل وظيفياً يعود إلى فترة توقيع اتفاق السلام الشامل في عام 2005، "فعندما تم توقيع اتفاق السلام الشامل، كان الجيش الشعبي لتحرير السودان، في الواقع، مجرد مجموعة ضمن العديد من القوات العسكرية الموجودة في جنوب السودان. ويمكن القول بأن الجيش الشعبي لتحرير السودان كان قوياً مثل منافسته التي تعرف بقوات دفاع جنوب السودان، التي تُنظم وتُمول من قبل الخرطوم ولديها قاعدة إقليمية عرقية قوية. وقد خشي العديد من  الأشخاص من نشوب حرب أهلية في الجنوب عقب السلام مع الشمال. لكن سلفا كير، الذي كان قد تولى منصب نائب رئيس حكومة جنوب السودان حديثاً في عام 2005، تواصل مع قيادة قوات دفاع جنوب السودان وسائر قادة الميليشيات وعرض عليهم العضوية في الجيش والحكومة على حد سواء".

وقد أنفقت الحكومة نحو 55 بالمائة من ميزانياتها على الدفاع، وذهب نحو أكثر من 80 بالمائة من ذلك على مرتبات أكثر من 200,000 شخص يعملون بالجيش الشعبي لتحرير السودان. وقال دي وال ومحمد: "لقد خلقت النفقات على مر الزمن عقبات لا يمكن التغلب عليها لإصلاح الجيش وتأهيله مهنياً. فقد كان الجيش مجرد ائتلاف من وحدات عرقية مرتبطة ببعضها البعض بالمدفوعات النقدية".

من جانبه، أشار جوك مادوت جوك، المدير التنفيذي لمعهد سود البحثي في جوبا، إلى الخلافات التي تراكمت أثناء النزاعات السابقة: "كان التنافس الشديد على السلطة السياسية داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان سيؤدي حتماً إلى تفجُّر العنف، لأنه كان سيقود على الأرجح لنكء جراح الماضي الناجمة عن العقود الثلاثة الماضية من حروب التحرير، التي تحول خلالها أهالي جنوب السودان للاقتتال على زعامة الحركة الحاكمة".

وأضاف أن هذه الصراعات "كانت غالباً ما تُرمم أو تُخبأ بهدف التركيز على الهدف المشترك، ولكنها لم تُحل بشكل جذري، وتركت عدداً كبيراً جداً من المجتمعات المحلية دون عدالة".

ويلقي مادوت اللوم بشكل أساسي في اندلاع أعمال العنف على "فشل برامج التنمية في فترة ما بعد الحرب في تحقيق المكاسب التي كان يتوق إليها المواطنون عقب نيل الاستقلال". وهكذا، لم ير معظم سكان الدولة التنمية والثروة والمصالحة والأمن الذي كانوا ينتظرونه عندما يصبح جنوب السودان دولة مستقلة.

ماذا عن العرقية؟

من جهتها، ترى هانا برايس، خبيرة الأمن الدولي في معهد تشاتام هاوس، أن هذا الصراع هو بالأساس صراع عرقي، حيث قالت: "ديناميات الصراع على القيادة بين الرئيس سلفا كير، الذي ينتمي لقبائل الدينكا، ونائب الرئيس السابق رياك مشار، الذي ينتمي لقبائل النوير، تلقي بظلالها على السياسة في جميع أنحاء الدولة، ما يوضح مدى انتشار النزعة القبلية السياسية في أعلى منصب". وأشارت أيضاً إلى أن هناك إحساساً قوياً لدى المجموعات العرقية الأخرى أن قبائل الدينكا تهيمن على الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان.


كان التنافس الشديد على السلطة السياسية داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان سيؤدي حتماً إلى تفجُّر العنف، لأنه كان سيقود على الأرجح لنكء جراح الماضي الناجمة عن العقود الثلاثة الماضية من حروب التحرير، التي تحول خلالها أهالي جنوب السودان للاقتتال على زعامة الحركة الحاكمة

ولكن أمير إدريس، أستاذ ورئيس قسم الدراسات الأفريقية الأمريكية في جامعة فوردهام، يختلف مع هذا الرأي بشدة، قائلاً أن "الكثير من الكتابات الاستعمارية حول الثقافات الاجتماعية والسياسية في جنوب السودان قد ركزت على مجموعتين: الدينكا والنوير. وركز عدد قليل جداً من الدراسات على المجموعات العرقية الأخرى. ولذلك، بات ينظر إلى السياسة ويجري تعريفها من خلال منظور هاتين المجموعتين فقط.

وأضاف أن "تفسير الأزمة السياسية الأخيرة كصراع عرقي بين الرئيس سلفا كير، الذي ينتمي لقبيلة الدينكا، ونائب الرئيس السابق، رياك مشار، الذي ينتمي لقبيلة النوير، أمر غير دقيق لأن ذلك يفترض أنه يمكن استعادة الاستقرار السياسي إذا توصلت هاتان المجموعتان العرقيتان إلى اتفاق لتقاسم السلطة السياسية".

وأشار إلى أن مشاركة جميع الفئات في اتفاقات السلام أمر حيوي لنجاح محادثات السلام، "فالصراع الدائر ليس عرقياً أو ثقافياً، بل خلاف سياسي. ثانياً، هذه الهويات العرقية المتعارضة، مثل النوير والدينكا، ليست ثابتة، بل يمكن أن تصبح هويات سلمية إذا تم إعادة تعريف الدولة وإعادة هيكلتها بطريقة تجعل إدارة الهويات المتداخلة والتعايش فيما بينها أمراً ممكناً في جنوب السودان في مرحلة ما بعد الاستعمار". ويعتقد أن تحقيق هذا يتطلب التوصل إلى حل سياسي.

هل فشل الإدارة هو السبب؟

قال ستيف ماكدونالد، مدير برنامج أفريقيا في مركز ويلسون، أن القادة الكبار قد فشلوا في أداء مهامهم: "فمنذ الاستقلال، تعاني حكومة جنوب السودان من عدم الكفاءة وسوء التصرف والفساد". وأضاف: "كانت النخب تكدّس الأموال، بينما تعاني الغالبية العظمى من الشعب من الجوع. وكان أمراء الحرب يعقدون صفقات مع رجال الأعمال الدوليين كل في قطاعه، فيما بدت الحكومة المركزية غير فعالة تماماً".

في السياق ذاته، كتب أليكس فاينز، من معهد تشاتام هاوس، مقالة في صحيفة الجارديان، جاء فيها: "يتعلق النزاع الحالي بضعف القيادة السياسية داخل بلد لا يزال يحتاج إلى بذل جهود ضخمة لبناء الدولة".

وأضاف: "يبدو أن صراع النخبة على السلطة داخل القيادة الصغيرة يجر البلاد بأسرها إلى حرب أهلية شاملة تتحول بسرعة إلى حرب ذات أبعاد عرقية".

ويرى جون كامبل، الباحث في قسم دراسات السياسات الأفريقية التابع لمجلس العلاقات الخارجية، أن ضعف القيادة قد أدى إلى مشاكل هيكلية: "فالجيش الشعبي كان عبارة عن حركة تحرير، وليس حزباً سياسياً. وفي فترة ما بعد الاستقلال و'التنمية'، لم يكن لديه برنامج سياسي متماسك".

وقالت جوزفين كيبي وموانجي إس. كيمينيي من مبادرة تنمية أفريقيا في مؤسسة بروكينجز: "عقب مرور عامين على استقلال جنوب السودان، من الواضح أنه لم يكتسب شرعيته بعد كدولة ذات حكومة فاعلة يمكنها الحفاظ على أمن شعبها وتوفير الخدمات لهم". ويتهم كيبي وكيمينيي كبار القادة بالفساد قائلين أن "شرعية الدولة لا تتحقق إلا إذا قامت بتوفير الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والأمن للمواطنين".

ما هو الدور الذي لعبه المجتمع الدولي؟

قالت ساره بانتوليانو، رئيس الفريق المعني بالسياسة الإنسانية في معهد التنمية الخارجية أنه "في حين أن المعلقين قد يختلفون بشأن الأطراف التي ينبغي أن تتحمل أكبر قدر من اللوم فيما جرى أو تلك الأكثر عُرضة للتأثر بما يجري في هذا التحول الرهيب في الأحداث، إلا أن ثمة حقيقة واحدة واضحة وهي أن المجتمع الدولي- أي العديد من الأطراف الإقليمية والدولية التي تدعم العملية الانتقالية في جنوب السودان- هو من يتحمل بعض المسؤولية".

وأشارت إلى أن المجتمع الدولي كان يعلق "آمالاً كبيرة على السلام" بعد توقيع اتفاق السلام الشامل، ونظر إلى الصراع ما بين الشمال والجنوب على أنه عقبة رئيسية أمام تحقيق السلام، ومن ثم أخفق في التركيز على الانقسامات داخل الجنوب.


وترى بانتوليانو أن المجتمع الدولي قد ركز فقط على الإصلاحات "الفنية" المتعلقة بالتنمية، "وقد تم إلى حد كبير تجاهل المخاوف والتحذيرات حول الدور الذي تؤديه المحسوبية والانتماء العرقي في الحياة السياسية في جنوب السودان، فضلاً عن الدعوات إلى فهم أفضل لأسباب الضعف، وعلاقات السلطة ومسببات عدم الاستقرار".

وأضافت أن "العديد من الأطراف العاملة في قطاع المساعدات في جنوب السودان كانت تعمل على افتراض أن تحقيق المزيد من التنمية – أي تحسين الخدمات والبنية التحتية وفرص الحصول على الغذاء - سيؤدي إلى استقرار وسلام دائم"...لكن الإصلاحات الفنية فشلت في جنوب السودان: وأخيراً حان الوقت لوضع السياسة في قلب مشروع بناء الدولة".

كيفية تحقيق العدالة والمسائلة؟

وصف برنستون ليمان وجون تيمين وسوزان ستيجانت في مقالة نشرت على موقع معهد الولايات المتحدة للسلام، المحادثات التي تعقد في أديس أبابا بين كير ورياك مشار، التي تستضيفها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، بأنها "أول خطوة إيجابية لوضع حد فوري للقتل والتدمير والتشريد".

مع ذلك، فقد أشاروا إلى أن "هذه هي مجرد الخطوة الأولى من بين خطوات عدة يتعين القيام بها. فعلى الرغم من تسبب الأزمة الحالية في أعمال عنف مرّوعة منذ منتصف ديسمبر، إلا أنها تُعد أيضاً فرصة لمعالجة المسائل التي لم تُحل بعد ووضع جنوب السودان مرة أخرى على مسار التحول الديمقراطي والحكم الرشيد والسلام – ذلك المسار الذي انحرف بعيداً عنه قبيل الأزمة الحالية".

من جهته، أشار ديفيد دينج، مدير الأبحاث في جمعية القانون في جنوب السودان، وإليزابيث دينج، محامي حقوق الإنسان في نيروبي إلى أن "لدى العمليات الرامية لتحقيق السلام في جنوب السودان سجل طويل من إعطاء الأولوية للمصالحة بأي تكلفة، والإخفاق في تأمين سُبل الإنصاف للأشخاص المتأثرين بالصراع...ولتجنب تكرار أخطاء الماضي، يجب أن يشمل أي اتفاق للوساطة بين سلفا كير ورياك مشار عملية متكاملة تشمل توضيح الحقيقة وإرساء العدالة وعقد المصالحة".

وفي هذا الصدد، اقترح المؤلفون إنشاء محكمة مختلطة، يديرها موظفون وطنيون ودوليون على حد سواء، على غرار تلك التي جرى تطبيقها في سيراليون وتيمور الشرقية وكوسوفو وكمبوديا "فمن الواضح أنه لا يمكن إجراء تحقيقات ومحاكمات قضائية نزيهة دون دعم دولي نظراً لعدم تمتع النظام القضائي بالقدرة والمصداقية والاستقلال".

وقال جوك، من معهد سود: "بغض النظر عن الحلول التي يتم التوصل إليها، يجب أن يشمل الاتفاق النهائي على آلية من آليات العدالة لضمان عدم إهمال ضحايا هذه الأعمال الوحشية أو اعتبارهم مجرد أضرار جانبية للصراع، كما تعاملت معهم اتفاقية السلام الشامل من قبل".

وفيما يتعلق بمرحلة ما بعد الأزمة الحالية، يوصي معهد الولايات المتحدة للسلام بأن يتم إعادة استئناف عملية كتابة الدستور إذ يرى أن "كتابة دستور دائم للبلاد سيكون بمثابة أداة لبناء الدولة وبدء الإصلاح في جنوب السودان".

ومن أجل أن تصبح هذه العملية ذات جدوى "يجب أن تتوفر لها الموارد الكافية والدعم". وأكد على أنه "يجب أن يكون هناك وعي بأن كتابة الدساتير ليست مجرد عملية فنية بحتة. بل ينبغي أن تكون كتابة الدستور أداة لتحديد رؤية وطنية، وتشكيل هوية وطنية، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والزعماء، وبين المواطنين والمجتمعات المحلية".

وختاماً، أفاد بيتر جريستي، صحفي في قناة الجزيرة: "في نهاية المطاف، أي حل يخفق في تغيير الطريقة الأساسية التي تُدار بها العملية السياسية في جنوب السودان لا يعتبر حلاً على الإطلاق...فإذا انتهينا إلى صفقة 'لتقاسم السلطة' تحاول إخفاء الخلافات الأساسية دون معالجة الثقافة السياسية السائدة، فسوف تدخل البلاد في حالة هدوء مشوب بالقلق، لكنها حتماً، سوف تنفجر مرة أخرى".

aps/rz-kab/dvh